الملف السياسي: ثمة حقائق سياسية عسكرية مصيرية مستجدة تطرح نفسها على القمة العربية التي يأتي انعقادها في ظروف دقيقة وحساسة، تجعل منها اهم القمم العربية واخطرها على الاطلاق، لان نجاحها يعني أن الامة ستحافظ على وحدتها وتماسكها وحضورها، ومستمرة بالتواصل مع امم الارض، تعطي وتأخذ بالقدر الذي يحقق مصالحها ويحفظ وجودها ويصحح كل المفاهيم الخاطئة التي الصقت بشعوبها وتاريخها وقضيتها المركزية ودينها الحنيف وان فشلت فان الخراب هو ما ينتظرنا لان عصرنا لا يرحم الضعفاء، ولا يقيم وزنا للذين يترجلون عن ناصية التاريخ، لن نمارس جلد النفس. ولن نسترسل في تقديم النصح للقادة العرب الذين يجتمعون في بيروت من اجل تحفيزهم على ادراك المخاطر وصياغة منهج عربي موحد يزيل عن كاهل الامة كل مظاهر الضعف والتردي. ليس لاننا غير قادرين على قراءة المرحلة، وفهم النوايا المبيتة تجاه الامة، بل لقناعتنا بالحكمة القديمة التي تقول: لا تنصح الملوك و«الرؤساء» في العلن .. النهايات اعلنت عن نفسها، وشعوبنا كافة تنتظر من القادة العرب وعي الذات والآخر كي يكونوا بمستوى التحديات الخطيرة التي تواجه الامة العربية التي تتعرض بلدانها جميعا للتهديد المباشر من قبل الولايات المتحدة الامريكية. التي فقدت صوابها بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، وبدأت تدق طبول حربها المجنونة في كل الاتجاهات، وتطلق يد شارون ليعمل قتلا وتدميرا في فلسطين. التي تتلقى كل هذه الصدمات العسكرية وشعبها البائس المشرد في ارضه، يدافع بالحد الادنى من السلاح، وبالحد الاعلى من الارادة، ليس فقط عن وجوده وحماية مصيره، بل عن الامة العربية يتأثر لهزائمها ويحفظ هيبتها. هناك صفقة يتم التحضير لها في المنطقة، الخاسر الوحيد فيها العرب، والرابح الوحيد الولايات المتحدة الامريكية وحليفتها اسرائيل، صفقة عنوانها تكريس منهج الهزيمة العربية، وتبخيس تجربة اجيالنا النضالية، وتبديد دروسها، وافساد ثمراتها، وتحطيم واضعاف ارادة الصمود لدى الشعب العربي، كي تبقى بلداننا تدور في حلقة مفرغة، وتقبل بالتنازل عن ثوابتها السياسية، وحقوقها المشروعة التي بذلت اجيالنا في سبيل استرجاعها التضحيات الجسام. فعلى الرغم من ان شارون يمضي وأعضاء حكومته في الحملة الدموية الاجرامية ضد الفلسطينيين، يستخدم الدبابات والمروحيات والزوارق الحربية والرشاشات الثقيلة ضد المدنيين العزل، ويشدد الحصار الاقتصادي والتضييق المعيشي ويهدم البيوت، ويجرف الاراضي الزراعية، ويمنع دخول الادوية والاغذية والوقود الى الشعب الجريح. لم يستيقظ المجتمع الدولي للحظة كي يقول كلمته في حق مجرم سفاح يضرب عرض الحائط بكل المواثيق والقرارات الدولية التي تحمي المدنيين وتعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى أطلال الركام والدم يطل علينا نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني ليبيعنا الخوف من الحرب الامريكية المفتوحة على الارهاب كي يمهد الطريق للاستئثار بالعراق، وعلى الصعيد نفسه يسعى الجنرال الامريكي المتقاعد انطوني زيني لتقديم رشوة مكشوفة عنوانها وقف اطلاق النار ودفع الفلسطينيين والاسرائيليين الى تنفيذ ورقة تينيت ثم تقرير ميتشيل من دون أي مؤشرات توحي بامكانية اطلاق العملية السياسية للوصول الى سلام حقيقي في المنطقة. منذ نحو سنة ونصف والفلسطينيون يتعرضون لآلة الحرب والدمار الاسرائيلية، فيما الادارة الامريكية تتفرج، وبوش يضع ملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي في أدنى سلم أولوياته، لأنه يرى ان هذا الصراع وبرغم العنف والدم والدمار لايزال تحت السيطرة فلا البطش الاسرائيلي يهدد بالخروج عن نطاق العمل العسكري المحدود الى نطاق الحرب الاقليمية، ولا الضعف العربي الراهن يسمح بمواجهة شاملة مع اسرائيل تهدد المصالح العليا للولايات المتحدة الامريكية. كما ان المصالح الامريكية في تفاصيل اتفاق وضع نهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين محدودة جدا، وان المصلحة الرئيسية في هذا الشأن تتجسد باتفاق ينهي الصراع ويقبل فيه العرب بما تمليه اسرائيل، ولهذا تركزت الجهود الامريكية السابقة بدءا من تقرير ميتشيل ومرورا بخطة تينيت وانتهاء بجولات زيني حول معالجة الوضع الميداني الجديد الذي أوجدته الانتفاضة الباسلة للالتفاف عليها واجهاضها من دون أي ذكر لقرارات الشرعية الدولية أو أسس عملية السلام في المنطقة، والواضح ان واشنطن التي لا ترغب بالقيام بأي دور لاطلاق العملية السلمية على مباديء الشرعية الدولية، ولازالة الحرج عن التعاون معها فيما تنوي اتخاذه من خطوات ضد العراق، أرسلت مجددا انطوني زيني لتحقيق التهدئة، وهو الذي فشل سابقا في هذه المهمة وخرج عبر الحواجز الاسرائيلية، كما مهدت واشنطن لاصدار القرار 1357 عن مجلس الأمن الذي يعترف بقيام دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل من دون تحديد شكل هذه الدولة وحدودها ومرجعيتها، وربما الاسترضاء الاخير للقمة العربية هو اطلاق الرئيس عرفات، بعد ذلك تبدأ المقايضة تماما كما حصل في العام 1991 عقب عاصفة الصحراء، أي التطبيع العربي مع اسرائيل مقابل اسقاط نظام صدام حسين في العراق. لاشك ان الانتفاضة الفلسطينية الباسلة هي حرب تحرير وليست حرب تحريك. الدم الفلسطيني نجح أولا في استنهاض المقاومة وأثبت انها القادرة وحدها على اسدال الستار على مرحلة التنازلات، ورفض الشروط السياسية الاسرائيلية التي ازدادت حظوظها بعد ان تم ترويض الذاكرة العربية، وتشكيل وعي عربي لجيل عاش لغة السلام الاسرائيلي التي حل فيها الكيان الصهيوني العنصري مكان فلسطين، ومع ان أجيال النكبة والنكسة لم تتمكن من تحقيق النصر وحسم القضية لمصلحتها، الا ان شعبنا لم يسلم بالهزيمة، وهي حقيقة تؤكدها استمرارية الصراع التي بدأت منذ أكثر من مئة عام، أي منذ الاستيطان الأول واستمر مع خصم تحميه امبراطورية بريطانية لا تغرب عنها الشمس، وحلت محلها امبراطورية امريكية تفخر بأنها حلت مكان الشمس. اسرائيل أكثر خوفاً فاستمرار الصراع انجاز لا يذكره البعض أو يعترف به، وتراه الغالبية دليلا على الهزيمة، لكن الشعب الفلسطيني تمكن بصموده وتضحياته من كسب المعركة واعادة الصراع الى جذوره الأولى، حيث حطم الحضور الكثيف لفعاليات الانتفاضة الباسلة أهم الاساطير المؤسسة للدولة اليهودية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» وبالتالي فإن وحشية الصهاينة ضد الفلسطينيين تعكس المأزق الاسرائيلي الحاد بعد ان وجدت نفسها أمام حقيقية قاسية أثارت لديها الخوف الدفين من مستقبل الكيان المصطنع الذي يواجه وربما للمرة الأولى عشرات الاسئلة حول امكانية استمرارية وجوده. ومع ان شارون يعتقد ان الرهان على قوة اسرائيل هو عدد القتلى الفلسطينيين، فالمقابل هو ان الفلسطينيين يعرفون ان المعيار الحقيقي ما يسقط من المفاهيم السياسية والأمنية، وربما السؤال الذي يطرح نفسه: أي الطرفين أكثر خوفاً من الآخر؟ لا نبالغ عندما نقول: ان الاسرائيليين هم الأكثر خوفا وهذا ما تؤكده الصحافة الاسرائيلية كل يوم وما تنقله من أفكار متطرفة أو واقعية، البعض يطالب بالقضاء على الفلسطينيين وتهجيرهم، والبعض الآخر يطالب شارون بالكف عن حربه العبثية التي بددت كل الوعود بتوفير الأمن للمستوطنين. الزمن لم يدركنا بعد، وارادة الشعوب أقوى من شراسة العدوان، بالتأكيد سنكون أقوى لو عالجنا كل ما يسمح بتعالي الآخرين علينا، ونكون أفضل لو واجهنا كل ما يؤخرنا ويزيد من استجدائنا للقوة العظمى الوحيدة كي نحصل على بعض الفتات من حقوقنا المغتصبة، نحن أمة واحدة بالمعنى الثقافي التاريخي النضالي، لكن الجوانب السياسية والاقتصادية المؤسساتية لاتزال ضعيفة التأثير في مجال اتخاذ القرارات الجماعية. الجامعة العربية لاتزال قائمة لكنها ازدادت ضعفا، فتضاءلت ارادة التعاون والتضامن، وأصبحت كل دولة كبرت أم صغرت تلجأ منفردة للتواصل مع مركز القرار الدولي طلبا للحماية والعدالة، في وقت أصبح فيه ثمن الحماية التي تقدمها الدولة الأعظم يكاد في خطورته يوازي اضعاف الخطر الذي جاءت هذه الحماية لدرئه. وعلى الرغم من ان القضية الفلسطينية تمر بمرحلة مفصلية، فإن القضية العربية بمعناها الواسع تمر هي في مرحلة دقيقة وخطيرة، لأن الحرب القائمة بمعناها العسكري والسياسي بين العرب واسرائيل وبمعناها السياسي الدبلوماسي العسكري التكنولوجي بين العرب وامريكا تخفي مشروعا ينطوي على مخاطر قد لا نستطيع تجنب نتائجها في المستقبل. العرب يمثلون اليوم دولا ولكل دولة مجتمع، ولكل مجتمع قضية رئيسية وقضايا فرعية وقضايا متغيرة. أما القضية الأساسية فهي القضية الفلسطينية، وعندما يتسلق العرب سلم الواقعية ويتماسكون حول قضيتهم المركزية سيجدون ان القضايا الأخرى تحل بشكل آلي لأن الضغوط الامريكية والاسرائيلية هي العامل الرئيسي في تحطيم وإضعاف البلدان العربية وكذلك العامل الرئيسي في خلق الظروف المناسبة لنشوء وضع عربي صعب سمته التشتت والخلافات والصراعات ربما يتساءل البعض هل استطاعت القمم العربية السابقة القيام بدورها الريادي في تعبئة الطاقات العربية لمواجهة ما يعد للامة من مؤامرات كي تكون القمة المنتظرة مختلفة عن سابقاتها؟ القضية الفلسطينية موضع اتفاق عربي لاشك ان هذا السؤال يطرح نفسه بشكل صارخ على الشارع العربي وبخاصة بعد تزايد الاجرام الاسرائيلي المنظم، وبالرغم من مشروعية هذا السؤال الا اننا يجب ان لا نتنكر لحقائق التاريخ التي تؤكد ان اليوم يختلف عن الامس، فقبل انهيار المجتمع الاشتراكي استطاعت بلداننا ان تصمد في ظل التوازنات الدولية وان تحافظ على وجودها ليس لانها كانت طرفا فاعلا في صياغة الهوية السياسية والعسكرية للعالم خلال الحرب الباردة بل لانها وجدت على خطوط التماس بين القطبين المتصارعين والمساس بها كان من المحرمات ومع هذا لايجوز انكار دور القمم العربية التي اظهرت العرب ولو في الحدود الدنيا على انهم كتلة واحدة وانهم يتفقون على الخطوط العامة رغم انقسامهم ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي لاتزال موضع اتفاق عربي داخل القمة وليس هناك تباينات كبيرة، وبالامكان تذكر قمة الخرطوم التي جاءت كرد فعل على هزيمة يونيو 1967 وكانت النموذج الاوضح عن القمم المتعاقبة حيث اكد فيها العرب وحدتهم وانهم يتفقون على الخطوط العامة عندما يستشعرون الخطر وقد خرجت تلك القمة باللاءات الثلاث الشهيرة وهي «لا صلح، لا تفاوض لا اعتراف» ومع ان القمم العربية حققت وتحقق انجازات ملموسة على صعيد تطويق الخلافات العربية وتعزيز التفاهم على اساس المصالح المشتركة. تعالوا نقرأ المستقبل بكتاب الماضي نصغي باهتمام الى ما يتم التأسيس له اليوم. بن غوريون كان قد اوضح بدقة مسارات واتجاهات المشروع الصهيوني بقوله: ان اتفاقا مع العرب امر ضروري لنا ولكن ليس من اجل السلام اذ لا يمكن ان نبني البلاد في حالة من الحرب الدائمة لكن السلام هو وسيلة، اما الهدف هو التحقيق المطلق للصهيونية، واذا كان السلام الاسرائيلي الأمريكي هو اخطر ما تواجهه الامة العربية فان الحل يمكن اختصاره في بضع كلمات اطل بها نجيب عازوري على العروبة منبها «ان الصهيونية لا تقبل بأقل من كل شيء، اما المشروع العربي النهضوي المغدور فانه خلق في ضمير الامة والشعب هاجس الكفاح من اجل السلام والحرية والتقدم وما على القوى العربية التاريخية الا ان تحدد موقع «نجمة الصبح» وتعلن الاقلاع الاعظم باتجاه ما يبدو للبعض مستحيلا، نعم ليس هناك مستحيل وهاهو التاريخ يؤكد ذلك، ففي الوقت الذي جمد موشي دايان الروح الثأرية الصهيونية في كتابه الثورة بقوله: «أنا أحارب اذن انا موجود» فان المقاومة الفلسطينية وقبلها المقاومة الوطنية اللبنانية كانت الحقيقة الساطعة التي دقت الاسفين الاول في نعش المشروع الصهيوني الذي قام على الغدر والعدوان، وهذا يعني ان الحرب مثل السلام مفهومان لا فكرتان يؤلفان الوحدة الجدلية لمفهوم الصراع في العلاقات الدولية وينفيان في الوقت نفسه نظرية القائلين بنهاية التاريخ، لهذا لا يمكن تقويم المنظور القومي بناء على اخطاء الماضي او ضغوط المرحلة لان عوامل بناء هذا المنظور تؤلف ماهية ادراك العرب لذاتهم. قد يكون تعاظم التحديات وتألق الانتفاضة الباسلة سهل المهمة على القادة العرب اي من رحم الشر يولد الامل لكن في الوقت نفسه قد يكون الشر مرشحا للازدهار اذا اتبعنا سياسة دفن الرأس في الرمل، القمة وقبل كل شيء مطالبة بتعميق المأزق الاسرائيلي واستثمار هذا المأزق للوصول الى تسوية عادلة وهذا يتطلب اولا دعم الشعب الفلسطيني فعلا لا قولا بكل وسائل الصمود لحماية الانتفاضة من الانتكاس، وتشريع المقاومة كحق معترف به دوليا وكخيار اثبت جدواه وتحديد مفهوم عربي للسلام وتسويقه لدى المنظمات والمجتمعات الدولية، واعلان عربي واضح وصريح بالالتزام بتنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك، واعتبار اي عدوان على اي دولة عربية عدوانا على كل الدول العربية، وادراج اراضي السلطة الفلسطينية ضمن الاراضي التي يجب حمايتها من العدوان، وتعهد من الولايات المتحدة الامريكية باقامة دولة فلسطينية على كامل الاراضي المحتلة في العام 1967 وعاصمتها القدس، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، ولرفع سقف مطالبنا مطلوب من القمة احياء قرار التقسيم للعام 1948 ومحاسبة اسرائيل على ممارساتها غير الشرعية في الاراضي التي اعطيت للدولة الفلسطينية، بالاضافة الى مطالبة اسرائيل بالتعويض عن كامل الاضرار المادية والبشرية التي لحقت بالدول العربية والشعب الفلسطيني نتيجة حروبها السابقة وحربها الحالية، وتحديد مفهوم عربي للارهاب، ورفض كل محاولات الصاق تهمة الارهاب بالعرب، والاهم من ذلك الالتزام بتطبيق قرارات القمة التي يجب ان تعبر عن موقف جماعي لازالة عبء الضعف والبؤس والخوف والانكسار الذي استوطن ارض العرب. ـ أمين تحرير صحيفة الثورة السورية