التركيب الطبقي الجديد في مصر في ظل سياسة السوق الحر قضية تطرح نفسها على الباحثين كمحاولة لرصد الصراع الطبقي ، الدائر من حيث محاولة كل طبقة إعادة تكييف أوضاعها على خريطة المصالح السياسية والاقتصادية. هذه القضية ناقشها مركز البحوث العربية وشارك فيها عدد من علماء الاجتماع والباحثين. تحالف الاقوياء في البداية اكد د. عبد الباسط عبد المعطي رئيس قسم الاجتماع بجامعة عين شمس على صعوبة دراسة ظواهر مجموعة من العلاقات في حالة مد وجزر مشيرا إلى أن التعداد السكاني في مصر لا يصنف الناس وفقا للتركيب الطبقي وأن الخريطة الطبقية في السبعينيات كانت تتشكل من مجموعة من الطبقات أولها الطبقة البرجوازية البيروقراطية التي استطاعت أن تتركز في المدن ووصلت إلى مزيد من الإنطلاق لتتحول إلى طبقة رأسمالية أقامت مجموعة من العلاقات مع أغنياء الريف ، فضلا عن وجود رأسمالية خاصة في مصر كانت تحجم نشاطها في المشروعات الصغيرة التي لا يعمل بها أكثر من 50 عاملاً، وأشار إلى الطبقة الوسطى والتي وصل التناقض بين شرائحها إلى حد كبير والتي تشغل قمة أجهزة الدولة في الرواتب والحوافز وتقيم علاقات مع الأجنحة الرأسمالية في الوقت الذي كانت تعاني فيه الشريحة الوسطى في المرحلة الناصرية وبعد حرب 67 قدرا من المعاناة في الحصول على السلع الأساسية التي تشرف الدولة على توزيعها . وتساءل الدكتور عبد الباسط عن طبقة التحالف الحاكم في مصر والتي يمثل معناها فهما للبنية الطبقية ولفهم التكوين الاجتماعي والاقتصادي والذي يظهر في التحالف المزمن بين ثلاث قوى أساسية وهي الشريحة العليا من الرأسماليين الكبيرة التي وصلت إلى حد الاحتكار رغم تنوع نشاطها الشبه إنتاجي وكذلك الشريحه الثانية المكونة من كبار رجال الدولة التنفيذية الذين تحولوا إلى رجال أعمال ووزراء سابقين لهم مشروعات مشتركة مع القطاع الخاص سواء من خلالهم أو من خلال أبنائهم أيضا الصفوة السياسية الحاكمة التي لها مصالح وشريكة في التحالف وهذا يفسر كثيراً من الممارسات في تدخلها في إصدار تشريعات أو مصادرتها ويرى أن هذا التحالف لا يكتفي بالتدخل الدائم في شئون الدولة ولكن يحولها إلى دولة طوارئ دائمة. وأشار د. بد الباسط إلى بعض الممارسات التي تركز عليها الرأسمالية في مصر فهي تميل إلى تشغيل كم محدود من العمالة، وتعمل في مشروعات متنوعة متداخلة في النشاط سواء في قمتها أو على المستوى المتوسط، وأكد أن صغار المستثمرين بدأوا يتآكلون وخاصة في مجال التجارة فمجموعة المحلات الصغيرة بدأت تتضاءل أمام المحلات التي تبيع بالجملة ونصف الجملة والصناعات الصغيرة تعتمد في إستثماراتها على عوائد العمالة في الخليج أو على المودعين في البنوك أيضا علاقة الطبقة الرأسمالية بالطبقة العاملة أخذت تميل إلى تقليل عدد العمالة بعد أن وظفت لديها أهم خبرات القطاع العام وأصبحت تطيل من ساعات العمل والهروب من تنفيذ كل قوانين العمل والتأمينات وأصبحت الشرائح الرأسمالية الاحتكارية توجه خطوتها للسلطة التنفيذية وتؤثر فيها عن طريق التشريعات وتطور من تنظيماتها الخاصة مثل جمعية رجال الأعمال وإتحاد الصناعات مع محاولة تجميل وجهها عن طريق صيغ التبرعات وموائد الرحمن. أيضا تحاول أن تطور نفسها من خلال إنشاء الجامعات الخاصة ومعاهد أصحاب النفوذ وتوطيد العلاقة بين السلطة والثروة. اعادة توزيع وعن الطبقة الوسطى أشار رئيس قسم الاجتماع بجامعة عين شمس إلى أن هذه الطبقة أعيد توزيعها على جسم الطبقات الأخرى فهناك شريحة منها تتكون من كبار المحاسبين والأطباء والمهندسين والقانونيين والذين دخلوا في شراكة مع الرأسمالية وجزء آخر ألحق بالطبقة العاملة ويعمل بأجر محدود وليس لديه رأسمال اجتماعي بعد أن إنتزع منه وتحول إلى صالح الطبقة بدليل زيادة أعداد العاملين من خريجي الجامعات من الطبقة الوسطى والعمالية وأضاف بأن هناك استقطاباً من الشريحة الاحتكارية والمهمشين فعدد الفقراء النسبي في مصر يصل إلى 80% من مجموع السكان من هم في شريحة عمرية أكثر من 15 سنة بعد أن رفعت الدولة يدها عن الدعم فالافقار يتزايد في المجتمع المصري والطبقة الرأسمالية ليس لديها مشروع وطني لصالح مصر ولا تسعى إلى تطوير قوى الإنتاج ولا تسعى إلى المشروعات الإنتاجية ومعظم عوائدها تذهب للخارج. ويرى د.عبد الباسط أن الطبقة الرأسمالية أن لم يكن لديها مشروعها السياسي الاجتماعي فلن تحقق إلا أموالا وقد تبددها. بينما يرصد حسنين كشك الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية طبقة العمال سواء في الحضر أو الريف مشيرا إلى إرتفاع أعداد الطبقة العاملة في الفترة من 76 إلى 96 من 3،3 ملايين عامل إلى 6 ملايين عامل وذلك في مجال الزراعة والخدمات الصناعة وهذه الطبقة لا تقتصر في الزراعة على عمال الزراعة المعدمين ولكن تتسع إلى فقراء الفلاحين الذين يضطرون إلى بيع قوة عملهم . وأوضح انخفاض الوزن النسبي لعمال الزراعة من 41.3% إلى 36.9% في الفترة من 76 - 96 بينما إرتفع هذا الوزن من 23% إلى 40% في مجال التشييد والبناء ، أيضا زاد عمال الخدمات من 44% إلى 44% مؤكدا على خلفية التغيرات التي طرأت على التكوين الاقتصادي المصري والإجراءات الخاصة بالسياسات التي أثرت على بنية المواقع الطبقية مشيرا إلى الأحداث التي أثرت ومن فيها الهجرة النفطية التي تصاعدت في السبعينيات وتراجعت في التسعينيات وتراجعت ما بين 1.5 - 3.5 ملايين، وأثرت في تكوين الطبقة العاملة المصرية التي أصبحت تميل إلى قيم الأنانية والخلاص الفردي وإشاعة قيم الاستهلاك الترفي. وأضاف بأن 7،7% من العاملين بأجر نقدي في الريف والحضر يعملون في عمل إضافي وأكد أن الهجرة النفطية مسئولة عن أشكال الاستثمار لصغار المستثمرين ويمثل جانب منهم فقراء الحضر مثل باعة الأرصفة، والباعة الجائلون والعمالة التي تمر على الشقق السكنية مؤكدا أن حجم العمالة بالقطاع غير المنظم يصل إلى 3 ملايين عامل. تحولات طبقية وعن الوعي والمشاركة لدى الطبقة العاملة أكد كشك أن الحركة العمالية بدأت قوية إلا أن الأفق السياسي والاقتصادي لحركتها بدأ في التقلص وهناك أسباب ذاتية أهمها أن النقابات المصرية نقابات حكومية، والتنظيم النقابي مركزي ووحدوي والنقابة العامة يسيطر عليها النقابيون الصغار والإرستقراطية من العمال فالقانون لغى الشخصية النقابية مشيرا إلى أن مرحلة الثمانينيات والتسعينيات يغلب عليها الدور الاقتصادي للعمال وليس السياسي البارز. وأكد أن العمال الدائمين الزراعيين تصل أعدادهم إلى 608 آلاف في نهاية الثمانينيات يعملون في المزارع الكبرى وأصبح هناك 1.8 مليون عامل زراعي معدم، وأن التغيرات الاجتماعية التي حدثت منذ منتصف الثمانينيات ألغت الدعم على مخرجات ومدخلات الزراعة والقوانين أصبح لها تأثير مختلف على صغار المزارعين وخاصة قانون المستأجرين الذي استغرق إخراجه نحو سنة ونصف وافقد الكثير من الفلاحين حيازاتهم وتحولوا إلى عمال أجراء سواء في الزراعة أو في غيرها. وعن الطبقة الوسطي في مصر أكد عبد المنعم شلبي الباحث بالمركز القومي للبحوث أن الدراسة العملية تثبت أن ليس هناك تدهوراً تاماً للطبقة أو إزدهاراً تاماً ولكن هناك عملية إعادة للطبقة في فترة التحولات فتوجد شرائح طبقية تشهد صعودا والتي تتعلق بنمط الإنتاج الرأسمالي ومنهم المهنيون الذين ينتمون إلى مهن الطب والهندسة وغيرها ويدلل على ذلك ببعض المؤشرات التي تتمثل في زيادة حجم هذه الطبقة في النقابات المهنية خلال فترة التسعينيات فضلا عن إنتشار بعض الشرائح المتعددة الجنسيات وكذلك في القطاعات الثقافية الذين يعملون بشكل حر كمجال البحوث. تدهور البرجوازية الصغيرة وأشار إلى الشرائح التي تتعرض للتدهور في تلك الطبقة وهي البرجوازية الصغيرة كالتي تمتلك حيازات صغيرة في الريف أو نشاط صناعي أو تجاري محدود مؤكدا على اتساع نطاق العاملين في النشاطات المختلفة حيث زادت أعدادهم فقد كانت في عام 96 تمثل 36% وأصبحت في عام 96 تمثل 50%. وأن الزيادة الكبيرة كانت في العاملين مقابل أجر نقدي في مؤسسات تابعة للدولة أيضا تمثل الشرائح الدنيا قطاعا كبيرا في المواقع الوسطي المصرية وتشكل نحو 93% وخاصة في مراحل التحول نحو الخصخصة والسوق الحر وكذلك في مراحل النساء، ويؤكد شلبي أنه بالرغم من الحديث عن دور الدولة في توظيف العمالة في الدولة خلال مراحل تاريخها ففي الفترة من 76 حتى التسعينيات استوعبت الدولة قدراً كبيراً من العمالة التي انضمت إلى جهازها الاداري والتي تمثل 5،5 ملايين موظف في القطاعات المختلفة 80% منهم انضموا إلى مواقع أعلى من تلك النسبة. وأشار إلى أبرز الخصائص التي تميز الشرائح الوسطى والتي تحولت منذ السبعينيات من تجانس نسبي إلى مرحلة عالية التناقض في التسعينيات وحتى الآن وأن المنتمين إلى المواقع الدنيا هم المرتبطون بمواقع عمالية فيما تضاءل دور الشرائح الوسطى من الطبقة الوسطى وأكد أن البرجوازية الصغيرة الجديدة تعتمد على نفسها من خلال التعليم غير الرسمي فالتعليم الحالي لم يعد يمثل آلية لحراك طبقي فأصبح يعتمد الحراك على الفرد ذاته وقدراته الذاتية فالتعليم تضاءل دوره في الحراك بسبب تدهور أوضاعه ولم يعد يمثل الآلية المضمونة للتأهيل لسوق العمل ومتطلباته لعدم وجود إستراتيجية واضحة لنظام التعليم في مصر. من جانب آخر كان نصيب التعليم من الميزانية العامة للدولة من 25% في عام 77 إلى 15% في عام 96 وفي المنشآت التعليمية والميزانية كان التركيز على المؤهلات المتوسطة والعليا بالرغم من أن التعليم يمثل قيمة لشرائح الطبقة الوسطى. واشار عبد المنعم شلبي إلى العامل الآخر الذي يؤثر في الحراك الطبقي وهو الهجرة إلى بلاد النفط حيث تضاءلت نسب المصريين الذين اتجهوا إلى الخليج نتيجة عملية الإحلال بالعاملين الوطنيين والاستعانة بالعمالة الآسيوية وأكد أن الخليج تستعين بنوعين من العمالة أولهما في الأعمال الدنيا التي لا يعمل بها الخليجيون والآخر في مهن ووظائف ذات مستوى رفيع مثل الجامعات ومراكز الأبحاث وأكد الباحث على أن الأوضاع المتناقضة لمواقع الطبقة الوسطى تنعكس على مشاركتها السياسية في المجتمع.