شهدت الانتفاضة الفلسطينية الباسلة المستمرة منذ اكثر من عام تطورا عسكرياً خطيراً اذ ظهر نمط جديد في تعامل قوات الاحتلال الاسرائيلية مع فعالياتها وآلياتها المختلفة، ولأول مرة منذ نكسة يونيو 1967. واستخدمت هذه القوات وعلى نطاق واسع آلات حربية عسكرية لم يتم استخدامها من قبل ضد الاهداف المدنية والأمنية. ولم تسلم الاهداف الطبية بدورها من الاعتداءات الغاشمة حيث تحولت المرافق الطبية وسيارات الاسعاف والكوادر الطبية الفلسطينية الى أهداف للآلة الحربية الاسرائيلية الأمر الذي يعد خرقاً واضحاً لكل القوانين الدولية. التقرير يلقي الضوء على اوضاع المرافق الطبية الفلسطينية والانتهاكات الاسرائيلية. أكد مصطفى البرغوثي المحلل السياسي الفلسطيني بأن قوات الاحتلال قتلت منذ بدء انتفاضة الاقصى نحو 15 شخصاً من الطواقم الطبية وجرحت 180 منهم مشيدا بالجهود والتضامن الشعبي في مواجهة الهجمات الاسرائيلية البشعة ضد الشعب الفلسطيني مشيرا ان هناك نحو 19 الف فلسطيني متطوع لخدمة الطواقم الطبية. ونقل البرغوثي صورة قاتمة للأوضاع الصحية في الاراضي الفلسطينية وقال ان طولكرم التي تحتضن 220 الف مواطن على سبيل المثال لا توجد فيها سيارة اسعاف واحدة بعد ان دمر الاحتلال كافة سياراتها اضافة الى نقص الادوية مذكرا بما شهدته الاراضي الفلسطينية خلال الأيام الماضية من منع اسرائيل من نقل الجرحى بل وتركهم ينزفون حتى الموت وتدمير المؤسسات الطبية. وفي خضم هذه المواجهات والهجمات الدامية، التي اندلعت في كافة محافظات ومدى وقرى فلسطين المحتلة، منذ 29 سبتمبر 2000، تعرضت الطواقم الطبية ورجال المهمات الطبية وعربات الاسعاف وعيادات ومراكز الاستشفاء الثابتة والميدانية، الى العديد من الانتهاكات الجسيمة التي مارسها جنود الاحتلال والمستوطنون الاسرائيليون وآلاتهم الحربية. ومما يؤكد ان هذه العمليات كانت تتم عن قصد، وضمن منهج مخطط مسبقاً، ان الاستخدام المفرط للقوة وبشكل عشوائي، لم يميز بين المدنيين، كما لم يميز افراد المهمات والطواقم الطبية التي كانت تعمل في الميدان. وعلى الرغم من اللباس المميز الذي يرتديه هؤلاء الأطباء والممرضون والمسعفون، ورغم سهولة تمييز عربات الاسعاف، الا أنها كانت هدفاً دائماً لقوات الاحتلال الحربي الاسرائيلي، ولعناصر المستوطنين الذين ينتشرون في الاراضي الفلسطينية المحتلة. موقف القانون الدولي تعتبر العمليات العدوانية الحربية، التي تقوم بها قوات الاحتلال الاسرائيلي ومجموعات المستوطنين، ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة انتهاكاً سافراً للقانون الدولي الانساني. وتصنف هذه الأعمال بالمخالفات الجسيمة، وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية السكان المدنيين زمن الحرب لعام 1949. وقد مثل استهداف قوات الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنين الطواقم الطبية وعرباتهم، شكلاً من أشكال القتل العمد، والذي يندرج في إطار المخالفات الجسيمة وفقاً لما تنص عليه المادتين 146، 147. فقد حددت المواد «المادة 14 وحتى المادة 23» من الاتفاقية وجوب انشاء مناطق ومواقع للاستشفاء، بما فيها مناطق الاستشفاء الميداني الآمنة، والتي تسمح بحماية الجرحى والمرضى المدنيين الذين لا يشتركون في أية اعمال ذات طابع عسكري، وذلك في حالة نشوب الاعمال العدوانية. وأكدت على منع مهاجمة المستشفيات المدنية المعدة لتقديم الرعاية الصحية للجرحى. كما تنص المادة 20 من الاتفاقية على وجوب احترام وحماية الموظفين العاملين في ادارة وتشغيل المستشفيات، بمن فيهم طواقم الاسعاف والممرضين والمسعفين الذين يقومون بنقل وإخلاء الجرحى من أماكن العمليات ذات الطابع العسكري. وتنص المادة 23 الى التزام الأطراف السامية المتعاقدة بكفالة حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية. وقد عزز البروتوكول الاضافي الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بضحايا المنازعات المسلحة الدولية، آليات حماية رجال المهمات الطبية، وتسهيل عمليات نقل الجرحى والمصابين في مناطق الأعمال الحربية، وكرس ضرورة حمايتهم وعدم التعرض لهم بأية أعمال تسبب لهم الأذى والضرر. واشار تقرير لمركز فلسطين لحقوق الانسان في قطاع غزة الى انه يمكن تعريف الطواقم الطبية طبقا لما حدده البروتوكول الاضافي الاول الملحق باتفاقيات جنيف الموقعة في العام 1949، على وجه الحصر، حيث نص على انهم افراد الخدمات الطبية والمهمات الطبية. وقد خصصت المادة الثامنة من القسم الاول «الباب الثاني من البروتوكول» للتعريف الدقيق بهذا المصطلح، حيث تنص المادة على ما يلي: يقصد بالتعابير التالية لأغراض هذا الملحق «البروتوكول» المعنى المبين قرين كل منها:... «ج» افراد الخدمات الطبية هم الأشخاص الذين يخصصهم احد اطراف النزاع اما للاغراض الطبية دون غيرها المذكورة في الفقرة «5» وإما لإدارة الوحدات الطبية، واما لتشغيل او ادارة وسائط النقل الطبي، ويمكن ان يكون مثل هذا التخصيص دائما او وقتياً، ويشمل التعبير: التابعين «عسكريين كانوا ام مدنيين» «افراد الخدمات الطبية، لاحد اطراف النزاع بمن فيهم الافراد المذكورين في الاتفاقيتين الاولى واولئك المخصصين لأجهزة الدفاع المدني، «والثانية، افراد الخدمات الطبية التابعين لجمعيات الصليب الاحمر الوطنية «الهلال الأحمر والأسد والشمس الاحمرين» وغيرها من جمعيات الاسعاف الوطنية الطوعية التي يعترف بها ويرخص لها أحد اطراف النزاع وفقاً للأصول المرعية. افراد الخدمات الطبية التابعين للوحدات الطبية او وسائط النقل الطبي المشار اليها في الفقرة الثانية من المادة التاسعة، «افراد الهيئات الدينية» هم الاشخاص عسكريين كانوا ام مدنيين، المكلفون بأداء شعائرهم دون غيرها والملحقون: «كالوعاظ، بالقوات المسلحة لاحد اطراف النزاع، او بالوحدات الطبية او وسائط النقل الطبي المشار اليها في الفقرة الثانية من المادة التاسعة. أو اجهزة الدفاع المدني لطرف في النزاع. ويمكن ان يكون الحاق افراد الهيئات الدينية اما بصفة دائمة واما بصفة وقتية وتنطبق عليهم الأحكام المناسبة من الفقرة «ك». «الوحدات الطبية» هي المنشآت وغيرها من الوحدات عسكرية كانت ام مدنية التي تم تنظيمها للأغراض الطبية أي البحث عن الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار واجلائهم ونقلهم وتشخيص حالتهم او علاجهم، بما في ذلك الاسعافات الاولية، والوقاية من الأمراض. ويشمل التعبير، على سبيل المثال، المستشفيات وغيرها من الوحدات المماثلة ومراكز نقل الدم ومراكز ومعاهد الطب الوقائي والمستودعات الطبية والمخازن الطبية والصيدلية لهذه الوحدات، ويمكن ان تكون الوحدات الطبية ثابتة او متحركة دائمة او وقتية، «و» «النقل الطبي» هو نقل الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار وأفراد الخدمات الطبية والهيئات الدينية والمعدات والإمدادات الطبية التي تحميها الاتفاقيات وهذا الملحق «البروتوكول» سواء كان النقل في البر او في الماء ام في الجو. «ز» «وسائط النقل الطبي» اية وسيطة نقل عسكرية كانت ام مدنية دائمة او وقتية تخصص للنقل الطبي دون سواه تحت اشراف هيئة مختصة تابعة لأحد أطراف النزاع. «ح» «المركبات الطبية» هي اية واسطة للنقل الطبي في البر. «ط» «السفن والزوارق الطبية» هي اية وسيطة للنقل الطبي في الماء. «ي» «الطائرات الطبية» هي اية وسيطة للنقل الطبي في الجو. «ك» «افراد الخدمات الطبية الدائمون» و«الوحدات الطبية الدائمة» و«وسائط النقل الطبي الدائمة» هم المخصصون للأغراض الطبية دون غيرها لمدة غير محددة. و«افراد الخدمات الطبية الوقتيون» و«الخدمات الطبية الوقتية» و«وسائط النقل الطبي الوقتية» هم المكرسون للأغراض الطبية دون غيرها لمدة محددة خلال المدة الاجمالية للتخصيص. وتشمل تعبيرات «افراد الخدمات الطبية» و«الوحدات الطبية» و«وسائط النقل الطبي» كلا من الفئتين الدائمة والوقتية ما لم يجر وصفها على نحو آخر. «ل» «العلامة المميزة» هي العلامة المميزة للصليب الاحمر او الهلال الاحمر او الاسد والشمس الأحمرين على ارضية بيضاء اذا ما استخدمت لحماية وحدات ووسائط النقل الطبي وحماية افراد الخدمات الطبية والهيئات الدينية وكذلك المعدات والامدادات. «م» «الاشارة المميزة» هي اية اشارة او رسالة يقصد بها التعرف فحسب على الوحدات ووسائط النقل الطبي المذكورة في الفصل الثالث من الملحق رقم «1» لهذا الملحق «البروتوكول». أرض الواقع قوات الاحتلال الحربي الاسرائيلي، وخلال المواجهات المستمرة حتى الان، اعتدت على الطواقم الطبية وسيارات الاسعاف بطرق عدة ومختلفة وانتهكت حقوقهم في الحماية والأمان والسلامة على ارواحهم خلال قيامهم بمهامهم الانسانية، للحفاظ على حق المدنيين في الحياة. ولم تكتف تلك القوات بعمليات الاستخدام المفرط للقوة ضد كل من يتواجد في مناطق المواجهات، والتي أدت في حقيقة الامر الى قتل وجرح ضحايا من رجال المهمات الطبية والطواقم المسعفة في العديد من محافظات ومدن وقرى الاراضي الفلسطينية المحتلة. ومما يدلل على الاستهداف الواضح لهؤلاء العاملين، لانقاذ حياة الاشخاص المصابين، ان الرصاص والقذائف المختلفة والتي اطلقت عشوائياً، كان هدفها وباستمرار ثني هؤلاء عن قيامهم بواجباتهم الانسانية تجاه الآلاف من الجرحى والمصابين. كما اطلقت قوات الاحتلال الاسرائيلي النيران تجاه أفراد الخدمات وطواقم المهمات الطبية الفلسطينية، وقتلت سبعة منهم في قطاع غزة والضفة الغربية، واصابت العشرات الاخرين بجراح مختلفة، ولم تقف جرائم الاحتلال ضد الطواقم الفلسطينية الطبية عند هذا الحد، بل تعدته لتشمل اطلاق القذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة من العيارين الثقيل والمتوسط والرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز والصوت ضد سيارات الاسعاف، وضد المستشفيات والعيادات الطبية التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، والهلال الأحمر الفلسطيني والخدمات الطبية العسكرية والمؤسسات الطبية الأهلية الأخرى. انتهاك حياة الطواقم الطبية يعتبر الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي حقاً أساسياً من حقوق الانسان المقرة في القانون الدولي لحقوق الانسان، وتنص المادة الثالثة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على ان: لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه. كما تنص المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ان «الحق في الحياة حق ملازم لكل انسان، وعلى القانون ان يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان احد من حياته بشكل تعسفي». وتحدد اتفاقية جنيف الرابعة، الصادرة في 12 اغسطس 1949، والخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب، حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، واعمال القتل بجميع اشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب ضد الأشخاص المحميين بموجب تلك الاتفاقية. ان قوات الاحتلال الاسرائيلي ما زالت تصعد من هجماتها ضد رجال المهمات الطبية، وطواقم المسعفين وسيارات الاسعاف الفلسطينية. وحتى اللحظة لم تقم هذه القوات، او حكومة الاحتلال، بالتحقيق في ظروف وملابسات الانتهاكات الجسيمة التي نفذها، وما زال ينفذها، الجنود والمستوطنون ضد العديد من الاطباء والممرضين والمسعفين. وهو أمر يقود الى صدور تعليمات عليا، ربما من قيادة هذه القوات، او على المستوى الحكومي الاسرائيلي، بالتعرض للعاملين في المجال الطبي، لترهيبهم ومنعهم من أداء مهامهم الانسانية تجاه الجرحى والمرضى الفلسطينيين. ويدلل حجم القتلى والجرحى في صفوف الفرق الطبية العاملة في مواقع المواجهات، والأضرار الجسيمة التي تعرضت لها عربات الاسعاف، والاعتداءات المتكررة على المستشفيات الميدانية والمراكز الطبية، على عدم امتثال دولة الاحتلال لقواعد القانون الدولي الانساني. وقد تعرض العديد من الاطباء والممرضين وسائقي سيارات الاسعاف الى الخطر الحقيقي، اثناء قيامهم بمهامهم الانسانية، في مناطق المواجهات التي شهدتها المحافظات الفلسطينية المختلفة. وقد أدى الاستخدام المفرط للقوة وبشكل عشوائي، من قبل جنود الاحتلال ومستوطنيه، الى استهداف كل من كان في محيط الاحداث سواء كانوا من الطواقم الطبية او من رجال الصحافة والإعلام او حتى من المدنيين بمن فيهم الأطفال. ونظرا لخطورة مهام الطواقم الطبية، التي تتطلب التحرك الفوري والسريع، لاسعاف او نقل اي جريح او مصاب يشاهد في مكان الأحداث، فقد بادر افراد هذه الطواقم لتقديم الاسعافات لهم. الا ان الرصاص الاسرائيلي لم يميز بين من يحمل الشارة الواضحة والمميزة لهؤلاء الأشخاص ولسياراتهم، بل على العكس تسبب في وقوع ضحايا منهم في العديد من أماكن المواجهات، وأدى الى اصابات مباشرة في طواقم سيارات الاسعاف من أطباء ومسعفين وممرضين وهم في ميادين المواجهات. وبلغ عدد حالات الاعتداء على الوحدات الطبية ووسائط النقل الطبية واعضائها نحو 32 حالة فيما بلغ عدد الاعتداءات على المنشآت اكثر من 45 حالة حيث تعرضت العديد من المنشآت الطبية والصحية الفلسطينية للاعتداءات على أيدي قوات الاحتلال الاسرائيلي، وقد شملت تلك الاعتداءات المستشفيات، بما فيها المستشفيات الميدانية، والعيادات الطبية، المنتشرة في المدن والقرى الفلسطينية. ومما يلفت النظر ان تلك الاعتداءات كانت تتم، وبشكل عشوائي، خاصة خلال عمليات القصف المدفعي بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والقصف الصاروخي الذي تعرضت له معظم الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ بدء الانتفاضة. كما شملت تلك الاعتداءات قيام العديد من مجموعات المستوطنين بمحاولات الاعتداء على هذه المنشآت والتعرض لطواقمها العاملة بإطلاق النيران تجاههم مما تسبب في اصابة وجرح عدد منهم. منع دخول الادوية تشكل اجراءات الحصار الشامل الذي تفرضه قوات الاحتلال الاسرائيلي على الاراضي الفلسطينية المحتلة خنقاً اقتصادياً واجتماعياً لسكان تلك الاراضي. وتمثل انتهاكاً جسيماً ليس لحقهم في حرية الحركة والتنقل فقط، بل تتجاوز ذلك لتمس بعدد كبير من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلاً عن حقوقهم المدنية والسياسية. وقد أدى اغلاق كافة المعابر الخارجية والداخلية الى آثار عميقة على حياة الفلسطينيين الذين اصبحوا يعيشون في وضع اشبه بسجن جماعي يحتجزون فيه. وتفيد المؤشرات الى فقدان مئات الآلاف من العائلات لمصادر رزقهم، وارتفاع نسبة السكان الذين اصبحوا يعيشون تحت مستوى خط الفقر. وقد نتج عن الاغلاق الشامل توجيه ضربة قوية للاقتصاد الفلسطيني، قدرتها العديد من الاوساط الرسمية المحلية والدولية بما يزيد على ملياري دولار منذ بدء الانتفاضة وحتى اليوم. سياسة الاغلاق تركت اثاراً خطيرة على حق السكان الفلسطينيين في التمتع بأفضل مستوى من الرعاية الصحية الجسمية والعقلية، حيث تمنع سلطات الاحتلال الاسرائيلي وصول الامدادات الطبية من الخارج ودخول سيارات الاسعاف التي تبرعت بها العديد من الدول، ونتيجة لذلك اضطرت السلطة الفلسطينية الى فتح مخازن مؤقتة لها، لتخزين العديد من الادوية والمعدات الطبية، في مدينة العريش المصرية.