الملف السياسي: لا خلاف على أن مجرد التقاء الزعماء العرب هو إضافة لرصيد العمل العربي المشترك خاصة وأن لقاء القمة أصبح دوريا بشكل يتيح آلية دائمة تضمن على الأقل أن هموم الأمة ستكون دائما في بؤرة الاهتمام. هكذا يرى البعض!! غير أن البعض الآخر ومن خلال قراءاته لمقررات القمم السابقة خاصة قمتي القاهرة وعمان يرى أنه يجب ألا نعول كثيرا على نتيجة قمة بيروت المقبلة لأن النتائج المتوقعة في ظل المعطيات الإقليمية والدولية لا تبشر بشئ جديد يختلف عن المقررات السابقة مما يعني أنه لا أمل في إحداث تغيير إيجابي في الموقف العربي يضع حدا للحال المأساوية التي يعيشها الشعب العربي الفلسطيني!! وفي تقديري أن الرأي الأول فيه كثير من التسطيح ويصادر حق مؤسسة القمة في أن تفعل شيئا ينقذ الأمة من مصائبها واختلف مع الرأي الآخر رغم موضوعيته لأن الظرف التاريخي الذي تعيشه الأمة على المستويين الإقليمي والدولي الآن يفرض على القادة العرب إنجاز عمل مغاير عما سبق! فكما أوضحنا وصل الملف الفلسطيني إلى درجة من السخونة التي يستحيل معها استمرار حالة الصمت إزاءه فكما هو واقع على الأرض تجاوز آرييل شارون كل الخطوط الحمراء وأصبح كالثور الهائج في حلبة الصراع ويدرك أي شارون أن نهايته المحتومة سوداء - بإذن الله - بعد فشل سياساته تجاه شعبه وتجاه غيره. خطورة الموقف وخطورة الأمر حسبما أرى تفرزها حالة الاحتقان في الشارع العربي المقرونة بمشاعر الغضب نتيجة مساحة الاختلاف بين ضرورات النظم العربية وطموحات الجماهير. بعبارة أخرى إن استمرار الحال العربي على ما هو عليه ينذر بعواقب وخيمة آجلا أو عاجلا ومن هنا تبرز أهمية مؤتمر قمة بيروت باعتباره من الناحية العملية الفرصة الأخيرة أمام الأمة للاستيقاظ من الغفوة واسترداد الوعي ووضع النقاط فوق الحروف! ونقطة البداية هي يجب التعامل بواقعية مع هموم الأمة من قبل قادتها وفي ظل الظروف الراهنة أرى أن الهم العربي الأكثر إلحاحا الآن هو إنقاذ الشعب الفلسطيني من حملة الإبادة والإرهاب المنظم التي يتعرض لها يوميا على أيدي عصابات شارون في الضفة والقطاع وقد بات واضحا أن شارون لن يتراجع قيد أنملة عن مخططه العدواني إلا إذا وجد من يردعه ويلقي في قلبه الرعب بشكل عملي بعيدا عن البيانات العصماء التي لا يتعدى سقفها حدود الإدانة والاستنكار خاصة وأن الرعب أصبح يتملك شعبه الذي فقد الثقة في إمكاناته المزعومة التي ستضمن له الأمن المفقود والسؤال المطروح: من الذي سيردع شارون؟ حتى الآن لا يوجد على الساحة غير الشعب الفلسطيني نفسه الذي لم يعد أمامه سوى خيارين المقاومة أو الاستشهاد! ورغم الوضع المآساوي الذي يعيشه شعب فلسطين إلا أن تحليل هذا الوضع يقود إلى أن شارون دخل المعركة برهان القوة الغاشمة.. وهو رهان أثبت التاريخ دوما أنه الخاسر الأخير لأن المنتصر تاريخيا أيضا هو صاحب رهان الحق حتى ولو طال الأمد.. حتى ولو استشهد الملايين من أبناء الشعب العربي الفلسطيني وملحمة البطولة والاستقلال في الجزائر مازالت ماثلة في الأذهان ونقول رغم كل ذلك سيأتي جيل من أبناء فلسطين يجني ثمار النضال وينعم بتحرير الأرض المقدسة ولكن الحق أي حق لابد أن يدعم بقوة العدل وفي تصوري هي قوة يمتلك العرب مفرداتها إذا أرادوا ويمكن أن يوظفوها لإرجاع حقوقهم المغتصبة وهنا علينا أن نعرف حدود هذه القوة ومدى تأثيرها على الطرف الآخر الذي طغى وتمادى في بغيه وعدوانه.. ومن ثم تصبح هذه القوة هي الممكن المتاح لأمتنا وهو أمر ليس هينا أو قليلا - كما قد يتصوره البعض منا - ويبقى السؤال: ما هذا الممكن الذي يجب إدراكه؟! عندما نتحدث عن عامل (القوة القومية) لا نقصد بها الجانب العسكري فقط - رغم - أهميته - ولكن مدى القوة يصل إلى السياسة والاقتصاد والثقافة والاعلام والفنون.. بعبارة أخرى اننا يجب أن نتعامل مع مفهوم القوة بمنطق حضاري يمكننا من أن نكشف للعالم حقيقة الوجه الإرهابي لإسرائيل. كما أن القوة هي أن نثق في قدرتنا العربية على الفعل وليس رد الفعل فقط ، مما يجعلنا نتواكل منتظرين حلولا لقضايانا بمعجزات خارجة عنا وفي سياق المسألة الفلسطينية تنتظر الحل الأمريكي عندما يتحول راعي السلام من الموقف المنحاز والداعم للعدوان إلى الموقف المحايد الذي يقف إلى جانب الحقوق العادلة وهذا في المدى المنظور على الأقل هو المستحيل بعينه!! الممكن المتاح فلا يكفي اللوم الأمريكي العام لإسرائيل لأنها تعدت هذه المرحلة وتفاقم الوضع إلى حد لا ينفع معه اللوم أو العتاب! ويبقى إذن الممكن المتاح أمام الأمة هو أن تعلن في القمة كل الدول العربية أنها العمق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني.. هذا العمق يعني أنه لا يكفي التعاطف والتضامن ومساندة الشعب الفلسطيني إنما يجب أن يترجم إلى أشكال عديدة يختار منها الخيارات المناسبة لتفعيل قوة العرب القومية. أولا: هل يمكن قطع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية الموقعة على معاهدات سلام معها ويترافق ذلك بالطبع مع طرد السفير الإسرائيلي من هذه الدول؟! فقد قامت مصر بخطوة كان لها مردودها الإيجابي في بدايات انتفاضة الأقصى عندما صعدت إسرائيل عدوانها على الشعب الفلسطيني فأصدر الرئيس حسني مبارك قرارا بسحب السفير المصري من إسرائيل. ومن هنا وفي ظل التدهور الحالي في المنطقة يصبح في الإمكان تهديد إسرائيل بالغاء معاهدات السلام بينها وبين الدول العربية إذا لم تتراجع عن طريق العدوان على الشعب الفلسطيني وواقعيا إذا راجعنا إتفاقية السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل العام 1979 فإن أحد بنودها يشير إلى ضرورة عدم قيام أي من الطرفين الموقعين بأعمال من شأنها الإضرار بأمن وسلامة أي منهما وبالتالي تعريض حالة السلام للخطر. وعليه نجد أن إسرائيل قد انتهكت الإتفاقية عندما إعتدت على الشعب الفلسطيني إجمالا لأنه يرتبط بإتفاقية دفاع مشترك ومصر أحد الموقعين عليها حيث بات العدوان الإسرائيلي على غزة ورفح تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري من جهة حدود مصر الشرقية!! وأرى أن الشئ نفسه بالنسبة للأمن القومي الأردني حيث من الطبيعي أن العدوان على الضفة الغربية يعد إنتهاكا مماثلا لإتفاقية السلام المبرمة بين إسرائيل والأردن!! نقول.. ماذا لو طرح العرب هذه الحقائق في الأمم المتحدة وفي الأوساط الأوروبية بلسان واحد وحجة واحدة. وفي اعتقادي أنه سوف يحدث تغيرا نوعيا في الضغط الدولي على إسرائيل من مجرد إصدار قرارات غير قابلة للتنفيذ مثل القرار الأخير رقم (1397) الذي أصدره مجلس الأمن وهلل له الجميع وتحويلها إلى قرارات ملزمة وإذا لم تلتزم إسرائيل بتنفيذها يستوجب ذلك تدخلا دوليا وفرض عقوبات اقتصادية على الكيان الصهيوني!! هل في الإمكان تحقيق ذلك؟ ثانيا: أن التهديد باستخدام القوة العسكرية وهي أحد عناصر القوة القومية لأي أمة في العلاقات الدولية ليس معناه (إعلان الحرب) فكم من مرة كان هذا الإسلوب وسيلة فعاله لنزع فتيل نزاعات وأزمات دولية وإقليمية خاصة إبان الحرب الباردة ثم التهديد بالقوة ولم تستخدم! ويكفي القول إنه إذا شعرت إسرائيل بجدية القوة العربية لسوف يطالب الشعب الإسرائيلي فورا بإسقاط حكومة شارون والعودة مرة أخرى إلى حظيرة السلام. أليس هذا انتصارا عربيا على المستوى السياسي إذا عرف العرب كيف يصلون إليه؟! ويكفي أيضا أن تعلن كل الدول العربية التزامها بتطبيق إتفاقية الدفاع المشترك المشار إليها وأنها بصدد إتخاذ كل التدابير الدفاعية لوقف العدوان على فلسطين حتى تعيد إسرائيل التفكير أكثر من مره قبل أن تستمر في عدوانها بعبارة أخرى. أن إمتلاك العرب ناحية القوة العسكرية والسياسية سوف يجعل إسرائيل تتراجع لأنه لا يوجد شعب يريد الانتحار بالرضوخ لعقلية شخص مختل يقوده مثل شارون. ومن قبل أحسنت إسرائيل استغلال التناقضات العربية - العربية ولعبت بذكاء على ما يمكن تسميته بوتر الضعف العربي الأمر الذي كان عاملا لتقوية الموقف الإسرائيلي الإرهابي والعدواني والضارب بكل الضغوطات عرض الحائط حتى ولو جاءت من قبل الحليف الاستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية!! أما في حالة استشعار إسرائيل بقوة العرب القومية سوف ترتدع وعليه يمكن لأي ضغط دولي أمريكي أو أوروبي أن يؤتي ثماره! ثالثا: إن السلام بدون قوة يعني الاستسلام ولا أتصور أن يعود العرب والإسرائيليون إلى مائدة التفاوض في ظل الظروف الراهنة لأن من (ألف باء) التفاوض أن المفاوض الناجح هو القادر على أن يمتلك بين يديه عناصر قوته ويوظفها كأوراق اللعب التي تزيد من قدراته التفاوضية. أما السلام الضعيف إذا جاز التعبير لن يقود إلا إلى حالة من الاستسلام في التحليل الأخير.. إن قمة بيروت العربية يمكن أن تكون الورقة الرابحة في حسابات القوة القومية وهي الممكن المتاح في وقت يعتقد البعض أنه زمن المستحيل! ـ كاتب مصري