بيان الاربعاء: تسعى السلطات اليمنية الى محاصرة او الحد من حمل السلاح في المدن كمرحلة اولى للقضاء على هذه الظاهرة المقلقة للعديد من الأوساط في البلاد، وجاء قرار الحكومة، في الخامس من فبراير 2002م والقاضي بمنع حمل السلاح في المدن والمرافق الحكومية والمساجد ليسلط الضوء على مدى استشعار السلطات بخطورة هذه الظاهرة واتساع نطاقها وربما حسب المراقبين لتفادي انعكاسات ملاحقة بعض الأفراد المشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة. ومهما تكن الأسباب والدواعي لهذا القرار الذي اتخذته الحكومة اليمنية فالثابت ان ظاهرة انتشار السلاح وسط اليمنيين تنطوي على تعقيدات كبيرة متداخلة وعميقة يصعب القضاء عليها بمثل تلك المبادرات المناسباتية والظرفية حيث يتداخل ما هو سياسي بالاقتصادي والاجتماعي والثقافي على نحو والى درجة يصعب معهما بلوغ الاهداف المرسومة في بلد يشكل السلاح فيه جزء من التركيب النفسي والذهني لنسبة لها دلالتها داخل المجتمع بل ويشكل جزءاً من تركيبة بنيته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وتجيز السلطات حمل وحيازة السلاح وفق قانون تنظيم وحمل وحيازة وتجارة الأسلحة رقم 40 الصادر في 31 ـ 5 ـ 1992م. الابعاد السياسية كل تلك المعطيات والمحددات لظاهرة تنظيم حمل السلاح تجعل اي مبادرة لتعقب وضبط حاملي الأسلحة في المدن الرئيسية مجرد محاولة جزئية لا تلتفت الى الأسباب الحقيقية لشيوع ظاهرة حمل السلاح بين اليمنيين ومعالجتها بشمولية بعد ان تحولت الى مشكلة مركبة مع مرور الزمن حيث تتضافر معطيات وعوامل عديدة لتجعلها جزءاً معقداً من التركيبة الاجتماعية التقليدية اليمنية شديدة التعقيد ولا يمكن فصلها عن الحسابات السياسية والصراعات التي انتجتها وزادت من حدتها. هذه الظاهرة لا يمكن فهمها واستيعابها وبالتالي التصدي لمعالجتها الا بالاحاطة بكل محدداتها ومكوناتها المتراكمة التي سيسلط عليها الضوء بهذا التقرير الشامل: ظلت مسألة تنظيم حمل السلاح وحيازته والاتجار به في اليمن على الدوام الشغل الشاغل لمختلف الفعاليات الاجتماعية لاسيما منها الفعاليات السياسية الشخصية والحزبية نظرا للأبعاد السياسية التي تكتسيها هذه القضية من جهة، ونظرا للانتشار الواسع للسلاح وسط اليمنيين حيث يقدر عدد قطع السلاح الموجودة في أيدي افراد الشعب بحوالي 50 الى 60 مليون قطعة سلاح من مختلف الأنواع والأحجام الخفيفة والثقيلة. ونظراً لما ينتج عن هذا الكم من تحديات سياسية فقد ظلت الأبعاد السياسية حاضرة في التعاطي مع هذه القضية بل ان تلك الأبعاد ظلت اللاعب الأساسي والمحدد الرئيسي لهذه الظاهرة وحجمها ونطاقها حيث تبقى الحسابات السياسية طاغية على التعامل مع ظاهرة انتشار السلاح في اليمن وتؤكد مختلف الظروف السياسية التي مرت بها اليمن وعاشتها منذ ازمنة سحيقة وحتى اليوم مدى ثقل الابعاد السياسية وحساباتها في تحديد حجم الظاهرة التي ربما تمد مسوغاتها وتفسيراتها في أسباب اكثر عمقاً وتجذراً في الواقع وفي الذهنية اليمنية على حد سواء وتلك الأسباب المولدة لهذه الاشكالية منها ما هو اجتماعي، ثقافي، اقتصادي. التركيبة الاجتماعية على المستوى الاجتماعي تبقى التركيبة الاجتماعية في اليمن تركيبة شديدة التعقيد حيث تهيمن البنية القبلية على مناطق عديدة في اليمن خاصة منها تلك المناطق التي تعرف انتشاراً كبيراً للأسلحة وادخارها واكتنازها لدى افراد القبائل وافخاذها وبطونها مقابل تلك المناطق توجد مناطق يمنية تكاد تنعدم فيها ظاهرة التكوين القبلي كالمدن المشاطئة والمراكز الحضرية القديمة والحديثة ما اوجد وسطين اجتماعيين متباينين، الاول اكثر ميلاً للاقبال على ادخار الاسلحة وحيازتها، والثاني اكثر نفعاً من السلاح واقتنائه. ولان المجتمع اليمني في غالبيته هو مجتمع ريفي او قروي وعرف خلال السنوات الأخيرة حراكاً اجتماعياً ملحوظاً نتيجة للعديد من التحولات والمتغيرات ادى هذا الحراك الى تداخل المكونات الاجتماعية داخل المدن نتيجة للهجرة من الريف الى المدينة ولان افراد القبائل يحملون دوماً معهم ثقافتهم الخاصة ورؤيتهم للعالم ولذواتهم كان من الطبيعي ان تشهد المدن والمراكز اليمنية الحضرية انتقال تلك العادات ومنها عادة اقتناء السلاح وحمله او حيازته داخل المدن لاسيما في السنوات العشر الأخيرة حتى ان بعض هذه المدن أصبحت مسرحاً لهجمات مسلحة بين اطراف قبلية متخاصمة بينها مطالب ثأرية وهو ما لم يكن مألوفا من قبل حيث جرت الأعراف على استهجان الأخذ بالثارات في وسط الأسواق والمدن وكانت الكثير من تلك الهجمات قد تسببت غير مرة بقتل وجرح المارة ممن لا علاقة لهم بالأطراف المتخاصمة. ومثل هذه الهجمات داخل المدن تكشف بجلاء الحجم المقلق لقضية حمل السلاح والابعاد التي أخذت تكتسيها في اليمن ما نتج عنه مواقف مطالبة بوضع حد لهذه الظاهرة داخل المدن وميل الى اقتناء الأسلحة وحملها لاسيما من قبل اولئك الذين يعتبرون انفسهم عرضة لاعتداء خصومهم ليس هذا فحسب بل ان العلاقات المتسمة دوماً بالتوتر بين مكونات التركيبة الاجتماعية التقليدية سواء على مستوى افخاذ القبيلة وبطونها او بين القبائل بعضها البعض هذه العلاقات المشوبة بالحذر جعلت افراد القبيلة على درجة كبيرة من الحرص والارتياب بنوايا الأطراف القبلية الأخرى ما جعل السلاح الوسيلة المثلى لردع الخصوم او من يفترض فيهم ذلك. هذه الوضعية الاجتماعية المشوبة بالتوتر والارتياب نتج عنها معطى آخر هو رسوخ ثقافة تقليدية تعلي من قيمة السلاح ومن حيازته وامتلاكه وتباهي وتفاخر بما تمتلكه من أسلحة سواء بين افراد القبيلة او بين القبائل المماثلة وبالتالي اضحى للسلاح في المجتمع القبلي اليمني قيمة مادية وقيمة رمزية حسب مفهوم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو اي ان السلاح بما هو رادع للخصم وكابح لاندفاعه فانه يمثل في الوقت ذاته رأسمال رمزي يعتد به صاحبه تجاه اقرانه وانداده وتجاه خصومه وبالتالي فعلى مستوى القبيلة يغدو السلاح معبراً عن قوة شكيمتها وقدرتها على منازلة الخصوم الى جانب انه يضفى عليها هالة من الرهبة والخوف كما هو الحال على مستوى الفرد ولان المجتمعات القبلية يسودها روح التضامن تجاه الغريب ويطغي على علاقاتها الانسجام والانقسام حسب المفهوم الخلدوني الاصيل حيث تتحد في مواجهة الأخطار الخارجية وتنقسم داخلياً على مستوى الأفخاذ والبطون والأفراد بسبب شظف العيش وقساوة الطبيعة التي تعيش فيها عادة المجتمعات القبلية. لكل تلك المعطيات التي يوردها بن خلدون ومفهوم الرأسمال الرمزي لبيير بوردو فان السلاح وانتشاره داخل هذه الاوساط في اليمن مسألة تنطوي على تعقيدات شديدة يصعب حلها دفعة واحدة بقرار سياسي. البعد الاقتصادي ويضاف الى كل ذلك ان قضية انتشار السلاح في اليمن لها بعد اقتصادي من خلال تحوله الى سلعة لها اسواقها وتجارها ووسطائها وسماسرتها وكذا زبائنها الذين يندفعون بفعل التركيبة الاجتماعية السائدة والثقافة التي ولدتها تلك التركيبة الى الاقبال على اقتنائها وشرائها ما يعني في نهاية المطاف ان السلاح سلعة مطلوبة اجتماعياً ورائجة اقتصادياً تدر ارباحاً طائلة على تجارها وسماسرتها وبالتالي اتخذت الظاهرة بعداً اقتصادياً من خلال الاشتغال بها والنشاط بتجارتها ونقلها وتوزيعها على النحو الذي يلبي الطلب الاجتماعي عليها ولأنها تحولت الى نشاط اقتصادي فمن الطبيعي ان ينتج عنها مصالح للأطراف المشتغلة بهذا النشاط الأمر الذي يزيد من تعقيد ظاهرة انتشار السلاح وسط اليمنيين. بالنظر الى المعطيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تتحكم بهذه الظاهرة في اليمن فان المتابعين للشئون اليمنية يرجحون الأبعاد السياسية في التحكم بهذه المسألة مستندين الى الظروف السياسية التي مرت بها اليمن وهو ترجيح لا يلغي المعطيات والعوامل الأخرى بل غلب السياسي ويغلب عليها خلال مختلف المراحل التأريخية التي مرت بها اليمن في العصر الحديث الذي اتسم بهيمنة الأبعاد السياسية وغلبتها على مختلف جوانب الحياة في اليمن ساهمت في تفاقم واتساع انتشار السلاح وسط اليمنيين جراء الصراعات التي عاشتها البلاد. لمحة تاريخية بعد ان نالت اليمن استقلالها عن الامبراطورية العثمانية عام 1918م لم يكن تحقق الاستقلال الا على خلفية صراعات متتالية وحروب دائمة خاضتها القبائل ضد الاتراك تعرفت خلالها على الأسلحة الحديثة المنتجة وقت ذاك والتقى التعرف والتعامل مع هذه الأنواع التقى مع الميل الاجتماعي الى اختزان السلاح والاحتماء به عند القبائل اليمنية وشيوع قيم امتلاكه. وخلال عهد المملكة المتوكلية رغم بسط نفوذ الدولة على كل التراب اليمني فيما عرف بالشمال الا ان ذلك لم يحل دون تخلي اليمنيين عن عادة الاحتفاظ بأسلحتهم في بيوتهم بل وظلت عادة امتلاك السلاح وتوزيعه على الورثة بعد موت مالكه تدرج ضمن وثائق تقسيم التركة حيث تشير العديد من تلك الوثائق الى ان المورث ترك عدداً من البنادق وزعت بين الورثة باسمائهم وصفاتهم ما يعني ان تلك الاسلحة لم تكن محظورة قانونياً نظراً لان مثل تلك الوثائق موثقة في اجهزة رسمية تابعة للدولة هي السلطة القضائية المعنية بالمصادقة على وثائق تقسيم التركة كما ان هناك مثل تلك الوثائق في الوقت الحالي تتضمن مثل تلك الاشارات والاقرارات بوجود اسلحة وزعت على الورثة وان بدأت هذه الظاهرة تتقلص في كثير من المناطق الا انها مازالت سارية في مناطق اخرى وهو ما يعني ان مسألة اقتناء السلاح مسألة شائعة منذ القدم بين اليمنيين ومعترف بها اجتماعياً ورسمياً. بعد قيام النظام الجمهوري عام 1962م وما ترتب عليه من انقسام بين انصاره وانصار الملكية وظف المعطى القبلي في الصراع المسلح وبدأ كل معسكر يمد القبائل اليمنية بالأسلحة والذخيرة لتأليبه ضد المعسكر الاخر ووجد زعماء القبائل وافرادها في هذا الصراع ضالتهم لاشباع ميلهم الى اقتناء السلاح الذي كان يتدفق عليهم من كل طرف بغية استمالاتهم لمعاركهم وتشير الكثير من الدراسات التي تناولت هذا الصراع بين الملكيين والجمهوريين خلال الفترة من 1962 الى 1970م الى ان رجال وزعماء القبائل اليمنية التي انخرطت في هذا الصراع او كانت جزءاً منه بحكم ان تلك المعارك كانت تدور في مناطقهم الشمالية تحديداً زادت لديهم شهية جمع السلاح الى درجة ان العديد من القبائل وزعمائها كانوا يتظاهرون بمناصرة النظام الجمهوري ويطلبون من ضباط الثورة مدهم بالسلاح لوقف هجمات المعسكر الملكي ثم كانوا يتظاهرون بمثل ذلك لانصار المعسكر الملكي ويطلبون منهم مدهم بالسلاح لمهاجمة النظام الجمهوري ولان الحالة كانت حالة حرب فقد ظل كل طرف يجود بما لديه من أنواع واشكال الاسلحة التي يتحصل عليها واذا ما أخذ في هذا السياق مدى حضور البعد الاقليمي والدولي في تغذية ذلك الصراع تبين الى اي حد حجم وانواع الاسلحة التي تحصلت عليها القبائل. الهاجس الامني بالنتيجة نجم عن مد القبائل بالاسلحة المختلفة تزايد مخاوف القبائل من بعضها البعض وبالنظر الى هيمنة التوتر والصراع على العلاقات بين القبائل اليمنية خلق ذلك هاجساً دائماً من تفوق قبيلة على أخرى لان ذلك يعني فيما يعني ضعف شوكة القبيلة امام مثيلتها التي تحصل على انواع جديدة من الاسلحة وبالتالي هذه الاجواء خلقت حالة من تسابق التسلح بين القبائل اليمنية فكلما استطاعت قبيلة ان تحصل على نوعيات جديدة من السلاح حذت القبائل الاخرى حذوها بغية حفظ التوازن او الردع المتبادل الذي يحول دون مهاجمة الطرف القوي للطرف الضعيف وهكذا ظلت الصراعات السياسية تغذي مخاوف القبائل وتزيد منها فكانت تسعى الى الاستفادة من تلك الصراعات بالحصول على الأسلحة اي انها في حالة الحرب تسعى الى تحقيق التوازن فيما بينها بهذه الطريقة وفي حالات السلم تلجأ الى شراء وتخزين الاسلحة بفعل شعورها بتفوق خصومها ومن ثم يمكن القول بأنه بقدر ما كانت الأطراف المتصارعة تسعى الى استثمار التركيبة القبلية واقتحامها في صراعاتها كانت القبائل من جهتها تسعى الى استثمار تلك الاوضاع لتقوية شكيمتها وسطوتها تجاه خصومها. هذه الحالة تكررت غير مرة فمع تزايد الصراعات بين ما كان يسمى باليمن الجنوبي واليمن الشمالي واستقطاب كل طرف للعناصر المناوئة للطرف الآخر كان المكون القبلي حاضراً في ظل توتر هذه الأجواء يتلقى السلاح من طرفيه في المناطق التي كانت مسرحاً لتلك الصراعات ما ساهم في تزايد وتنوع وتعدد الأسلحة لدى القبائل اليمنية وكانت حرب صيف 1994م هي الاخرى محطة جديدة لصراع عمل على استقطاب المكون القبلي وتسليحه بل ان المنحى الذي اتخذته تلك الحرب وما نتج عنها من توافر كميات كبيرة من السلاح في يد القبائل بسبب ما عرف «بالفيد» الذي تركز بشكل أساسي على الأسلحة بمختلف انواعها واحجامها وهو ما أثار مخاوف الطرف المنتصر بعد اندحار الانفصاليين حيث سعت السلطة بعد ادراكها لحجم ونوعية الاسلحة التي وقعت بيد المواطنين عامة ورجال القبائل خاصة وما يمكن لذلك ان يؤدي الى انعكاسات على سلطة الدولة والأمن ومن واقع ادراك ذلك عملت على محاولة جمع تلك الاسلحة عن طريق شرائها بواسطة سماسرة السلاح الذين حاولوا جمع ما امكنهم جمعه فيما البقية الباقية وهي الأكثر ظلت في يد المواطنين عامة والقبائل خاصة وتثير اشكالية كبيرة على هيبة ونفوذ الدولة. فرض القانون ويبرز هذا الوضع الاشكالي في أن السلاح واقتنائه يرجع الى ضعف هيبة الدولة ويقود في الوقت ذاته على اضعاف الدولة لانه يساهم في شيوع حالة من الخوف المتبادل والتوتر الدائم من خلال رفض سلطان الدولة والاذعان اليه ومحاولة فرض سلطان الدولة بالقوة من حين الى اخر. وبالتالي تهيمن علاقة حذرة وارتياب دائم لا ينفع معه اي اجراء جزئي بل اجراء شمولي يتحدد بفرض سيادة النظام والقانون وتحقيق العدالة والمساواة وفقاً لما يخلص اليه العديد من المحللين والمراقبين للشئون اليمنية الذين ينطلقون في رؤيتهم تلك من ان الظروف الحالية اصبحت مواتية لمعالجة تفاقم هذه المشكلة حيث تراجعت الصراعات السياسية المسلحة التي كانت تغذي رغبة الكثير من القبائل وتفتح شهيتهم على اقتناء الاسلحة وان تلك الصراعات تحولت الى منافسة سياسية بين مختلف الأطراف والقوى السياسية عبر الخيار الديمقراطي والتعددية الحزبية كما ان الظرفية الحالية وما تشهده من ملاحقات ومطاردات للعناصر المشتبه بانتمائها لمنظمات ارهابية وامتداد تلك المطاردات الى مناطق قبلية توفر هي الأخرى فرصة لمعالجة هذه المشكلة وفق منظور كلي وليس منظور جزئي ليستثني البعض دون البعض الاخر كما ورد في قرار الحكومة الاخير الذي استثنى الحراسات من منع حمل السلاح في المدن على ان الأمر الاكثر مراعاة لوضع حد لهذه المسألة هو مدى انتفاء الحسابات السياسية في التعاطي معها كما يؤكده الكثير من المراقبين والمختصين بالشئون اليمنية.