للوهلة الأولى، يبدو أولئك الأجانب الملتحون مثل جميع العاملين الآخرين في صفوف فرقة الاغاثة في غربي أفغانستان، فهم يتفاوضون مع الأفغان على الغداء، الذي هو عبارة عن جبال من الأرز والدجاج المغموس بصلصة،، حمراء غامضة، وشأن الحمالين البسطاء الذين ينتعلون أحذية بالية ويرتدون سراويل جينز ويلفون رقابهم بأوشحة مختلفة، فإنهم يقفون بالدور للحصول على تذاكر على متن الخطوط الجوية الوطنية الأفغانية «اريانا». وهم يتكلمون بحديث الشارع في حيرات عن مشروعات انسانية كاعادة بناء المدارس وتوفير الملابس والمولدات للمستشفى المحلي واعادة الحاق المسلحين السابقين بوظائف تتعلق بتطهير قنوات الري وازالة الطمي، ولكن لدى تفحصهم عن كثب تجد ان هؤلاء الرجال، الذين يتحدثون الانجليزية بلكنة امريكية، لديهم هوائيات لا سلكي كبيرة تبزر من حقائبهم المحمولة على الظهر، ومسدسات تطل أحياناً من تحت صديرياتهم، ومفرزة أمنية أفغانية ترتدي البزة العسكرية الرسمية تحوم حولهم. غير انه لا توجد أسرار كثيرة تحيط بمهمة هؤلاء الجنود التابعين للعمليات الخاصة الأمريكية وهم يريدونها ان تكون على هذا النحو. وهذا مرده إلى ان هؤلاء الجنود يعتبرون طليعة مهمة جديدة للبنتاجون، تهدف إلى تسهيل عملية انتقال أفغانستان من الحرب إلى السلم حسب التصور الأمريكي لهذه العملية. ويعتبر وجودهم مؤشراً على مدى تعلم الجيش الأمريكي من المحاولات الصعبة لحفظ السلام في الصومال والبلقان في سنوات التسعينيات، وهو يعكس أيضاً كيف يتبنى البنتاجون الذي ينفض الغبار عن مفهوم برز لأول مرة عقب انتهاء الحرب الباردة، تصوراً أكثر شمولية لما هو ضروري لاعلان النصر في حرب حديثة. يقول الميجور مايك وارماك وهو عضو في حملة العملية المدنية ـ العسكرية المشتركة للتحالف ان هذا طابع جديد وهذه المرة الأولى التي نشكل فيها تنظيماً مثل هذا، وهو يثبت ان الجيش الأمريكي ملتزم بعمل كل ما في وسعنا لاعادة أفغانستان إلى طبيعتها، ومن ثم نقل المسئولية عنها إلى أيدي المحترفين. بعيداً عن مقرها في كابول تنتشر حوالي عشر فرق مؤلفة من أربعة أشخاص ومدربة تدريباً خاصاً ـ وتعمل غالباً مع قادة الحرب المحليين عن كثب ـ تنتشر في جميع أنحاء أفغانستان باحثة عن مشروعات يمكن ان يكون لها تأثير مباشر لا يمكن للهيئات الأخرى ان تحدثه. وتقول الميجور كيم فيلد التي بدأت العمل على هذا المشروع في القيادة المركزية بمدينة تامبا بولاية فلوريدا الأمريكية: «اننا في الواقع أداة قصيرة الأجل، ونحن نحاول ان نملأ الفجوات»، وتقول ان القائد العام الأمريكي الجنرال تومي فرانكس بدأ بعد مرور أسبوعين فقط على بدء القصف الأمريكي في السابع من اكتوبر الماضي يسأل عن المتطلبات الانسانية عندما تتوقف القنابل عن السقوط. وفي حديث لها من مركز القيادة في كابول المغطاة جدرانه بالخرائط والذي تعلو فيه اصوات اجهزة الكمبيوتر واللاسلكي، تقول الميجور فيلد: «انه لاعتراف بأنك عندما تفكر بالامن، فإن عليك ان تفكر بأمن دائم وذلك لا يعني فقط القدوم بالاسلحة والقنابل» لقد تم استهداف 23 مدرسة في عملية تجديد، من بينها مدرسة زندة جان للبنات التي تستوعب 1000 طالبة، وتقع الى الغرب من حيرات، ووفر مشروع آخر لتطهير قناة للري بطول 12 ميلاً، في زندة جان ايضاَ، فرص عمل لـ 500 جندي سابق وعمال آخرين، وأمدهم بالنقود والغذاء لاسابيع عديدة، ويتوقع ان يتم توسيع نطاق ذلك المشروع ليشمل 19 قناة اخرى لـ 5.000 عامل. وبينما تبقى وصفة «حماية القوة» سارية المفعول في كل موقع ناء فإن هذه الوحدات الصغيرة لديها اتصال مباشر لا يضاهى مع الافغان العاديين، لكن كسب معركة السلام ليس بالامر السهل. وتقول فيلد بهذا الخصوص: «نتلقى شكوكا كثيرة من هيئات الاغاثة، التي تسأل عن سبب قيام الجيش بهذا العمل، وبالتالي فإن النتائج كانت متفاوتة». ويقوم الامريكيون باستضافة لقاءات اسبوعية بين الهيئات لتجنيب الازدواجية في الجهود. وتحتج احدى الهيئات الاوروبية على ارتداء الجنود للملابس المدنية مع ان الهيئات الحكومية تقول ان الاستغناء عن البزات العسكرية يجعل من الاسهل عليها دعوة اعضاء الفرق لشرب الشاي، وتقول فيلد، التي بادرت الى دعوة الامم المتحدة وجماعات اخرى لاجتماع في اكتوبر الماضي بمقر القيادة المركزية بمدينة تامبا، ان: «البزة العسكرية تعتبر عائقا، ونحن نعرف ان مستوى تفاعلنا مع هيئات الاغاثة والامم المتحدة افضل بكثير مما كان عليه في البوسنة او كوسوفو (حيث كان يتم ارتداء البزات العسكرية). وتضيف فيلد ان: ما فعلناه في مقر القيادة المركزية يعتبر انجازا ولكن في حين قال الجيش الامريكي انه يريد ان يمكن الهيئات من اداء عملها، الا انه لم يمض بعيدا بهذا الهدف في البداية، فالمطالب الوحيدة كانت تتلخص في امكانيات اخلاء سريعة في حالة وقوع مشكلات او في توفير الحراسة لقوافل المساعدات. وتقول فيلد، التي ارسلت حرسا للقوافل في الصومال سابقا، ان ذلك لا يزال منطبعا في اذهانهم من تجربة الصومال. ومع ذلك، فانه ليس بالضرورة ان تكون هذه الحملة متفانية، فهذه العمليات جربت من قبل في فيتنام، وفشلت، والسوفييت فعلوا الشيء نفسه بادارة العيادات الطبية واطعام الافغان، عندما احتلوا افغانستان خلال الثمانينيات من القرن الماضي.وبدلا من ذلك، فان البنتاجون في افغانستان يقوم باستعمال قدرات عسكرية لحل مشكلات مدنية، في وقت تحاول الهيئات المعتادة الوقوف على قدميها وذلك للحيلولة دون الحاجة لأية عمليات عسكرية في المستقبل. كانت هذه الخطط قيد الاعداد قبل فترة طويلة من احداث الحادي عشر من سبتمبر واشعالها للحرب الافغانية. ويقوم الكابتن كورت، الذي لم يقدم سوى اسمه الاول، بادارة الفريق في حيرات، ولتعلم كيفية التعامل مع عمال الاغاثة والصحافيين والسكان المحليين، فقد تلقى كورت تدريبا اقليميا لمدة خمسة اشهر وتدريبا على اللغة العربية لمدة ستة اشهر وشهراً واحدا من التدريب على الشئون المدنية. ويقول الكابتن كورت، الذي تميز بلحية قصيرة مشذبة، ويضع نظارات شمسية، ان تلك المدرسة اعدتنا لهذا العمل الى جانب الاخطاء التي ارتكبناها في الماضي. وهذا هو العمل نفسه الذي نقوم به في أوقات السلم، مع زيادة قليلة في معدل الخطر في هذه البيئة. وذلك يعني ان الفرق التي هي على شاكلة فرقته يتم استدعاؤها احيانا لمرافقة مسئولين من الوكالة الامريكية للانماء الدولي، والتي ما كانت لتقدر لولاها على تقدير احتياجات مناطق معينة ، ولدعم حكومة كابول يقومون ايضا بمرافقة المسئولين الافغان جوا الى مناطق الصراع. ويقول الميجور مايك، وهو مهندس يرتدي قبعة صوفية يقوم بمهمة معاينة للاوضاع في حيرات: اننا نذهب الى الوزارات ونسألها عن اولوياتها، فنحن نحاول ان نساعد الافغان على القيام بالعمل. ويشير الميجور مايك الى مسئولين من وزارتي الري والتنمية الريفية يجلسون في طائرة «اريانا» في المقعد الواقع امام مقعده، وقد قامت حملة العمليات المدنية ـ العسكرية المشتركة للتحالف برفع قيمة التذاكر الخاصة بهم، وهم يطالبون بمبلغ 3800 دولار من اجل السفر الى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق لشراء قطع غيار لاسطولهم المدمر من معدات الحفر والضخ. ويقول مايك: لا يمكنك ان تركب رأس مثقاب امريكي على مثقاب سوفييتي، فالفجوة التقنية هي بعمق الفجوة الثقافية تقريبا، في واحدة من افقر الدول على الارض، ونحن نستل هواتفنا التي تعمل بالاقمار الصناعية، بينما هم لايملكون هواتف بالمرة. تعتبر المشروعات صغيرة وفقا للمعايير المتعلقة بالاغاثة، وتتراوح تكلفتها عادة بين 5000 ـ 90.000 دولار. والميزانية الكاملة لحملة العمليات المدنية ـ العسكرية المشتركة للتحالف لا تتعدى المليوني دولار. وتقول فيلد، التي ساعدت على تشكيل هذه الوحدة من مجمعات العمليات الخاصة في فورت براج بولاية كارولينا: لقد كانت هناك احباطات معينة. ومن نواح عدة، فان العمل المدني ـ العسكري لايزال غريبا على الاشخاص الذين يشكلون هيئة الاركان العامة، فمعظمهم يعتبرون محاربين. اما بالنسبة لاولئك المنتشرين في الاصقاع النائية من افغانستان يمازحون المترجمين المرافقين لهم، ويسيطرون على سباقات الخيول التي يمكنها ان تؤثر على هيئات الاغاثة العادية، فانه لا توجد شكوك حول اهمية عملهم. ويقول وارماك بهذا الخصوص: سنضع خطة طويلة الاجل، لمواصلة العودة، وللتأكد من ان المشروعات لاتزال تعمل. وهذا هو احد الدروس التي تعلمناها. وسنكون على الارجح آخر وحدة عسكرية امريكية تغادر افغانستان. عن «كريستيان ساينس مونيتور»