عرفات سياسي مخضرم يحذق مهارات منازلة خصومه كما تثبت قراءة التجارب التي عبرها في حياته من اطلاق الثورة الى بناء الدولة. عندما هدد شارون الرئيس الفلسطيني، ومنعه من حضور أعياد الميلاد في بيت لحم تمنى البعض على عرفات المغامرة بالذهاب مشياً إلى كنيسة القيامة. كان هؤلاء يراهنون على ان شارون لن يرتكب حماقة وأمام عرفات فرصة لاستقطاب الرأي العام الغربي إلى جانبه في مناسبة الميلاد. عرفات لم يركب المغامرة كالعادة ـ فهو يعرف كيف يراهن على ماذا ومتى؟ فآثر الاحتماء بمقر رئاسته في رام الله. بعد أعياد الميلاد كما قبله سالت دماء فلسطينية ذكية، وكذلك اسرائيلية ودمرت آليات الاحتلال بيوتاً عديدة وشردت نساء وأطفالاً وفجر صبية أجسادهم وصعدت أرواحهم وانضمت فتاتان لكوكبة الاستشهاديين. صبر عرفات واستبسل شعبه في الصمود فربحوا حرباً أخلاقية رفيعة بالتضحيات والاستعداد على مواصلة الفداء وخسر شارون هذه الحرب بالوحشية التي مارسها معززة بآلية عسكرية ضد شعب أعزل. التصميم الفلسطيني المشرب بالدم على مواصلة المشوار إلى حين قيام الدولة بهر العالم قاطبة وانتزع احتراماً وتأييداً للقضية الفلسطينية. ادارة بوش مثل شارون خسرت رهان كسر عظم الفلسطينيين واملاء الشروط الاسرائيلية والأمريكية فتحركت لاحتواء الرهان الخاسر خاصة بعد استهداف واشنطن ضرب العراق. مهمة الجنرال زيني لم تكن غاية في حد ذاتها وانما كانت أداة مساعدة لجولة تشيني. الجنرال مكلف باحتواء الحريق الاسرائيلي من أجل افساح المجال أمام أمريكا لاشعال حريق في العراق. لما واجه نائب الرئيس الأمريكي رفضاً عربياً جامعاً لوجود جبهتين مشتعلتين بالمنطقة في وقت واحد عمد الى اختتام جولته الشرق أوسطية بلقاء مع شارون لابلاغه بضرورة اطفاء حريقه. من هنا جاء الابقاء على زيني لمتابعة جهوده والاصرار على اعادة الطرفين الى طاولة المفاوضات والتراخي الاسرائيلي ازاء تطويق مكتب عرفات بما يتيح أمام الرئيس الفلسطيني مغادرة تبدو مشروطة. الصمود الفلسطيني يرفض العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل فتح الملفات الأمنية وحدها انطلاقاً من اصرار على مواصلة البذل من أجل الدولة ومن ثم اجبار الطرف الاسرائيلي على اعادة فتح الملفات السياسية وبحث القضايا العالقة. من الواضح ان كسر حصار عرفات ولقاءه المجدول مع نائب الرئيس الأمريكي قد أدرجا في محاولة لاغراء الجانب الفلسطيني بتقديم تنازل مماثل في سياق صفقة خبيثة غايتها كسر الكبرياء الفلسطيني واخماد الغليان الشعبي المشرب بالفداء. قادة الانتفاضة وجماهيرها يدركون حقيقة هذا الاغراء الساذج ومقاصد الصفقة الخبيثة لذلك يصممون على المضي في الطريق نفسه إلى نهايته. رغم التجانس الواضح بين السلطة والمنظمات تبدو الانتفاضة الان أمام اختبار من المرجح أن تبرز خلافات بين السلطة والمعارضة مرتكز الخلافات لن يكون تبايناً في التقدير للمصالح الوطنية وانما هو ناجم عن الاختلاف بين أقطاب الثورة ورجال الدولة في نظرتهم لمعالجة الأزمة. عمر العمر