حذر معارضو الحملة على افغانستان من ان الحرب بين الأمم لن تتوقف عند ذلك الحد، والآن بينما ينشغل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في تحضير الشعب البريطاني، لهجوم محتمل على العراق، ينتشر الصراع على نحو اسرع مما تكهن به معظمنا. لكن هناك خطراً آخر اهملناه، وهو ازدياد معدل الاعمال الحربية بين الامم المنخرطة في هذه الحرب. فالتدقيق العرقي الذي اصبح بؤرة تركيز السياسة الامنية الامريكية الجديدة ينطوي على خطر إثارة صراع الحضارات وفقا لتصورات القائلين بهذا الصراع انفسهم. روت صحيفة «الجارديان» مؤخراً قصة عادل اختار، وهو بريطاني من اصل اسيوي سافر جواً الى الولايات المتحدة ليقوم بتجربة اداء تمثيلي مع احد المخرجين الامريكيين، وعندما وصلت الطائرة التي استقلها الى مطار جون كيندي في نيويورك، قامت السلطات هناك بتقييد يديه ويدي صديقته بالاصفاد، قبل المضي به الى غرفة تم فيها استجوابه لعدة ساعات، وسأله المسئولون عما اذا كان له اصدقاء في الشرق الاوسط، او ما اذا كان يعرف اي شخص يوافق على هجمات 11 سبتمبر. ويبدو ان قصته مألوفة بالنسبة لمئات الاشخاص المنحدرين من اصول آسيوية او شرق أوسطية. لقد حصلت على نسخة من رسالة بعثت بها قبل أيام امرأة بريطانية من أصل آسيوي في الخمسين من عمرها الى ادارة الهجرة في الولايات المتحدة، في نهاية شهر يناير الماضي، وصلت هذه المرأة التي فضلت عدم الكشف عن هويتها الى مطار جون كيندي قادمة من بريطانيا لزيارة شقيقتها في نيويورك. وفي المطار لاحظ مسئولو الهجرة انها كانت قد أطالت فترة اقامتها في البلاد فوق مدة التأشيرة القانونية في زيارة سابقة فأوضحت لهم انها اضطرت للقيام بذلك لانها كانت تساعد شقيقتها المريضة بالسرطان، وانها تقدمت بطلب رسمي لتمديد التأشيرة، وعندما اخبرها المسئولون بأن عليها الرجوع من حيث جاءت الى بريطانيا، قبلت بقرارهم، لكنها طلبت التحدث الى القنصل البريطاني هاتفيا، لكن رفض طلبها وقيل لها ان بامكانها الاتصال بالقنصلية الباكستانية، إذا شاءت، وأوضحت لهم انها كما يظهر في جواز سفرها مواطنة بريطانية، وليست باكستانية. بعد ذلك بدأ الحراس يستجوبونها كم لغة تتحدث؟ منذ متى تعيش في بريطانيا؟ حطموا أقفال حقائبها، وأخذوا بصماتها. ثم قيدوا يديها بالأغلال، واقتادوها الى قاعة المغادرة. وعن تلك التجربة المريرة تقول «شعرت بأن الحراس كانوا يعرضونني بتباه أمام المسافرين وكأنني جائزة فازوا بها. لماذا قيدوا يدي؟ إنني امرأة في الخمسين من عمري من ضواحي لندن. اي تهديد اشكله على سلامة المسافرين الآخرين؟». وقبل ايام فقط عثر مراسل صحيفة «التايمز» على ثلاثين رجلا وامرأة واحدة معسكرين في فندق حقير في العاصمة الصومالية مقديشو. وجميعهم امريكيون من اصل صومالي، كانوا قد وصلوا الى الولايات المتحدة وهم رضع أو أطفال صغار ومعظمهم مهنيون كانوا ينعمون بوظائف آمنة وحياة مستقرة. وفي شهر يناير الماضي، ـ بعيد عرض فيلم «اسقاط الصقر الاسود» الذي يتحدث عن المهمة العسكرية الامريكية الفاشلة في الصومال ـ تم جمعهم كالماشية من مناطق مختلفة في امريكا. وتعرضوا للضرب والتهديد بالحقن ومنعوا حتى من الاتصال بمحاميهم. وبعد ذلك وقبل حوالي ثلاثة اسابيع تم ترحيلهم على وجه السرعة الى الصومال من دون توجيه اي اتهامات لهم او اعطاء اي تفسيرات لهذا التصرف التعسفي. والآن يمكث هؤلاء من دون جوازات سفر او أوراق ثبوتية او مال في بلد غريب مرعب، وهم يتساءلون ما إذا كانوا سيرون بيوتهم مرة اخرى. كل هؤلاء الاشخاص ضحايا لنوع جديد من التدقيق العرقي تطبقه الولايات المتحدة وتنكر قيامها به، وقد دعا المدعي العام الامريكي الى استجواب نحو خمسة آلاف رجل من اصل عربي من قبل محققين فيدراليين. ومنذ 11 سبتمبر تم احتجاز اكثر من 1000 شخص مولودين في الشرق الاوسط، في ظروف غامضة، بتهم مخالفة قوانين الهجرة. كما سجل مجلس العلاقات الامريكية الاسلامية مؤخرا مئات الشواهد على وجود تمييز في المعاملة على الصعيد الرسمي في الولايات المتحدة، وورد في التقارير المسجلة ان نساء مسلمات تم تفتيشهن في المطارات بطريقة تخدش الحياء وأن رجالا طردوا من بيوتهم تحت تهديد السلاح في منتصف الليل. لقد اصبح الاشخاص المتمردون من اصول اسيوية او شرق اوسطية ارهابيين مشتبها بهم في الولايات المتحدة. ويبدو ان بعض المسئولين يعتبرونهم مدانين الى ان ثبتت براءتهم. وهناك على ما يبدو ايضا سياسات مشابهة تحكم المعاملة القضائية للمحتجزين. فالرئيس جورج بوش، خلال مؤتمره الصحافي في 28 ديسمبر استخف بأحد الاسئلة المطروحة عليه، وأعطى جوابا يبوح بأشياء كثيرة. كان السؤال هو: «هل ستحيلون احدا من المحتجزين الى محكمة عسكرية؟» وكان رد بوش: لقد استثنيت الامريكيين من ذلك»، اشار السائل الى انه قصد ان يسأل ما اذا كان بوش قد اتخذ اي قرارات بشأن المحتجزين في قاعدة جوانتانامو. لكن ما كشف عنه الرئيس الامريكي هو ان التفرقة في المعاملة بين المقاتلين الاجانب وجون ووكر ليند «الطالباني الامريكي» الذي تتم محاكمته الآن في محكمة فيدرالية في فيرجينيا، وهذه التفرقة ليست مجرد مصادفة لها علاقة بالقوانين الامريكية، بل هي سياسة متعمدة. ولم يستطع بوش ان يعامل امريكيا ابيض كما يعامل الاسرى المحتجزين في معسكر «اشعة اكس». في الحقيقة ان تلك المواقف كانت موجودة قبل الهجمات على نيويورك. فوثيقة «الارهاب العالمي» التي نشرها المنسق الامريكي لمكافحة الارهاب في ابريل 2001 تنحو على ما يبدو الى تعريف الارهاب الدولي على انه عنف موجه ضد المواطنين الامريكيين او المصالح الامريكية او المواطنين البيض في البلدان الاخرى، وتوحي بأن غير البيض هم مرتكبو العنف لكنهم ليسوا ضحاياه. في انجولا، على سبيل المثال، فإن «الشاهد الاكثر اهمية» في عام 2000 كان اختطاف ثلاثة عمال بناء برتغاليين على ايدي المتمردين. اما قتل مئات المواطنين الانجوليين فلم يتم تسجيله في تقرير المنسق الامريكي. وفي سيراليون، يشير التقرير الى ان بلاء الارهاب اصاب الصحافيين والعاملين في ميدان الاغاثة وعناصر حفظ السلام الاجانب فقط. وفي اوغندا يوحي التقرير بأن جيش المقاومة لم يفعل شيئا قط عدا خطف وقتل المبشرين الايطاليين. وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي افضى فيها الارهاب الذي رعته ست دول افريقية الى موت حوالي ثلاثة ملايين شخص، لم يأت ذكره ابدا في التقرير، واما الارهاب المحلي في كل من المملكة البريطانية المتحدة واسبانيا فقد غطاه التقرير بالتفاصيل الكاملة. يوجد بالطبع عنصرية شديدة من جانب الاطراف الاخرى ايضا ، فابن لادن هدد بشن حرب ضد اليهود والرجال الذين احتفظوا الصحافي دانييل بيرل اجبروه على الاعلان عن انه يهودي قبل ان يجزوا عنقه. لكن هذا يجعل السياسات الامنية القائمة على التمييز العنصري اكثر خطورة ،ذلك انه بمعاملة الاشخاص غير البيض وكأنهم بمثابة الاعداء الطبيعيين للولايات المتحدة قد تولد الحكومة الامريكية شرارات الصراع في اماكن لم تشهد صراعا من قبل، وفي الوقت ذاته تهييء هذه السياسة فرصة ممتازة للارهابيين ذوي البشرة البيضاء، لانهم يكادون يكونون غير مرئيين بالنسبة لعيون المسئولين. هذا هو المستنقع الذي يخطو اليه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي قال في وصف القيادة العراقية قبل ايام: «هؤلاء الاشخاص ليسوا مثلنا. فهم ليسوا اناسا يتقيدون بالقوانين الطبيعية للسلوك البشري» قد يجادل البعض بأن هذه الصفة ترسخ وجود قرابة بينهم وبين الوزراء البريطانيين. لكن لكي يقنعنا بلير بأن علينا ان ندعم خيار الحرب على العراق عليه اولا ان يجعل قادة بريطانيا يبدون بعيدين ومنعزلين عن البريطانيين الى اقصى درجات ممكنة. ان الهجوم على العراق، عندما يحين موعده قد يكون بشكل من الاشكال بداية حرب عالمية ثالثة. وربما يكون المرحلة الاولى في حرب تشترك بها بلدان عديدة، كما توحي تلميحات وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد. وربما تصبح ايضا حربا ضد العالم الثالث وشتاته الموزع في بلدان العالم الاول. عن جورج مونبيوت في «جارديان»