الملف السياسي: في الوقت الذي تسرف فيه حكومة الهند في اشهار «كارت» الارهاب ضد الحكومة الباكستانية، وضد الثوار المسلمين في كشمير، فإنها تغض الطرف تماما ان لم تتواطأ مع العناصر المتطرفة التابعة لحزب بهارتيا جاناتا الحاكم، الذي انطلقت عناصره من كل عقال لتحتفل في شكل استفزازي مؤذ باقامة معبدها على أنقاض مسجد بابري، ثم لتنطلق عبر المدن وتحرق جموع المسلمين أحياء. هذه العناصر المنهمكة في المذابح تسميها أجهزة الاعلام تسمية مغلوطة، فهي تسميهم بالمتطوعين، تشبيها لهم بمتطوعي الصليب الأحمر والبعثات التبشيرية، ولكنهم في الحقيقة عناصر شغب، وعصابات تعصب وارهاب دموي مجنون، أتت في خلال الاسبوعين الماضيين على مئات الارواح، بينما كانت أجهزة الشرطة تتفرج على تحركاتهم الآثمة، فهي شريكتهم ولو بالصمت. إن الحكومة الهندية بينما تكف يد الشرطة عن التدخل لحسم تلك المذابح، فإنها تسمح لنفسها بالحديث بالألفاظ الطنانة عن عدم رضاها عما يحدث ووصفه بأنه وصمة عار على جبين الهند وانه يسيء الى سمعتها بين الأمم، وهو الأمر الذي أثار صحفي Times of India ليقول ان ما حدث انما هو لطمة على جبين رئيس الوزراء فهو، كما دفعت تلك الأحداث الأصولي الهندوسي المعتدل شانكار اتشاريا الى نسبة تلك الأفعال الى الدولة قائلا انه شكل من أشكال الدولة لانه تم على أيدي اتباعها وبتواطؤ قواتها النظامية المكلفة بحفظ الأمن وقد ندد ذلك الزعيم الديني بالمذابح تنديدا شديدا وطالب بأن تتحرك الحكومة الهندية لايقافها وذلك بتوقيف الزعماء الهندوس المتطرفين في ما يسمى بـ «المجلس الهندوسي العالمي» المرتبط ارتباطا وثيقا بالحزب الحاكم. وقد انهالت الاتهامات على الحكومة الهندية من اطراف شتى في الهند على رأسها زعيم المعارضة وزعيمة حزب المؤتمر سونيا غاندي التي قادت مسيرة من البرلمان الى مقر رئاسة الجمهورية تطالب رئيس الجمهورية بالتدخل والزام رئيس الوزراء بالتحرك الجدي لقمع العناصر الهندوسية المتشددة كما قاد حزب الرابطة الاسلامية بالتضامن مع حزب ساماغوادي جبهة ضاغطة في البرلمان شجبت المذابح بعنف، ودعت الى سحب صوت الثقة من وزير الداخلية، لال ادواني، بتهمة تقاعسه عن تحريك قوات الشرطة، لوضع حد للعدوان الهندوسي على المسلمين. ان تقاعس قوات الشرطة عن اداء واجبها كان سببا اساسيا في تمكن الجناة من احكام تنفيذهم لمذابحهم، كما كان سببا في امتداد نطاق تلك المذابح، ؟ كان ذلك هدفا مقصودا من بعض اطراف الحكومة، لتعود بعد ذلك وتقول ان ما جرى كان وصمة على جبينها ولولا تباطؤ الشرطة وقعودها عن اداء واجبها لما تمكن المتطرفون من التنقل من ولاية الى اخرى واثارة الشغب في اكثر من ثلاثين مدينة ولما بلغ عدد الضحايا اكثر من خمسمائة حرق اكثرهم احياء، ولولا تعمد الشرطة عدم القيام بواجبها، لما تجرأ الجناة على دخول مكاتب الحكومة نفسها، وحرق طرف منهاخاص بإدارة الاوقاف الاسلامية، وحرق النائب البرلماني السابق احسن جعفري وهو حي! لقد تكررحديث شهود العيان عن وقوف قوات الشرطة موقف المتفرج واحيانا في موقف المساعد على الاعتداء على المسلمين وكأنه انتقام مشروع على اتهام المسلمين بقتل متطرفي الهندوس العائدين من موقع المسجد البابري وذلك مع ان ذلك الحادث لم يثبت انه كان حادثا متعمدا او ان وراءه مسلمين رغم ان الحكومة الهندية سارعت بتوجيه الاتهام فيه للمسلمين والهبت بذلك غضب مؤيديها المتعصبين وحرضتهم بوجه غير مباشر للاخذ بالثأر من كل من يلقونه من المسلمين. الخطأ المزدوج اخطأت الحكومة الهندية بذلك مرتين في المرة الاولى عندما اتهمت باكستان بانها وراء حادث القطار، وهو اتهام متعجل يمكن ان يندرج في اطار الحملة الهندية المتصلة على باكستان، منذ ان انحشرت باكستان في مأزقها الحالي عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر وهي حملة تستغل الهند فيها مختلف الذرائع بالحق وبالباطل للتضييق على باكستان، واما الخطأ الثاني الذي وقعت فيه الحكومة الهندية فهو انشغالها بذلك الاتهام المتجني لفتنة طائفية سيصعب عليها اطفاؤها، واحتواء اثارها لاسيما اذا اتجه المسلمون الى الرد بالمثل على العدوان الهندوسي، وقد المح بعض زعماء المسلمين اخيرا الى انهم ربما نزعوا نحو اتخاذ اسلوب الهجمات الاستشهادية التي اصبحت الاسلوب الدفاعي السائد حاليا ضد اسرائيل، وهو وضع سيجلب الى الحكومة الهندية اشد الحرج. وفي غمرة هذا الغضب الاعمى للهندوس،. وفي ظلال هذا التراخي الامني للحكومة ربما اصبحت الهند مسرحا لصراع ديني خطير يهدد وحدة ذلك البلد الضخم، فالاقلية الاسلامية في الهند وان كانت لاتزيد على 12% من عدد السكان الا انها بتعداد الانفس تزيد على مئة وعشرين مليون نسمة، فهو تعداد ضخم يزيد عن تعداد عدة دول كما ان الوجود الاسلامي في الهند وجود قديم متأصل، ويمثل المسلمون نخبة البلاد من كل النواحي، واقلية بهذه الضخامة وهذه القوة لا يسهل ارهابها او قهرها، وللهند مثال حي في كشمير التي مازالت تثور لمدة نصف قرن، فهل تريد حكومة بهارتيا جاناتا ان تنشر نموذج كشمير في كل ولايات الهند الاخرى؟ ان المتطرفين لا يرجى منهم ان يجيبوا عن مثل ذلك السؤال، فهم في ثورة الغضب الاعمى لا يتبصرون، ولا يعتبرون، ولا ينظرون الى النتائج بعيدة المدى ولا يبالون بأن ينهار السقف عليهم مع الاخرين، ولكن ما بال العقلاء من العلمانيين من قادة البلاد الذي ظلوا يقودونها في ديمقراطية مستقرة منذ الاستقلال وهي الديمقراطية التي غدت مفخرة الهند الوحيدة في المحافل العالمية الا يخشون ان يتبدد ذلك الانموذج المشرف اذا ما تمادى غوغاؤهم في التطرف والارهاب. انقاذ النموذج الاستثنائي ان الهند كانت تمثل في هذا المجال الاستثناء الذي يؤيد القاعدة، حيث يفترض علماء السياسة انعدام الفرص لاستقرار الديمقراطية في بلاد تتكاثر اصولها العرقية والدينية واللغوية، وتتباين اوضاعها الطبقية وترزح في مجملها تحت وطأة الفقر، ولكن الهند بقيادة حكمائها القدامى تخطت كل تلك المصاعب ووطدت لنفسها حكما قويا، لا تهدده الاضطرابات ولا الحروب الاهلية، ولا الثورات، ولا الانقلابات العسكرية، وذلك الى ان امتطى صهوة الحكم غلاة اليمين الديني الهندوسي الذين لم يروا من مشاكل الهند الكثيرة الا مشكلتين مشكلة وجود باكستان بازائها، ومشكلة الاقلية الاسلامية الكبيرة في داخلها ولمواجهة باكستان سارعت حكومة بهارتيا جاناتا باجراء تجاربها النووية، ولتخويف المسلمين سمحت لزعانف التطرف بتحطيم المساجد وتحطيم ممتلكات المسلمين وحرقم احياء، ان تاريخ التطرف الهندوسي قديم متجدد، وليست هذه اخطر موجاته فقد سبق للهندوس ان ابادوا اكثر من مليون مسلم، عندما انفصلت باكستان عن الهند، وقتلوا اعدادا مهولة اخرى في حقب متلاحقة، ولكن ما يثير القلق حاليا ان قواعد التطرف اصبحت مسنودة بشكل غير مباشر من السلطة، وان السلطة تحاول ان تستغل الفتنة الطائفية لتغذية شعبيتها حيث خسر الحزب في الانتخابات الاقليمية التي جرت في معظم الولايات ولم يفز باكثر من حكم اربع ولايات مقابل اربعة عشر لحزب المؤتمر، ويحاول حزب بهارتيا جاناتا بأي وسيلة الا يخسر الحكم في قاعدته الكبرى في ولاية البنجاب التي تقلص عدد مقاعده فيها من 174 مقعدا في انتخابات 1996 الى 88 مقعدا فقط الان ولا يستطيع عاقل ان يقبل منطق الحزب الهندي الحاكم وذرائعه للبقاء في الحكم وانعاش شعبيته، ان اضعاف حاكمية السلطة، واعطاء القوة للمتمردين لا يمكن ان يضمن بقاء الحكم في السلطة، بل يؤدي بشكل مضمون الى هيمنة الارهاب على القطر، وتلك شهادة اخرى فاه بها مراقبان سياسيان نزيهان هما سواحي اغنفيش وفالسون شامبو اللذان كتبا مقالا مشتركا بصحيفة َف ان ولاية «كجرات» بدت وكأنها لا تملك حكومة بالرغم من ان لها رئيس وزراء ومجلس وزراء وبيروقراطية، وقوة شرطة، وقد عطل كل هؤلاء فاعليتهم لصالح المتطرفين، وبذلك حق لكل من يريد ان يقول ان موجة العنف التي تجتاح الهند حاليا هي موجة عنف مدبر ومحسوب. كان على حكومة الهند ان تحافظ على الوئام القومي اكثر مما تحافظ على مصالح وعصبيات طائفة بعينها حتى ولو كانت الطائفة الغالبة اكثر مما تحافظ على بقائها في الحكم، وكان عليها ان تحافظ على هيبة القانون والقضاء الذي أصدر قراره بعدم تشييد المعبد الهندوسي على أنقاض المسجد البابري، ولكن السلطات أرخت العنان لمتطرفي الهندوس ليتخطوا حكم المحكمة وليعتدوا على حرمة القانون، وليفعلوا بمسجد المسلمين ما يريدون وقد كان ذلك منبع العنف الذي جرى او استشرى ولا يدري أحد كم يحصد من أرواح المسلمين قبل ان يتوقف. ستخسر الهند بأجمعها كثيراً من نواح شتى فوق ما خسرت حتى الآن، واخطر ما ستخسر فلسفة نظامها السياسي القائم على العلمانية المحايدة، التي لم تنشأ لحرب الدين، كما نشأت علمانية أتاتورك وإنما لتوافق أصحاب الأديان، وإذا ما خسرت الهند تلك الفلسفة المتسامحة فستخسر ديمقراطيتها الفريدة التي لا تمنع الجماعات الدينية من العمل السياسي، ولكنها ترفض اعطاء أفضلية لأي دين أو ممارسة تميز، واضطهاد ضد أين دين، وفي ذلك النمط الديمقراطي وحده يكمن مفتاح الحل لمشاكل العمل السياسي في الهند فهل ياترى ستكون كوارث الاضطهاد الديني الحالي سبباً لمراجعة الوسط السياسي الهندي لمسلماته جيدا، ومحاسبة حزب بهارتيا جاناتا جيداً، أم ستكون فاتحة لاندلاع امواج العنف والفوضى التي ستقوض النظام السياسي برمته؟ ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة