الملف السياسي: تعتمل في قلوب الكثير من الناس مشاعر متضاربة حول القمة العربية المقبلة فالكثير يرى عبث هذا الاجتماع وعاقبته الوخيمة حيث يعقد في وقت يوحد الحكومات العربية، خوفها بل وهلعها من الإدارة الأمريكية، وفي زمن تفرقها أهواء شتى ومواقف متناقضة تبعدها عن بعضها وعن مجتمعاتها، فهذا جمع في ظرف يصرف عن الطموح، ويرغب عن الأمل، ويقود إلى الإحباط، ولا ينبع هذا الشعور من تطلعات لا يحكمها العقل، أو ينبثق من أحاسيس ضلت طريقها إلى الممكن، ولكنه من سنوات من الخيبة من أن ما يصدر عن القمم العربية لا يعبر عن القدرات العربية الممكنة، ثم إنه على هزاله يطويه التاريخ في بطنه، ولا يحتذى في الفعل العربي. فاجتمع في مؤتمرات القمة نقص المحجم عن الأمر، وقصور المستثقل من الواجب، ثم بات الكثير من هؤلاء الناس يستوي عندهم حضور القمم أو غيابها، لا من حيث العلم بها فطنينها في العادة كبير، ولكن من حيث ما تبعث في نفوسهم من دفء الحركة، أو من حيث ما تثري حياتهم من حرارة التغيير، ولكن من هوان التجربة استصحب معها الناس الإهمال وأسقطوا الاكتراث، ولقد دخلت الآن الأمة المرحلة الثالثة، ففي مرحلتها الأولى حصنت نفسها برجاء أن تنصرف حكوماتها إلى القضايا التي تفدحها وأن تولي عنايتها للمسائل التي تبهظها. فرضيت على مضض أن تتساهل في كثير من حقوقها على أن ترى الحكومات تفعل الكثير من واجباتها، فإذا الوحدة تتحول إلى افتراق، وإذا التكامل ينقلب إلى حواجز أكثر على الحدود، وإذا التضامن حروب نأكل فيها بعضنا بعضا وندعو الآخرين ليشاركونا في ولائمها، ثم ينزل الخطر المحدق بكامل الأمة من شموله ليصبح نزاعا يخص الفلسطينيين، ثم ندفع العداوة مع كل العالمين بالتي هي أحسن إلا مع أهلنا، ثم أحاق بالناس الذهول مما يرونه ولا يستطيعون منعه فبلد لحين الإحساس، وخرست لوقت الألسنة، وهامت العقول: لكن صمت الناس أجله معلوم وإرهاصاته واضحة. فأصبح الصوت يعلو الآن أكثر على أن المقايضة غير فاعلة، ثم إنها غير منصفة، ولعل الحكومات أكثر منا وعيا على تيارها المقبل، فإن كان كذلك ففي هذا الرجاء. مسئوليات تاريخية لكن القمة العربية المقبلة يتنازعها أمران، ما يتقد في صدر الأمة من جانب، ومدحلة الأمريكان من جانب آخر والخوف أن يذهلها الثاني عن الأول وستذهب هذه القمة في التاريخ أحد مذهبين لا ثالث لهما، لأن المبيت عظيم لا أحد يعرف إن جرى مجراه ما سيفعله بالعرب من تدمير وتخريب ولا يغرن أحد الغرور أن الأمريكان إن فتحت لهم الأبواب أنهم سيدخلون واحدا ويدعون الأخرى، وسيكون من الغفلة التصور أن الأمريكان يريدون تغيير الأنظمة التي لا تتفق مع سياساتهم الخارجية، فهذا أمر كان على بالهم بالأمس، قبل عقد من الزمان، أما الآن فهم يرون الفرص سانحة لصوغ العالم على هواهم، وانتقل الرهان إلى الجانب الثقافي فهم يريدون تغيير الأنظمة لا تغيير الأشخاص، تغييرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. فقد أصبحت الأمور عند الأمريكان، وبالذات الجمهوريين، لا تتحمل القسمة ولا تقبل التجزئة، ومن يجهل هذا من زعمائنا فقد حرم من النصيحة الصادقة، وغاب عنه النقاش الجاري في الولايات المتحدة، بل أن بعض النقاش المتطرف في أمريكا يذهب بعيدا جدا بما يليق بعتاة المتجبرين، ولذلك، فأي موقف لا يكون ساطعا كالشمس دعوة للحرب وإجازة لها، وحتى نمنع الأمريكان استغلال تصريحات منقوصة لزعماء عرب أنها تأييد لأعمالهم المرتقبة، فلا فكاك من مقاربة الأمور من منظور متكامل وشامل. والتكامل يتوافر عندما يغيب الفصل بين القضايا والشمول وحينما تمنع التجزئة في القضية الواحدة، فعلى الصعيد الأول، لا يجوز التقدم بمبادرة تتعلق بالصراع العربي الفلسطيني، دون أن تكون هناك مبادرة تتعلق بالحصار حول العراق، فإن تم ذلك، فهو ما سيفرح له الأمريكان فهم يريدون فصل الموضوعين، ليرضوا العرب مؤقتا بواحد بالمواعيد العرقوبية التي نشهد ونتحسس حروقها على الجسد الفلسطيني. ثم يمضون في مخططات حربهم ضد العراق، فغياب المبادرة العربية عن العراق ستستعمله أمريكا للترويج لدى شعبها ولدى الرأي العام الدولي أن العرب يرون رأيها ويقرونها على فعلها، ولن يضيرها الاحتجاج العربي الهامس أو الموجه إلى جماهيرها، وحينذاك سنكون شهداء على كارثة عربية، فمن يريد من الزعماء تحمل مسئوليتها التاريخية؟ أما الصعيد الثاني، فلا يجوز الا تحيط المبادرة، أية مبادرة، بجميع عناصرها ومختلف وجوهها أو الا تصل بين كل حدودها وإلا فسيكون ذلك ظلما للقضية وتفريطا بها وبين أنه لا بد من وجود مبادرتين متكاملتين. دعم العراق المبادرة الأولى تنطوي على تصور شامل لرفع الحصار عن العراق، يؤكد أن القرارات الدولية تتضمن حقوقا وواجبات وأنه كما يترتب على العراق واجبات يترتب له حقوق وبالتالي، لا بد أن يتزامن التفتيش مع رفع للحصار، أو مع فارق زمني تحدده المبادرة بأشهر الثاني، أن تتضمن المبادرة دعوة إلى مجلس الأمن لكي يفرض على إسرائيل الخضوع لضمانات معاهدة عدم الانتشار والدعوة إلى الأمرين حق، وليس مناورة إعلامية فالشعب العراقي جزء منا لم يتخلف عن مكرمة عربية، ولم يبخل بجهاد من أجل قضية عربية، ولم يسبقه أحد إلى النصرة حين تلم الدواهي بالعرب وهو يتجرع عقابا لما ليس له فيه حول أو طول، الكل يقول به ويشهد عليه ثم إن لم تدفعنا النخوة أو العدالة، فلتحثنا الغيرة على مصالحنا. إذ طالما ظل العذاب وطالما استشرى الهوان، كلما تعمقت الضغينة وتوالدت الأحقاد، وستكون عواقبها منحوتة في الصخر، بقي النظام أم انطوى بل أن تقسيم العراق يحمل مخاطر على المنطقة سيجعل الحكام يتمنون الحاضر، أما الدعوة لأن لا تستثنى إسرائيل من «العدالة» الدولية فهذا وقتها في زمن تملأ أمريكا العالم زعيقا حول أسلحة الدمار الشامل. مبادرة شاملة وسيكون افتراء على الشعب الفلسطيني الا تتضمن أية مبادرة نصا صريحا على حق العودة والتعويض في آن، بل أن حق العودة يسبق القدس، فالقدس تعود حينما يتحقق حق العودة ولكن إذا كان للحكومات العربية حق أن تطلق مبادرة بشأن فلسطين، فهذا يرتب عليها واجبات، فليست هناك قضايا فيها حقوق وتخلو من الواجبات، أو فيها واجبات وتنعدم فيها الحقوق، ثم إن الواجبات ينبغي أن توازي الحقوق الممنوحة، فإن كان للقمة أن تعطي لنفسها حقوقا في تقرير القضية الفلسطينية فهو يلزمها بواجبات حماية الشعب الفلسطيني. وإن كانت القمة تقول ان الشعب يقاوم احتلالا أليس من متطلبات المقاومة إعداد العدة، فأين هو السلاح الذي يسارع في التبرؤ منه وأين هي الأموال التي تقي هذا الشعب من الحرمان والفقر، بل والجوع ثم أين هي الملايين العربية التي تريد أن تخرج إلى الشوارع حتى يسمع العالم صوتها الهادر؟ فخروجها هو قوة لكم في وجه الإفك الأمريكي فالعدالة تقتضي أن تقيموا موازنة بين حقوقكم وواجباتكم فهل الموازنة عادلة حينما يقتل الشعب الفلسطيني، أطفاله ونساؤه ورجاله، ودبلوماسيو إسرائيل في عديد من البلدان العربية؟ كما لن تستقيم الموازنة إن كان من جانب عموم الشعب الفلسطيني تضحيات قل نظيرها تغسل كثيرا من أدراننا وتكفر عن عديد جم من سيئاتنا وتخاذلنا، ومن جانبكم تنازلات كي لا تكشر أمريكا عن أنيابها، ولكي تنعم القيادات بالانفلات من حبسها ويبقى السجن الكبير مغلقا على شعبنا، هذه سنة نختلف فيها عن كل تجارب العالم، ولكم العبرة من مانديلا. والذي نطرحه أضعف الإيمان، الا يكون المؤتمر ترخيصا بالحرب على العراق بالغموض والتعمية، والا يكون تنازلات جديدة عن حقوق العرب بمبادرات ناقصة تدفع ضرا متوهما عاجلا بدمار آجل، فهذه القمة ليست كغيرها من القمم، لأن ظرف انعقادها عصيب كظرف مؤتمر الخرطوم بل أشد خطرا، فذلكم كان مواجهة هزيمة واحتواء نتائجها، وهذا مؤتمر لحماية الكينونة من الانهيار، فهل نتطلع إلى لاءات صريحة ضد العدوان على العراق، وضد إنهاء حق العودة، وضد الهجمة الأمريكية على العرب والمسلمين؟ ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن