الملف السياسي:اسمه «دين هاشم»، هاجر من لبنان الى أمريكا قبل 24 عاماً، وحصل على الجنسية الأمريكية في عام 1985. قبل سبعة أعوام فتح المهاجر اللبناني مطعماً فخما في ضاحية «أوركارد ليك» القريبة من مدينة ديترويت في ولاية ميتشجان وأطلق عليه اسم «الشيخ». كان الزبائن يقفون طوابير بانتظار طاولة شاغرة داخله أو للحصول على وجبة سريعة من اللحم المشوي والبابا غنوج والتبولة يحملونها معهم.. ولكن منذ 11 سبتمبر العام الماضي تحول «الشيخ» الى صالة أشباح نتيجة مؤامرة الكترونية.. كيف؟ نقرأ الحكاية في صحيفة «وول ستريت جورنال» وهي من دون تحفظ أكثر الصحف عداء للعرب والمسلمين، وقد نشرتها على صفحتها الأولى يوم 14 الشهر الجاري، وموجزها ان رسالة ظهرت في البريد الالكتروني يوم 11 سبتمبر الماضي تروي ان ممرضة في مستشفى هنري فورد جاءت الى مطعم «الشيخ» لتحصل على وجبة سريعة في ذلك اليوم، وبينما كانت تتناول طعامها كان التلفزيون يعرض مسلسل الهجمات الارهابية في نيويورك وواشنطن، وكان عمال المطعم العرب يهللون ويصفقون ابتهاجا أمام مشهد الطائرات وهي تصطدم بمبنى التجارة العالمي. وقالت كاتبة الرسالة ان زوج ابنتها طبيب وقد سمع الرواية من ممرضة تعمل في المستشفى، ودعت المواطنين الى مقاطعة «الشيخ»، وهو ما تم بالفعل. الوصايا العشر في الفصل الثاني من الحكاية يظهر صاحب المطعم على المسرح ليدافع عن نفسه فيقول:« إن شيئا مثل هذا لم يحصل، وشرائط الفيديو الداخلية التي تقوم بتصوير ما يجري في المطعم طوال الوقت تؤكد ذلك، وأنا أدعو الجميع لمشاهدتها»، ويضيف انه اتصل بالمستشفى وتحدث مع الطبيب الذي تزعم الرسالة انها نقلت الرواية عنه، وان الطبيب أبلغه انه مثله كان ضحية الرسالة، أما حماة الطبيب فإنها مريضة جدا. وفيما بعد رفض الطبيب عبر المحامي التعليق على الحادثة لمراسل الصحيفة. هنا تتدخل المنظمات اليهودية في المدينة مدافعة عن مطعم «الشيخ» وصاحبه العربي، فتظهر قياداتها على التلفزيون وهي في المطعم على الهواء مباشرة لتمنح صك غفران للمهاجر اللبناني، وفي الوقت نفسه تمنحه رسالة مكتوبة تقول بأن الاشاعة التي أطلقت حول «الشيخ» هي أقرب الى الجريمة. ويتطوع حاخام ليعلن: «لقد تعلمنا كيهود اننا عندما نشاهد شخصا يتألم أن نساعده، إن هذا الرجل يتألم». بينما يضيف حاخام آخر: «إن احدى الوصايا العشر تقول: لا تشهد بالزور». فلسطين؟.. هل أنا مجنون؟ وفي الفصل الثالث تبلغ الحكاية ذروتها عندما يسأل مراسل الصحيفة صاحب المطعم عن يافطة تم تعليقها داخله يوم 10 سبتمبر وهي تدعو الى الاحتفال والمشاركة في الذكرى الأولى لقيام الانتفاضة في فلسطين، فيرد المهاجر اللبناني بأنه ما ان شاهد اليافطة حتى قام بتمزيقها فورا، ويقول: «هل تعتقد فعلاً انني أسمح بتعليق يافطة من هذا النوع تدعو زبائني اليهود للمشاركة في ذلك الاحتفال؟ بالتأكيد لو فعلت سأكون مجنوناً». وينتهي دين هاشم الى التأكيد: «إنني رجل مطاعم لا أتعاطى السياسة أو الدين». إذن تلك هي الرسالة: عربي يقع عليه الظلم، اليهودي يتصدى للدفاع عنه وحمايته، لأن دينه يرفض الظلم وايذاء الآخرين، العربي بالمقابل يرد التحية بأحسن منها فيعلن براءته من الدين وفلسطين، ويصير المطعم وطناً. هل يقوم دين هاشم بتغيير اسم المطعم أيضا؟ تقول الحكاية ان زوجة هاشم كانت ستفتتح فرعاً للمطعم في مطار ديترويت يحمل اسم «الشيخ» ايضاً، ولكنها وافقت مع السلطات المحلية على ان الاسم غير مناسب، وهو «ملوّث» فتم استبداله باسم «مطعم البحر الأبيض المتوسط». تحالف المسلمين مع السود هنا ربما من المفيد التوقف عند الخلفيات التي تقوم عليها هذه الحكاية، ففي العام الماضي قامت قيامة الجمعيات والمنظمات اليهودية والصهيونية ولم تقعد عندما تناقلت وسائل الإعلام احصاءات غير رسمية قدّرت عدد المسلمين في امريكا بحوالي 10 ملايين مسلم. الجمعيات اليهودية قالت ان الرقم مبالغ فيه وهو دعاية تهدف الى التأثير على رجال الكونجرس. الأهم من هذا ان مدينة ديترويت وهي معقل الجاليات العربية شهدت في السنوات الأخيرة تحالفاً بين الأمريكيين من أصل أفريقي من جماعة لويس فرقان وبين العرب، على خلفية مواجهات نشبت بين السود واليهود في نيويورك معقل القوة اليهودية المالية وفي الوقت نفسه بؤرة الفقر الأسود، خاصة في منطقة برونكس حيث الداخل مفقود والخارج مولود. من ديترويت إلى نبيه بري وفي العام 1984 كنت شاهداً على المدى الذي يمكن ان يصل اليه هذا التحالف بين الامريكيين الافارقة والمهاجرين العرب، فقد كنت مقيماً في واشنطن عندما اتصل بي على الهاتف من ديترويت قيادي في تنظيم «قوس قزح» الذي كان يتزعمه في ذلك الوقت القس جيسي جاكسون، وسألني ما اذا كنت استطيع الاتصال بالاستاذ نبيه بري في بيروت، وعندما سألته عن السبب، أوضح قائلا: «ان تنظيم قوس قزح سوف يقوم باضراب وتنظيم مظاهرة ليفرض على المصانع زيادة عدد الأعضاء السود في مجالس ادارتها، وهو يسعى الى التنسيق مع العرب، واللبنانيين بالذات، كي يرفضوا العمل إذا ما طلب منهم أصحاب المصانع والشركات ذلك، لأنهم لو فعلوا لأدى ذلك الى كسر الاضراب» وقد أعطيت القيادي الاسود رقم هاتف «الاستاذ»، وكما علمت فيما بعد فقد نجح الاضراب بالتنسيق مع اللبنانيين. وكان من بينهم 25 ألفاً من أبناء الجنوب اللبناني، وأعتقد ان هذا العدد ارتفع اليوم، إذا لم يكن قد تضاعف. يقول تقرير الـ «وول ستريت» إن عدد العرب في ديترويت يصل الى 300 ألف، بينما عدد اليهود لا يزيد على 95 ألفاً، ولعل هذا يكشف سر اهتمام الصحيفة اليهودية بـ «الشيخ» الذي يحتاج الى حماية اليهود.