في اطار التحضيرات للقمة العربية التي ستنعقد في بيروت في مارس المقبل، اكد وزير الداخلية اللبناني الياس المر ان لبنان والعرب سبقوا امريكا في محاربة الارهاب لانهم سبقوها في دفع ثمن باهظ على مدى عقود طويلة من الاستعمار والانتداب والاحتلال. واكد في حديث لـ «البيان» ان التحضيرات تشمل وضع تصور متطور ينقل الامن العربي من واقعه التقليدي والكلاسيكي الى واقع جديد يعتمد على العلوم والمفاهيم الامنية العالمية الحديثة مشيرا الى ان اللبنانيين سيعمدون قريبا الى تزويد مجموعات من الضباط العرب بخبرات لبنان في مجال الامن، وفيما يلي نص الحوار: ـ هل تعتقدون ان احداث 11 سبتمبر دفعت باتجاه بحث مسألة الامن؟ ـ كلا بالطبع فان لبنان لم ينتظر تفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة لكي يرفض الارهاب ويحصن نفسه ضده ويبحث عن جذوره، ويطارد فاعليه ومخططيه، فلبنان عانى ارهاب قرون من الانتداب وتحرر من ارهاب عسكري اسرائيلي بعد عقود من الاعتداءات والتجاوزات والاحتلالات، وضبط اوضاعه الداخلية، وقمع تيارات متطرفة، مازالت محاكماتها جارية منذ الاحداث والمواجهات المسلحة بينها وبين الجيش اللبناني في شمال لبنان. كنا سباقين في مكافحة الارهاب، وقدم جيشنا اللبناني شهداء من خيرة ضباطه وشبابه في حربه على الارهاب في الضنية عام 1999 فمواقفنا لم تكن يوما الا واضحة وصادقة، ومبنية على قناعاتنا الوطنية لاخوف فيها ولا خجل بل شرف وكرامة لاننا ضد الارهاب في المبدأ، والشكل والمضمون، لاتعنينا مزايدة ولا تلزمنا دروس، لاننا نؤمن بان الامن حق مقدس لاهلنا وشعبنا، لا مساومة فيه، مثلما لا أمن بلا حرية ولاحرية بلا امن، فالامن هو حجر الزاوية في النهوض والتطور والابداع، ويخطيء امام الله والتاريخ من يظن ان للارهاب دينا او وطنا. ـ لكن من اين بدأ لبنان عمليا مكافحة الارهاب قبل 11 سبتمبر وهو الذي انضم الى عشر اتفاقيات دولية ضده من اصل 12، ومنع تبييض الاموال، ودعم وايد ووافق على الاتفاقية العربية لمناهضة الارهاب؟ ـ الواقع ان من يسعى الى القضاء على الارهاب عليه ان يسعى الى معالجة اسبابه ايضا، والى تحقيق العدالة الحقيقية والمساواة بين الشعوب والامم، يخطيء من يظن ان استمرار الكيل بمكيالين، وتغليب منطق القوة على الحق، يمكن ان يدوم. فالعدالة لا يحققها ظلم، والسلام لايولد من قهر ولا يصنع فيما تمارس اسرائيل ابشع انواع الارهاب الدموي والفكري والنفسي، بقلتها الابرياء والاطفال والنساء بدون تمييز. فكيف يصنع السلام والترسانة العسكرية الاسرائيلية تقتل المواطن العربي، وتهدم بيوت الامنين وتحتل الارض العربية، ثم تدمر ما تشاء واينما تشاء وكيف يمكن ان يتم صنعه ايضا بينما نقاوم الاحتلال بالاجساد العارية. هل يمكن ان توضع على مسافة واحدة مع الارهاب والاحتلال والتدمير الاسرائيلي المنظم الذي يعتبر دفاعا عن النفس. المطلوب عربيا ـ ما المطلوب عمليا على المستوى العربي بصورة عامة من اجل مواجهة مثل تلك المفارقات والوقائع خاصة على ضوء الاستعدادات الجارية لاستضافة لبنان للقمة العربية اواخر الشهر المقبل، وبعد انعقاد الدورة التاسعة عشرة لوزراء الداخلية العرب في عاصمته اواخر الشهر الماضي؟ ـ المطلوب اجراءات مناسبة ومنسقة بين دول العالم كله، وتصميم على تعزيز فعالية العمل الامني العربي المشترك لمكافحة الارهاب، وتأكيد على ضرورة التمييز بين الارهاب وحق الشعوب في الكفاح بشتى الوسائل من اجل تحرير اراضيها وفقا لمباديء ومقاصد ميثاق الامم المتحدة وقراراتها. ومن ضمن المطلوب ايضا خطوات عدة ابرزها: 1ـ تأكيد ادانة الارهاب بكافة اشكاله واساليبه ومصادره وضرورة معالجة الاسباب التي قد تؤدي اليه. 2ـ ادانة ارهاب الدولة والذي تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. 3ـ تأكيد الالتزام العربي بمكافحة الارهاب وفقا لمدونة قواعد السلوك للدول الاعضاء لمكافحة الارهاب والاستراتيجية العربية بشأن ذلك في اطار الاتفاقية العربية الخاصة. 4ـ تأييده الجهود الرامية الى عقد مؤتمر دولي تحت اشراف الامم المتحدة لبحث ظاهرة الارهاب وتحديد مفهومه والتمييز بينه وبين حق الشعوب في الكفاح بشتى الوسائل من اجل تحرير اراضيها وفقا لمباديء ومقاصد ميثاق وقرارات الامم المتحدة. 5ـ استنكار المضايقات التي مازال يلقاها بعض العرب والمسلمين في دول عدة، بما يتعارض مع قواعد القانون وحقوق الانسان. ـ ماهي الآلية العربية الموضوعية لمكافحة الارهاب؟ ـ هناك اتفاقية وضعت عام 1998 لمكافحة الارهاب في مؤتمر مجلس وزراء الداخلية العرب وبديء التنفيذ في مطلع العام الماضي 2001 وهذا يؤكد ان العرب كانوا يتحضرون لمكافحة الارهاب قبل احداث التفجيرات والاتفاقية مازالت جديدة وتطبيقها ايضا. تجدر الاشارة الى ان ثمة لائحة ببعض الدول التي لم توقع اتفاقية 1998 تلك لكن موقفها هذا ناتج عن بعض الملاحظات لديها لا الرفض بالمبدأ ان تلك الاتفاقية: تتقاطع مع قرار مجلس الامن رقم 1373، باعتبار ان هذا القرار كان مجرد اسئلة امنية وجهت لكل الدول للاطلاع على كيفية تطبيق قوانين كل منها لمكافحة الارهاب، اما الاستراتيجية العربية لهذه المكافحة فهي اكثر شمولا، وتتضمن مواد تطبيقية مهمة، وكلنا يعرف ان اعمالا ارهابية حصلت في الولايات المتحدة، وتم بعدها توقيف امريكيين وهذا معناه ان العالم كله معني بالموضوع وعندما كانت الدول العربية تضع استراتيجيات ضد الارهاب وعندما كان لبنان يضرب الارهاب مع بعض الدول العربية كسوريا وغيرها، كانت هذه الدول تتهم بمعارضتها لحقوق الانسان وانتهاكها. والمطلوب منا اليوم ان نتعارض مع هذا الموضوع، واذا نظرنا الى القوانين التي تطبق حاليا في امريكا وطبقناها في لبنان، يتهموننا بتحويل البلد الى ديكتاتورية. الواقع ان الارهاب واسبابه هما المشاكل الكبيرة التي تواجهنا، والتي دائما وابدا نحاول تقديم ما يمكن عمله لمكافحتها، وهذه المشاكل لاتعتمد فقط على وزارة الداخلية، فالموضوع ليس امنيا فحسب بل يتضمن ابعادا سياسية واقتصادية واجتماعية ولذلك مطلوب ان ننظر الى هذا البعد العام، الفقر والجهل، التخلف والظلم، والى كل هذه الامور المسببة للارهاب، من جهتنا نحاول في كل مرة اجراء دراسات ولكن نؤكد على الدراسات الامنية، في حين يجب التعاون في درس مسائل اخرى غير امنية ومعالجتها من اجل مكافحة تلك الآفة الارهابية. ـ ماذا عن لبنان بعد ان خاض خلال السنوات الاثنتي عشرة الاخيرة بالذات اي منذ توقيع نوابه على «اتفاق الطائف» تجربة فريدة لاثبات الامن بعد ان نخرته 17 سنة من الحرب الاهلية الصغيرة منها والكبيرة والاجتياحات والاعتداءات الاسرائيلية؟ ـ كان الأمن هو المطلب الجماعي لسائر اللبنانيين ولم يخل من المخاوف والتشاؤم من احتمال حصول اي تقدم على هذاالصعيد وان حصل، فسيكون ابطأ من السلحفاة، لكن النتائج جاءت لافتة وبات استتباب الامن الشامل، كما في سائر مجتمعات العالم المستقرة من قبيل تحصيل الحاصل. ومرد ذلك الى قناعتي الراسخة بان رجل الامن هو في خدمة الناس، ولحماية المواطنين، وتوفير ابسط حقوقهم في العيش بامان، وقد جمعت هذه القناعة الى ممارسة يومية بحيث انها ليست مجرد شعار، بل تعكس طبيعة قرار سياسي وحياة مسئولة. وفي رأيي ان السلطة الاجرائية لدى الوزارة تعمل لتأمين المنفعة الامنية العامة، لهذا فقد اتخذنا تدابير كانت متخذة سابقا، لكن من دون ان يتم الاستفادة منها . الأمن وفتح المخيمات ـ كلامكم يطرح مسألة امنية محورية حساسة ودقيقة تتعلق بالمخيمات الفلسطينية فما رأيكم بالقضية في الوقت الحاضر خاصة انه مازالت تبرز قضايا بين حين وآخر تتعلق بامن المخيمات وامن الفلسطينيين والتأثير الفلسطيني على الامن اللبناني؟ ـ ان أمن المخيمات سليم، ونحن جاهزون بشكل كامل ونفضل الجيش الوطني الذي نظمه الرئيس اللبناني اميل لحود وكان له حضوره حول المخيمات، لن نقع في فخ دخول المخيمات لكي لا تكون هناك برك من الدماء وكي لاتسقط من ايدينا ورقة منع التوطين، فقوى الامن تقوم بواجبها وقد قمنا نحن بما علينا في الضنية ونجحنا بالحيلولة دون تخريب لبنان، والقوى الامنية عندنا هي على مستوى عال، فقد انخفضت نسبة الحوادث بعد استعمال «حزام الامان» وباتت نسبة الجرائم في درجة هزيلة، لان رجال الامن يمارسون مهماتهم على اعلى المستويات. على مستوى الوجود الفلسطيني في لبنان: اننا من الداعمين والمطالبين بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارضهم ووطنهم، فهذا حق شرعي ومقدس اي لايجوز ان يمسه احد، ونحن ندعم الشعب الفلسطيني في انتفاضته ومطالبته بحق العودة، اما ما يحكى عن التوطين، فهذا الامر مرفوض باجماع جميع اللبنانيين بكل فئاتهم وتياراتهم، نحن بلد لا يحتمل وجود 400 الف فلسطيني على ارضه، دفعنا غاليا ثمن وجود الشعب الفلسطيني على ارض لبنان، ولا مجال لاي نقاش حول ذلك. وزراءالداخلية العرب ـ ماذا قدم الامن العربي من دعم للشعب الفلسطيني في مواجهته للتحديات والمرحلة التاريخية المصيرية التي يواجهها وبالذات في اطار ماقدمه وزراء الداخلية العرب في مؤتمرهم الاخير ببيروت؟ ـ عندما تضامن الشعب اللبناني تمكن من ان يهزم اسرائيل للمرة الاولى في تاريخ الصراع معها، فاذا كان شعب لبنان هذاالبلد الصغير بمساحته وامكاناته، وعدد سكانه، نجح في توجهه وتضامنه في تحقيق النصر وتحرير ارضه، فكيف اذا تحقق التضامن على مستوى كل العرب فعليا في مواجهة اسرائيل؟ من المؤكد اننا نستطيع ان نؤمن انتصارا كبيرا وسنسترد اراضينا وحقوقنا. واتوقف عند النقاط الاساسية التالية التي اعلنها وزراء الداخلية العرب في بيروت والتي ستكون محور رفع الدعم العربي لصمود الشعب الفلسطيني ونضاله، وهي: الاشادة باعتزاز كبير بهذا الصمود والنضال في مواجهة قوات الاحتلال الاسرائيلي، من اجل حصوله على حقوقه المشروعة، وذلك على الرغم من القلق البالغ والاستياء الكبير ازاء الهجمة الوحشية التي تقوم بها تلك القوات، وعمليات الارهاب الاسرائيلي القائم على الاغتيال والهدم والتدمير والتخريب، بالاضافة الى استمرار سياسة الحصار والاستيطان في الاراضي المحتلة، في محاولة يائسة جديدة لفرض الاستسلام على الفلسطينيين. كذلك عبرنا كوزراء داخلية عرب عن اكبارنا واجلالنا لارواح شهداء فلسطين الذين سقطوا دفاعا عن حقوقهم المشروعة، واعلنا ادانتنا الشديدة للعدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني والمتمثل في اعمال الابادة والمجازر والتهجير والتجويع والتدمير، والحصار المفروض على هذا الشعب وعلى الرئيس ياسر عرفات، وغيرها من الممارسات غير المشروعة، اضافة الى تأكيد استمرار مساندة ودعم الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير سياسيا وماديا ومعنويا في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، ودعوة المجتمع الدولي والامم المتحدة الى التدخل الفوري لوقف العدوان الاسرائيلي وضمان حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها حقهم في العودة، واقامة دولتهم المستقلة، على التراب الوطني وعاصمتهم القدس الشريف. وفي مقابل ذلك، يأمل الفلسطينيون ان يتحول ذلك الدعم الى مزيد من الترجمة الميدانية خاصة وانهم، كما العرب جميعهم قد تعلموا الدروس المكلفة من قرارات عربية رائدة ظلت مجرد حبر على ورق، او جرى تنفيذ بعضها بشكل معاكس لمضمونها ومناقض له. لهذا الفت النظر الى انه لايجب على العرب ان ينتظروا عقد القمم والمؤتمرات ليتابعوا حسن تنفيذ ما يكونوا قد قرروه واتفقوا بشأنه ومن ذلك مثلا ما قامت به اكاديمية نايف العربية للعلوم الامنية، التي يرأسها وزير الداخلية السعودي الامير نايف بن عبد العزيز خلال العام الماضي، خاصة على صعيد تطوير الكفاءات العلمية والتدريبية للعاملين في اجهزة الامن العربية، وتنظيم الدورات والندوات والمحاضرات الثقافية، الى جانب انشطة تعاونية امنية عربية مشتركة عدة، تتعلق بصورة عامة، بالامن ومكافحة الارهاب، والمخدرات والمؤثرات الفعلية، وتسليم المجرمين والاشخاص المطلوبين والسلامة المرورية، ودعم الشرطة الفلسطينية بالذات نتيجة ما تتعرض له من اعتداءات اسرائيلية متواصلة، وانشاء مركز عربي للتدريب واحداث مستودع عربي للطواريء في مجال الدفاع المدني .. الى ما يرتبط بذلك من الامور المالية. اننا مستمرون في مكافحة المخدرات وكان هناك الف مطلوب تائهين في كل لبنان فاعتقلناهم، وسلمناهم لانهم مطلوبون بمذكرات توقيف وباحكام ويهمني ان الفت في هذا المجال الى ان لبنان تلقى العديد من المساعدات لتعزيز مسيرته الامنية منها ماتسلمناه مؤخرا من سفير سويسرا في لبنان يورج سترولى وهو عبارة عن 20 نبذة للحماية من الجراثيم البكتيرية والكيميائية، قدمها الدفاع المدني السويسري، الى الاجهزة اللبنانية المماثلة. وعن القضايا الامنية المختلفة فان الابرز فيها: ـ الخطة الامنية العربية الثالثة، وقد دخل انجازها عامه الرابع. ـ الخطة الاعلامية العربية للتوعية الامنية والوقاية من الجريمة. ـ الخطة المرحلية الثالثة للاستراتيجية العربية لمكافحة الاستعمال غير المشروع للمخدرات والمؤثرات العقلية. ـ اعادة صياغة مشروع القانون النموذجي لتسليم المجرمين والاشخاص المطلوبين والسلامة المرورية والامن البيئي. ـ تطوير الاجهزة المتعلقة بالاعلام الامني، بالحماية المدنية، بالمباحث والادلة الجنائية، وادارات التدريب ومعاهد وكليات الشرطة والامن، وغير ذلك. ـ ماهو ابرز ماحققه وزراء الداخلية العرب في بيروت على مثل تلك المستويات او ابرزها على الاقل؟ ـ ثمة انجازات عديدة حققوها ومنها: مشروع القانون العربي النموذجي لمكافحة الارهاب واخر خاص بالاسلحة والذخائر والمتفجرات والمواد الخطرة، وثالث حول آلية عمل عربية موحدة للرقابة على السلائف والمواد الكيميائية التي يكثراستخدامها في الصنع غير المشروع للمخدرات والمؤثرات العقلية، ومشروع خطة اعلامية عربية للوقاية من جرائم الاحتيال. كذلك تم اعتماد مشروع القانون العربي النموذجي لتسليم المتهمين والمحكوم عليهم، واخر يتعلق بالسلامة العامة المرورية الذي تم وضعه اساسا بهدف التخفيف من المآسي والاضرار الناجمة عن حوادث المرور من خلال توعية افراد المجتمع بكل الجوانب المتعلقة بالمرور وتحسين مستوى كفاءة العاملين في مجال المرور، وتوثيق التعاون العربي والدولي في مجال السلامة المرورية.