المشكلة لم تكن ابدا في الدين بل في اتباع الدين، فليس هناك دين على الارض يبيح القتل والاغتصاب، ومع ذلك فان بعض رجال الدين يقتلون ويغتصبون ويجدون احيانا من يحميهم، فالمؤسسة الدينية، مثل اي نقابة او حزب، تدافع عن اعضائها، هنا ثلاثة مشاهد تناقلتها وكالات الانباء الاسبوع الماضي، تصلح محطات على هذا الطريق المرعب. البابا والفتاة المسكونة في المشهد الاول البابا يوحنا بولس الثاني يلقي عظة يوم الاحد في سبتمبر الماضي، ساحة الفاتيكان تغص بالالوف من المؤمنين، فجأة وفي وسط الجموع المنصتة، تشق صرخات عنان السماء، انها الفتاة فاليريا، عمرها (19 عاما) وهي تصرخ بكلمات غريبة وتمزق ملابسها ثم تبدأ تتلوى مثل افعى على الارض، المشهد يسترعي انتباه البابا، بينما يسرع احد رجال الدين الى الفتاة، يحاول تهدئتها بأيقونة لمريم العذراء يضعها فوق صدرها، بينما يرش الماء المقدس على وجهها، وهنا يبلغ غضب الفتاة الذروة، فتصرخ بلغة غير مفهومة، وتجحظ عيناها، وتهجم على رجل الدين في عدوانية واضحة، ثم تهمد حركتها فجأة ويتحول صراخها الى نواح وتتكوم في هدوء فوق الارض، اهل الفتاة يعتذرون، يقولون ان الفتاة ممسوسة اي مسكونة بروح شريرة منذ كانت في الثانية عشرة من عمرها، رجل الدين يرعى نقل الفتاة الى الصرح الفاتيكاني حيث يقوم البابا شخصيا بالصلاة عليها لطرد الارواح الشريرة من جسدها، ويعدها باقامة قداس في اليوم التالي من أجلها. التعويذة ويقول الاب جابرييل آمورث (75 عاما) رئيس الاتحاد الدولي لطاردي الارواح او المطهرين «لم يكن هناك ادنى شك في ان الشيطان استوطن جسدها»، ويضيف في حديثه الى صحيفة «صانداي تايمز» البريطانية «لقد شاهدت فورا انها مسكونة الى حد كبير» ويقول الاب جابرييل «ان الممسوس عندما تقرأ الصلاة عليه يبدأ بالتقيؤ»، ويشير الى مجموعة من الاشياء حوله تتضمن رباط شعر، وقطع من الحبال والزجاج ويوضح «ان ردود فعل الممسوس تكون عنيفة، وأسلحتي ضد الشيطان هي الصليب والماء المقدس وزيت السيدة العذراء». وقد تلقت جماعات طاردي الارواح مبادرة البابا، وهي الثالثة من هذا النوع، بترحيب كبير واعتبرتها اعترافا بها من اعلى المرجعيات الدينية. ويقول تقرير الصحيفة «ان البابا كان قد امر بتوفير طارد ارواح واحد على الاقل لكل ابرشية كنسية، ولكن الطلب يفوق العرض دائما»، وينقل عن احد المساعدين قوله: «اننا نغرق بسيل لاينتهي من المكالمات الهاتفية». وقد قام الفاتيكان مؤخرا بتعديل اوامره حول هذا الموضوع بعد احتجاجات عارمة من اطباء وعلماء نفس، اكدوا ان المس هو نوع من المرض العقلي او العصابي فطلب الفاتيكان من طاردي الارواح ان يقوموا باستشارة الاطباء في الحالات التي تعرض لهم، قبل ان يبدأوا حربهم لطرد امير الظلام من الاجساد التي استوطنها. وبالطبع فان هذه الصور الواقعية تعيد تذكيرنا بفيلم« التعويذة» الذي اخرجته هوليوود قبل عقدين من الزمان، وكان من اكثر الافلام رعبا في تلك الفترة، كما تذكرنا مسرحية «ساحرات سالم» للكاتب الامريكي المبدع آرثر ميلر، حيث يتولى رجال الدين طرد الارواح من اجساد الفتيات المسكونات عبر الجلد بالسياط، الى حد ازهاق روح الفتاة المسكونة بالروح الشريرة. وهي مسرحية واقعية جرت أحداثها في مدينة سالم الامريكية. جريمة هزّت بلجيكا المشهد الثاني مسرحه بلجيكا، وهو اشد هولا من اي فيلم شيطاني، فالاب البلجيكي من اصل هنجاري اندراس باندي 74 عاما اغتصب ابنته اجنيس، ثم اغتصب اثنتين من بنات زوجته، وعندما حملت احداهما منه، حاول تدارك الفضيحة فقتلها بمساعدة ابنته آجنيس، وقام بتقطيع جثتها وتذويبها بالاسيد، وعندما حامت شكوك الزوجة حوله قتلها ايضا مع ابنتها الثانية، ورمى اشلاءهما في الاسيد، ولكن رائحة الجريمة فاحت لدى افراد عائلته، فقتل ثلاثة منهم، وبلغ عدد الضحايا ستا من افراد اسرته انتهوا اشلاء في برميل الاسيد. ومع ان هذه الجرائم وقعت بين اعوام 1986 و 1989 الا انها بقيت طي الكتمان مدة ثماني سنوات الى ان بدأت الشرطة التحقيق في اختفاء افراد عائلة باندي، وكانت المفاجأة هي ان الابنة آجنيس ادلت باعترافات كاملة امام هيئة التحقيق، ووصفت بالتفصيل كيف قامت بمساعدة والدها في تقطيع جسد امها واخواتها قطعا صغيرة، ورميها في برميل ثم صب مادة الاسيد التي تستخدم في تنظيف مجاري احواض الجلي والغسيل فوقها كي تتحلل وتذوب. ومنذ عام 1997 ورجال الشرطة والابحاث الجنائية يقومون بالتحقيق وهمهم الرئيسي هو اكتشاف الجثث او بقاياها الجثث، اذ كيف يمكن اثبات الجريمة من دون وجود الجثة؟ لقد قاموا بالتنقيب في اقبية عدد من المنازل التي يمتلكها القس البروتستانتي، واكتشفوا بقايا عظام، ولكن التحليل المختبري (دي. ان. اي) اكد ان بقايا العظام لا تنتسب الى عائلة باندي، اذن من هم اصحابها؟ مواجهة بالانجيل قبل ثلاثة اسابيع بدأت المحكمة الجنائية في بروكسيل جلساتها لمحاكمة القس باندي وابنته آجنيس 44 عاما، القس كان غاضبا، قال ان افراد الاسرة المختفين يعيشون حياة مريحة في امكنة لم يسمها، وواجه المحلفين بآيات من الانجيل، ووصف المحاكمة بأنها نوع من «صيد الساحرات» كما كان يجري في القرن التاسع عشر ايام ساحرات سالم، المدعي العام كشف اللعبة قال «ان القس باندي استأجر ممثلين قاموا بدور الضحايا لاقناع الشرطة بأنهم مازالوا احياء وبأن اية جريمة قتل لم تقع» ولكن الشهادة الحاسمة كانت للابنة آجنيس، قالت بعد ان وصفت ما فعلته: «لم يكن لدي اي مخرج من تلك المأساة لقد كنت محاصرة في قبضته، لا املك الكلمات للتعبير عن الالم، انني اشعر بالذنب لما فعلته، ولكنني كنت اتصرف ضد طبيعتي وارادتي». محامي الدفاع قال دفاعا عنها: هذه المرأة كانت تعيش تحت تأثير تعويذة ابيها، عاجزة عن المقاومة حينما كان يأمرها بالمساعدة في قتل امها وبناتها. وفي الاسبوع الماضي اصدرت المحكمة حكمها بالسجن المؤبد على القس البروتستانتي باندي وبتخفيف الحكم عن ابنته آجنيس من 29 الى 21 عاما سجنا لانها كانت تحت سيطرة تعويذة ابيها. .. واعتداءات على الأطفال في امريكا المشهد الاخير من بوسطن في الولايات المتحدة، حيث وافقت الاسقفية في المدينة على دفع مبلغ يتراوح بين 20 و 30 مليون دولار تعويضات عن اعتداءات جنسية على الاطفال ارتكبها القس جون جوجان 66 عاما وعلى مدى ثلاثين عاما. عدد الاطفال الذين تم الاعتداء عليهم يصل الى 200 طفل، وفي ابرشيات مختلفة، وكانت الكنيسة قد دفعت مبلغ 15 مليون دولار تعويضات في القضية نفسها، والفضيحة كشفت ان هناك 48 قضية اخرى مرفوعة ضد قساوسة آخرين قاموا بالاعتداء جنسيا على الاطفال، وانه وعلى مدى نصف القرن الماضي فان حوالي 90 قسيسا اتهموا بالاعتداء على الاطفال جنسيا. ولكن ما اثار الرأي العام ورعايا الكنيسة الكاثوليكية هو ان الكاردينال برنارد لو وهو اعلى سلطة كنسية في الولايات المتحدة كان يعرف سوابق القسيس جوجان ولكنه بدلا من ان يفصله ويعلن براءة الكنيسة منه فقد كان يكتفي بنقله من ابرشية الى اخرى. وفي الاسبوع الماضي ومع الكشف عن المبالغ التي سوف تدفعها الكنيسة من اموال المؤمنين والمتبرعين للاعمال الخيرية تصاعدت المطالبة باستقالة الكاردينال برنارد لو، ولكن الكاردينال لم يفعل فهو يستمد سلطته من الفاتيكان ومن بابا روما .. والبابا لم يتخذ قرارا بعد.