بيان الاربعاء: السودان منطقة جذب سكانى وبوتقة تفاعل عربي أفريقي وهو أفريقيا مصغرة بكل ما فيها من تعدد اثني وتنوع ثقافي وديني ومنطقة تماس جغرافي وحضاري بين طرفي أفريقيا (الغابة والصحراء)، تاريخياً كان له دوره في حضارة أفريقيا القديمة حيث ارتبطت حضارة مروي بحضارة النوبة فى مصر وبالحضارة الاكسومية في اثيوبيا في الشرق أما في الغرب كان لحضارة كوش وجود اكدته الحفريات في منطقة اليوربا فى نيجيريا . وللمسيحية أيضاً في السودان تاريخ وقلاع في شماله ووسطه إلى أن انتشر فيه الإسلام سلمياً وتشبع مجتمعه بروحه وقيمه (المرونة ـ التسامح ـ والبعد عن العنف والتطرف). عهد محمد علي باشا وأحفاده قبيل حملة محمد علي باشا لم يكن في السودان حكومة مركزية قوية ـ السودان في تلك المرحلة عبارة عن تجمعات بدوية حكمها في الوسط تحالف غير مستقر بين مشايخ العبدلاب والفونج أما في غرب السودان فقد تكونت ممالك ذات طابع ثقافي مميز ينتمي إلى مجموعة الثقافات السودانية الأفريقية هي ممالك دارفور وتقلي في جبال النوبة والمسبعات وهي امتداد طبيعي لإنتشار الإسلام في أفريقيا. في أفريقيا انتشر الإسلام كما يقال بما يشبه سباق التتابع، حمله العرب إلى شمال أفريقيا والأندلس ثم حملة الأفارقة بعد سقوط الأندلس من شمال القارة إلى عمقها دون أن تسنده دولة مركزية ولم يكن للسيف دور في نشر الإسلام في افريقيا، ربما فسر لنا هذا التحليل وجود دول إسلامية غير عربية في افريقيا ووجود أعداد كبيرة من المسلمين في السودان لا تتحدث اللغة العربية لان دائرة الإسلام الذي انتشر طوعاً أوسع من دائرة انتشار اللغة العربية. بعد ان تمت لمحمد علي باشا السيطرة على مصر ووقوف الدول الأوروبية أمام تمدده شمالاً اتجه نحو الجنوب إذ كان النيل ومحاولة الوصول الى منابعه على قمة اهتماماته. اهتم الباشا بجمع المعلومات عن أعالي النيل وارسل البعثات لاكتشاف منابعه في الوقت الذي بدأت فيه أوروبا في عمليات جمع المعلومات عن القارة المجهولة للسيطرة عليها وتوزيعها وهو العمل الذي تم فيما بعد في مؤتمر برلين 1884م، في تلك الفترة شجعت حكومات أوروبا الجمعيات الجغرافية والجماعات المهتمة بالشأن الأفريقي للقيام بتمويل بعثات للكشف الجغرافي مثل بعثة استانلي ولفنسجتون وغيرها. ثم وظفت المعلومات المجمعة عن أفريقيا والعلاقات المكتسبة مع زعماء القبائل والممالك للحد من التواصل بين أفريقيا شمال الصحراء وأفريقيا جنوب الصحراء وبالعمل على تحجيم الامبراطورية الخديوية عبر وسائل مختلفة منها على سبيل المثال كان لبريطانيا عيون ونفوذ داخل حاشية الخديوي في القاهرة وكان لها مشروع طموح للسيطرة على مجمل حوض النيل لذلك سعت وفي مرحلة مبكرة لإقامة منطقة عازلة بين شمال السودان حيث الغلبة للهوية العربية الإسلامية وافريقيا الاستوائية بالتخطيط في ظل الحكم التركي لإدارة تلك المنطقة (جنوب السودان) بكادر أوروبي والا ما هي الأسباب التي دعت الخديوي بان يختار كل حكام الأقاليم الجنوبية خاصة الاقليم الإستوائي من أصل أوروبي (صموئيل بيكر بريطاني ـ غردون باشا بريطانى ـ جسى باشا ايطالى سلاطين باشا نمساوى أمين باشا ألماني ـ لبتون بك بريطاني) ومن يومها بدا لجنوب السودان مسار مختلف ادى إلى التباين الذي تعمق فيما بعد عندما تولت بريطانيا حكم السودان. السودان والصراع الأوروبي في أفريقيا وجد الحكم التركي مقاومة عنيفة أشهرها الثورة الكبرى المهدية وهي ثورة شارك فيها كل الشعب السوداني. والمهدية كما جاء في أدبياتها لم تكن موجهة ضد الشعب المصري بل قامت لإزالة حكم ظالم في الخرطوم والدليل على ذلك وقوف ومساندة قادة الفكر والرأي في مصر الشعبية للثورة المهدية فهي في نظرهم توأم للثورة العرابية في مصر. لم ترض بريطانيا على مجمل الأوضاع في مصر والسودان مما دفعها لاعلان الحماية البريطانية على مصر في عام 1882م بعدها بعام واحد طلبت بريطانيا من الخديوي إخلاء السودان كي تكون افريقيا بما فيها السودان أرضاً خالية أمام الزحف الأوروبي. أما الخطوة الأخيرة فهي الوصول إلى صيغة وفاقية لتقسيم القارة الأفريقية بين دول أوروبا وهى الصيغة التي تم الاتفاق عليها لاحقاً في مؤتمر برلين عام 1884م ـ 1885م تكملة لمرحلتي جمع المعلومات والتحكم في جنوب السودان عبر حكام أوروبيين ـ التطبيق العملى لاتفاق برلين أدخل الدول المشاركة في تنافس كبير لتقاطع مصالحها ربما كان هذا هو السبب في التحول الكبير الذي حدث في سياسات بريطانيا تجاه مصر والسودان في هذه المرحلة خوفاً من تدخل دول أوروبية في السودان غيرت بريطانيا لغة خطابها السياسي إذ تحدثت عن مصطلح جديد هو السيادة الخديوية على السودان، استغلت بريطانيا هذا الشعار لرفعه عند اللزوم (كرت أحمر) أمام الأطماع الأوروبية في الأراضي السودانية ووظف أيضاً بخبث لتخدير السلطة الخديوية التي ابتلعت الطعم وأصبحت تردده بغباء إلى أن جاءت الثورة المصرية بمفاهيم جديدة اعترفت بموجبها بحق الشعب السوداني في الحكم الذاتي وتقرير المصير. وفي ظل التسابق نحو أفريقيا تعرض السودان إلى هجمة شرسة من أطراف متعددة ومن كل الجهات. من الشمال بريطانيا ومشروعها الطموح الممتد على طول القارة وهو ما عرف فيما بعد بمحور القاهرة كيب تاون يقاطعه عند مدينة فاشودة السودانية المشروع الفرنسي بعرض القارة فهو الذي أطلق عليه الحزام الأفريقي بين خط الاستواء وخط عرض 12 شمالاً، يتمتع هذا الحزام بوفرة الموارد المائية والأرض الخصبة لذلك ارتبط الحكم الفرنسي بالسيطرة على هذه المنطقة الممتدة من المحيط غرباً إلى الصومال الفرنسي على ساحل البحر الأحمر شرقا، دخلت فرنسا السودان من محاور ثلاثة أولها من الغرب من افريقيا الاستوائية الفرنسية قاده مارشان والثاني من الجنوب من الكنغو الفرنسي بالاتفاق مع البلجيك. أما الثالث (المحور الأثيوبي) وهو الذي استخدمت فيه فرنسا أسلوب الخدعة إذ ادعت بأن السهول الواقعة شرق النيل الأبيض أراض اثيوبية، تمشياً مع هذا المفهوم دخلت فرنسا تحت الراية الأثيوبية من الشرق مكررة نفس الأسلوب الذي اتبعته بريطانيا مع الخديوي بدخولها السودان من الشمال تحت الراية الخديوية. لم تقف الهجمة على السودان عند البريطانيين والفرنسيين في الجنوب بل تمكن البلجيك من السيطرة على مناطق في الاستوائية وفي بحر الغزال وفي الشرق واصل الطليان زحفهم نحو مدينة كسلا كبرى مدن شرق السودان. بريطانيا واسترجاع السودان كي تنفرد بريطانيا بحكم السودان مستقبلاً اهتمت أولاً بتهميش الدور المصري كي يكون مجرد وجود بلا فعالية، وتأكيدا لسيطرتها التامة على بلاد السودان اهتمت بريطانيا بترسيم الحدود بين السودان ومصر والنص عليها وحدها في اتفاقية 1899م، لم تتعرض هذه الاتفاقية لحدود السودان الشرقية والغربية والجنوبية، وفي هذا إشارة بدخول السودان مرحلة جديدة يكون لبريطانيا أقوى دول العالم في تلك المرحلة الدور الاساسى في إدارته وفي تخطيط مستقبله ما يؤكد هذا المعنى رفع العلم المصري وحده في فاشودة لمواجهة المطالب الفرنسية فهي في نظر بريطانيا تدخل فى أراض السيادة فيها للخديوي. والرسالة التي أرسلها سالسبري رئيس وزراء بريطانيا للورد كرومر السياسي البريطاني الداهية والمندوب السامي لحكومة صاحبة الجلالة في مصر في 4/9/1898م بعد يومين فقط من معركة كرري. نص الرسالة (انه بالنظر لما قدمته حكومة جلالة الملكة من تعاون مالي وعسكري فقد قررت ان يرفع العلم البريطاني والمصري جنباً إلى جنب في الخرطوم عند سقوطها المنتظر لذلك ليس لهذا القرار علاقة بالشكل الذي تدار به الأراضي المفتوحة في المستقبل وليس من الضروري تحديد الوضع السياسي لهذه المناطق بالضبط على أن ينظر في ذلك مستقبلاً وعليك أن توضح للخديوي ونظاره أن بريطانيا سوف يكون لها صوت مسموع في كل الأمور المتعلقة بالسودان كما يجب اتباع أي نصائح تقدمها الحكومة البريطانية فيما يختص بشئون السودان. الحكم الثنائي في السودان الحكم الثنائي مصطلح لم يكن معروفاً من قبل وهو من ابتكارات اللورد كرومر وأساليبه الخادعة بهذا المفهوم أراد السياسي البريطاني إبراز مصر كواجهة لشراكة اسمية أما عملياً فقد وضعت كل خيوط السلطة في يد الحاكم العام وهو بنص الاتفاقية بريطاني الجنسية وان تم تعيينه بموافقة الخديوي. المهم كانت النتيجة انفراد بريطانيا بحكم السودان موضوعياً فهي أي بريطانيا عملت على تنمية مستعمراتها في شرق أفريقيا وسمحت بقدر ما من التطور في التعليم والمشاريع الزراعية والمواصلات في شمال السودان أما الجنوب فقد تم إهماله بتخلي الإدارة البريطانية عن واجباتها في التعليم والصحة والإدارة الاجتماعية للجماعات التبشيرية وهو الأمر الذي قاد إلى تخلفه عن الشمال وعن دول شرق افريقيا التي رفضت قبول انضمامه لها لتخلفه. اتباع الإدارة البريطانية أسلوب الإدارة على التوازي للجنوب والشمال وتطبيق قوانين صارمة بهدف عزل جنوب السودان عن شماله إضافة جديدة لروح الفرقة التي وضعت بذرتها الأولى عندما ترك الخديوي إدارة الجنوب لعناصر أوروبية ارتبط اسمها بالتدخل الأوروبي في أفريقيا. مرحلة الحكم الوطني السودان كغيره من دول القارة الأفريقية معرض للصراعات السياسية والاثنية بسبب عدم توصل النخبة السياسية فيه إلى صيغة توفر مشاركة عادلة لكل مكوناته ذات التكوين المتعدد اثنياً وثقافياً مما ادى إلى تعقيد أزمة الحكم لأسباب منها: عدم حسم قضية الشرعية بالرغم من وصول كل قواه الاجتماعية إلى قناعة بأن السودان لا يمكن ان يستقر إلا في ظل نظام ديمقراطي لا مركزي تستمد السلطة فيه شرعيتها من قبول المواطنين لها طوعاً بمعنى أن يحس الناس بان أهداف السلطة مستمد من مبادئهم وقيمهم وأنها كسلطة خاضعة لارادتهم. في السودان تداولت الحكم ثلاثة نظم ديمقراطية وأخرى بنفس العدد شمولية، فيها جميعاً لم يحدث الاستقرار، ضعف الدولة في ظل الأنظمة الديمقراطية أدى إلى الفوضى والإنفلات وإلى غلبة الانتماءات الأولية وتصاعد حدتها أما النظم الشمولية فقد سعت إلى ترويض الشعب وإخضاعه لحكم احادي متسلط فتح أبواباً واسعة للرفض والتمرد والعنف وإلى التدخل الخارجي في الشأن السوداني لذلك سعت الأطراف المهمشة لانهاء احتكار السلطة لجماعة بعينها، الاحتكار في نظرهم شكل عائقاً كبيراً وخطيراً حرم البلاد من الوصول إلى استقرار سياسي ومجتمعي غياب الارادة السياسية وعجز السودانيين عن إيجاد حلول مقبولة ومستقرة لمشاكلهم الداخلية أعطى الفرصة للدور الخارجي خاصة وفي السودان مصالح متقاطعة لدول كثيرة في الماضي كان الصراع حول السودان محصوراً في دولتين مصر وبريطانيا اما اليوم لدول في أفريقيا وفي غيرها من كل قارات العالم مصالح تبدأ باريتريا واثيوبيا ويوغندا وكينيا وتمتد لتشمل ماليزيا والصين وكندا والدولة الأولى في العالم الولايات المتحدة لهذا كثرت المبادرات وتنوعت مصادرها وتفاصيل مشاريعها. وتعددت وسائل الضغط بعد أن أصبح التدخل في الشأن الداخلي أمراً مشروعاً ومسنوداً بالشرعية الدولية وبإرادة الدولة الأعظم الولايات المتحدة تحت مسميات مختلفة المساعدات الإنسانية حماية حقوق الإنسان وتفعيل المشاركة السياسية، حتى بعض مفكري افريقيا الآن يتحدثون عن عودة الاستعمار للقارة أو على الأقل وصاية الدول الكبرى على الدول القاصرة في افريقيا المفكر السوداني فرنسيس دينج كتب عن أسس التدخل الإنساني الدولي في افريقيا مقترحاً إيجاد نوع من المصالحة بين إشكاليتي السيادة والمسئولية وهو يرى وجوب فهم الأزمات الأفريقية والوعي بأهميتها وفي الوقت نفسه الوعي بالاستراتيجيات العملية للتدخل الخارجي التي تمس قضية السيادة الوطنية في حالة الصراع بين أطراف أفريقية مختلفة. التدخل الخارجي في أي بلد في العالم نتيجة مباشرة للعجز الداخلي وفي السودان اليوم غابت الحمية وروح الانتماء للوطن والاعتزاز بكرامته لذلك أصبح الجميع في انتظار أمريكا كي تعيد صياغة البلاد من جديد.