اعتبر الزعيم السوداني المعارض رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي ان الدور الأمريكي في حل القضية السودانية بدأ يطغى على أي دور آخر بما في ذلك دور دولتي المبادرة المشتركة، (مصر وليبيا) محدداً خمسة موجهات ضرورية لاستعادة فعالية المبادرة المشتركة التي لاحظ ان «مراكز القرار المرتبطة بها في القاهرة وطرابلس متعددة وفي كل عاصمة يوجد أكثر من مرجعية». جاء ذلك في سياق حوار سريع أجرته معه «البيان» عبر الهاتف وكشف خلاله حصيلة جولته في عاصمتي الجوار العربي. ووصف المهدي التدخل الأمريكي بأنه «تدخل حميد» وقال ان دور الولايات المتحدة «حتى الآن متعقل وعاقل ويمضي بخطوات محسوبة» ولكنه لم ينس ان يحدد أيضاً ثلاث نقاط سماها «ارشادات» ينبغي التركيز عليها في الحديث مع أصحاب الدور الأمريكي أهمها ربط السلام بالتحول الديمقراطي مع اشراك جميع الفرقاء في الجهد المبذول. ورغم ان المهدي بدا غير راض عن التدخل الخارجي باعتباره نقطة ضعف وهزيمة للقضية الوطنية، إلا انه عزا ما يحدث إلى القصور في التواصل السوداني ـ السوداني. وتطرق المهدي في حواره مع «البيان» إلى جملة من القضايا الأخرى التي تشغل الساحة السياسية السودانية هذه الأيام، بما في ذلك لقائه الأخير مع القطب الآخر في هذه الساحة زعيم المعارضة بالمنفى محمد عثمان الميرغني. والخلافات التي برزت في صفوف حزبه «الأمة» وتقييمه لمحصلة مكاسب عودته من المنفى، نافياً في هذا الصدد صحة ما أثير عن تقييد تحركاته خارج الخرطوم. وقبل ان يختتم بالتنويه بالدور المهم المرتجى من المبعوث البريطاني الذي يزور السودان حالياً والذي «سيكون مستشاراً للدور الأمريكي» يكرر المهدي نداءه إلى زعيم الحزب الشيوعي السوداني المختفي محمد ابراهيم نقد بالخروج إلى العلن متجنباً تقديم ضمان ناجز لعدم التعرض إليه من قبل السلطة ومعولاً في الوقت نفسه على ضغوط القوى السياسية ومنظمات الدفاع المدني التي جعلت ـ حسب رأيه ـ الساحة السياسية تحت المجهر. وهنا تفاصيل الحوار: ـ بعد ذهابك إلى طرابلس ولقاءاتك في القاهرة، كيف ترى فعالية المبادرة المشتركة؟ ـ «المشتركة» تحتاج إلى خمسة اجراءات بغية تفعيلها، أولاً لابد لها ان تكتسب ثقة الجنوبيين الذين يعتبرون الآن الوحدة الطوعية جزءًا أساسيا من ذخيرتهم التفاوضية. ثانيا: لابد للمشتركة من ايجاد صيغة لاشراك دول الجوار الافريقي في دفعها. ثالثاً: لابد لها من ضمان حضور أعضاء الأسرة الدولية الذين يغمسون أياديهم في المسألة السودانية سواء عبر جهود الاغاثة الانسانية أو من خلال الضغوط الكنسية أو بواسطة منظمات حقوق الانسان. رابعاً: يجب ان تتبنى «المشتركة» وسيلة للتعامل مع الوسائل الاجرائية فلا تصطدم بالحائط عند بروز اجراء من طراز منع عضوين عن السفر وينبغي ان تكون وسيلة المشتركة قادرة على استيعاب واحتواء اجراءات النظام والمعارضة. الاجراء الخامس: يتمثل في آلية ذلك. ان مراكز القرار المرتبطة بالمبادرة حالياً في القاهرة وطرابلس متعددة وفي كل عاصمة يوجد أكثر من مرجعية. ـ هل ترى لها جدوى مع تقاطع أكثر من قوة على الخارطة السودانية؟ ـ إذا نجحت في معالجة هذه الاجراءات يمكن ان تقوم بواجبها وتؤتي ثماراً، لكني أرى حالياً فعلاً أكبر للدور الأمريكي. ـ كيف تتسق رؤيتك هذه مع تحذيرات سابقة كررتها مراراً من مخاطر تدويل القضية السودانية؟ ـ كنت حذرت من التدويل الخبيث. ـ هل هناك تدويل حميد؟ ـ نعم هناك تدويل خبيث يأتي فوق رؤوسنا ويعمل وفق رؤاه الخاصة من أجل أهدافه ويفيدنا نحن ويغيبنا نحن. وهناك تدويل حميد وهو الذي يشركنا ويعيننا على تحقيق أهدافنا المشروعة. ـ كيف تصف الدور الأمريكي؟ ـ الدور الأمريكي حتى الآن متعقل وعاقل ويمضي بخطوات محسوبة وله نتائج. فقط يجب ان نركز في حديثنا مع أصحاب الدور الأمريكي على ضرورة العمل وفق الارشادات التالية: أولاً: لابد من اشراك جميع الفرقاء السودانيين في الجهد المبذول وعدم حصر الأمر في حملة السلاح وحدهم، بحيث لا يتحول الجهد إلى مجرد هدنة عسكرية. ثانيا: حين تبلغ مرحلة القضايا الجوهرية ينبغي اشراك الغرب في الحوار، كما يجب على القائمين بهذا الدور. ثالثاً: الأخذ في الاعتبار اشراك أصدقاء السودان والأهم من كل ذلك لابد من ربط السلام بالتحول الديمقراطي بحيث يتساويان في الأهمية ولا بأس من منح السلام أولوية. ـ ما الذي يجعلك ترى تعقلاً في الدور الأمريكي، وأين تلمس له نتائج ايجابية؟ ـ الخطوات التي تم اتخاذها حتى الآن تتمثل بالتفعيل وقد خلقت في مجملها مناخاً ملائماً للتحرك الايجابي، فهناك وقف اطلاق النار في جبال النوبة والتحري في مسألة الرق واتفاقية حماية المدنيين. والدور الأمريكي برمته قيد النظر، إذ يتوقف المضي به إلى الأمام على التقرير الذي سيرفعه الموفد دان فورث إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش ومن ثم يقرر البيت الأبيض مدى امكانية متابعة هذا الدور أو أي قرار آخر. ـ البعض رأى في اتفاق حماية المدنيين احد أشكال التدخل الخارجي في شئون السودان الداخلية ـ التدخل الخارجي يمثل نقطة الضعف الأساسية فإذا عجز أهل الشأن في معالجة شأنهم فإنهم يفتحون الباب أمام الآخرين، ولقد لجأت الحكومة إلى نيجيريا أولاً ثم دول الايجاد عندما أخفق التواصل السوداني ـ السوداني من الاتفاق على الحوار وحل الأزمة سلمياً. ـ البعض يرى ان الحكومة قدمت تنازلات بقبولها اتفاق حماية المدنيين؟ ـ التدخل الخارجي كما قلت يمثل نقطة ضعف ومن ثم فإن القبول به يكون تنازلاً. وهزيمة القضية الوطنية هو التفريط فيها للآخرين. ـ أما كان أفضل للنظام ان يتوصل إلى اتفاق مع طرف سوداني بدلاً من الاتفاق مع قوة خارجية بشأن اجراء يتعلق برعاياه؟ ـ قلنا ذلك بدل المرة الواحدة ألف مرة، وحذرنا من عواقبه غير ان القصور يكمن في التواصل السوداني ـ السوداني. ـ هذا الاتفاق على وجه التحديد يضعف موقف النظام ولا يعززه. ـ جون قرنق اصطحب معه إلى واشنطن رياك ماشار ليقدم شهادة إلى المسئولين الأمريكيين عن نقاط ضعف النظام من زاوية عدم الوفاء بالتزاماته وهذا ما فعله ماشار. ـ قرنق تحالف مجدداً مع ماشار وأنت جددت مؤخراً اتفاق «نداء السودان» مع الميرغني رغم ان حزبه يعاني من تشققات في الداخل يجعل التنسيق معه مهمة مستحيلة. ـ الميرغني رقم على الساحة السياسية السودانية له حجمه، ونحن نتعامل مع كل الأرقام السودانية السياسية. ـ بعض الفصائل رأت في لقائك مع الميرغني اعادة انتاج لتحالف الحزبين الكبيرين، من ثم فهي تتحسب لنتائج هذا اللقاء. ـ لا أرى مجالاً للتراجع لجهة الماضي فالأجندة الوطنية تتقدم إلى الأمام، ولا توجد مصلحة لأحد أو رغبة في اعادة انتاج الماضي والغلبة دائماً للرؤية المستقبلية ونحن كما قلت نتعامل مع الجميع. ـ هناك من يرى خيبة أمل في عودتك وقال البعض انك طرقت باب النظام ثم رفضت الدخول عندما فتح لك، وكنت ذكرت لي في حوار سابق ان اعادة تنظيم حزب الأمة أبرز مكاسب عودتك ولكن هناك نتوءات تظهر على صعيد الحزب من حين إلى آخر. ـ هؤلاء الناس ظلمة، فلا يمكن انكار ان اللغة السائدة حالياً هي اللغة التي ظل حزبنا يتحدث بها منذ فترة غير قصيرة فمفردات الحل السياسي والتنظيم السياسي من أدبياتنا، فنحن الذين غيرنا لغة الآخرين بما في ذلك الحركة الشعبية التي يتزعمها قرنق، إذ استبدلت كلام السياسة بلغة السلاح، وكان هذا أحد محاور الخلاف الرئيسية بيننا وبين حركة قرنق التي تتبنى العمل العسكري، وأثبتت هذه التحولات اننا أصحاب قراءة متقدمة. وكنا نحن الذين بادرنا للوقوف ضد الدور الأمريكي عندما كان قاصراً على دعم الأجندة الحربية ورحبنا به بعد تحوله إلى مساندة الحل السياسي الشامل، وكذلك كان الحال مع دول الجوار الافريقي. وبالنسبة للتنظيم فمقارنة مع القوى السياسية الأخرى، فلا شك اننا في موقف أفضل من الآخرين، ويدلل على هذا نتائج الانتخابات في الجامعات التي تأتي لصالحنا غالباً متى ما التزمت النزاهة وكذلك تواجدنا في ندوات المجتمع المدني ولدينا القيادات التي تطرح أجندة متقدمة. ـ ولكن هناك بعض الخلافات التي تظهر على السطح في شكل التجاذب. ـ مشاكلنا داخل الحزب أصبحت في حد ذاتها مدرسة سياسية، إذ يتم التعامل معها بشفافية كاملة ويتم حلها عبر المؤسسية التي يلتزم الجميع باجراءاتها ويتم كل ذلك تحت عيون الناس كافة، فما الذي يريده الناس أكثر من ذلك؟! يجب التبصير بأن السياسة عملية تطور وتدرج، ونحن نرى أنفسنا في مواقع الخيول التي راهنا عليها، نمشي في المقدمة ويثلج صدورنا ان نرى أفكارنا التي ننادي بها أقرب إلى التطبيق ونحن أكثر من الآخرين مصداقية في تعاملنا مع النظام والتجمع والأسرة الدولية. ـ قال البعض ان الحكومة تقيد حركتك فلا تستطيع مغادرة الخرطوم. ـ هذا كلام فارغ فقد زرت الاقاليم وطفت مناطق النيل الأبيض والنيل الأزرق بنفسي ولكن النظام يقيد حركتنا بامكاناتنا المجمدة لديه. ـ هل أنت قانع أوراض عما يسمى بـ «الهامش الديمقراطي» وهل تجده مريحاً؟ ـ نوعاً ما، فنحن لم نشك إذ لم نتعرض لما يحملنا على الشكوى، اعتقلت السلطات بعض قيادات في المعارضة وتبرر الحكومة اجراءها بارتباط هؤلاء بالأجندة الحربية. ـ قناعتك بالهامش الديمقراطي دفعتك إلى دعوة أمين الحزب الشيوعي محمد ابراهيم نقد بالخروج من مخبئه. ـ لدي قناعة بأن نقد رجل معقول ويمثل التيار العاقل داخل الحزب الشيوعي. ـ هل لديك ضمان بألا يتعرض إلى اجراء يحمله إلى الندم إذا ظهر؟ ـ إذا كان الحزب الشيوعي صادقاً في نبذه للعنف والعمل العسكري وهو ليس لديه من يحمل بندقية حالياً، ويتبنى ـ كما هو متوقع منه ـ فكرة النضال المدني، فليس هناك ما يخشى منه. ليس لدي ضمانة من النظام، لكن الضمان يتمثل في ان المسرح السياسي بأسره أصبح تحت المجهر خاصة بعد أحداث سبتمبر والمنظمات المعنية بحقوق الانسان تشكل مصدر ضمان لأي عمل سياسي خال من العنف. ـ أتوقع ان يكون نقد منكباً على عمل حزبي ربما يؤدي اعتقاله إلى قطع ذلك العمل والمسألة ليست هروباً من اعتقال لخيار أفضل. ـ ليس هناك أي مؤشر لضرب من هذا العمل الذي تتحدث عنه، وعلى كلٍ حتى إذا تعرض للاعتقال فسنقف نحن والقوى السياسية الأخرى كما فعلنا مع الصحافية آمال عباس وكما وقفنا مع صحيفة «الوطن». ـ هل لديك ما يحملك على التفاؤل ازاء امكانية تقديم النظام تنازلات تفضي إلى حل سياسي شامل؟ ـ في السابق كان في النظام والتجمع وآلية التفاوض معايب ساهمت جميعها في ابطاء اجراءات التفاوض. ـ هل زالت معايب النظام واستبدلها باستعداد للمضي على طريق الحل السلمي؟ ـ استعداد النظام لم يعد ضرورياً. ـ النظام مستعد حالياً في رأي البعض لاستبدال نفسه بنفسه، ولكن ليس لديه نية للتنازل عن السلطة. ـ ليس أمام النظام بديل غير متابعة طريق الحل السياسي الشامل الذي يقف خلفه الشعب السوداني والأسرة الدولية. والنظام بات يدرك انه ما من خيار غير متابعة الطريق سوى العزلة. كنت شاركت مؤخراً في ندوة دولية تركز الحديث فيها على انه لم يعد هناك سبيل لبقاء الأنظمة الديكتاتورية، إذ انها رديف للفقر ومن ثم فإن الديمقراطية والتنمية تشكلان الجانب الموازي للمعادلة وهو الجانب الذي تتكفل الأسرة الدولية والمجتمع المدني بتغليبها ورعايتها. ـ تحدثت عن إيجابية الدور الأمريكي فيما يزور الخرطوم حالياً موفد بريطاني، فهل يقاطع البريطاني الأمريكي أم يكمله؟ ـ اعتقد ان الموفد البريطاني سيكون مستشاراً للدور الأمريكي فدانفورث يدور في فلك اليمين المسيحي لكن جولتي رجل عالم بالمشكلة السودانية، إذ كان سفيراً في الخرطوم ويشرف على الملف السوداني في لندن، ومن ثم فهو مؤهل لاستكشاف رؤية مفيدة