الملف السياسي:اعاد مقتل حوالي ألف مسلم وهندوسي من الفقراء في ولاية جوجارات إلى الواجهة التهديد الذي يواجهه أمن الهند واستقرارها. كما أنها تضع أمام الحكومة ضرورة اتخاذ قرارات جادة للتعامل مع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للبلد. حاولت كل من حكومة ولاية جوجارات والحكومة المركزية التظاهر بالمفاجأة وحاولت إلقاء اللائمة على قلة المعلومات المخابراتية. ووعد رئيس الوزراء أتال بيهاري فاجبايي «بقمع العنف» بينما أعلنت منظمة «فيشوا هيندو باريشاد» وهي منظمة هندوسية عالمية متطرفة معادية للإسلام انها ستمضي قدما في محاولة بناء «معبد رام» في أيوديا في ولاية اوتار براديش في الخامس عشر من مارس فوق موقع مسجد بابري. هذه الخطة قد تقود إلى موجة مريعة جديدة من العنف في الولاية التي يقطنها 30 مليون مسلم وسط 120 مليون هندوسي. بالرغم من أن المواجهات لم تنتشر إلى ولايات أخرى، إلا أنه بات واضحا أن حكومة ولاية جوجارات التي يقودها حزب بهارتيا جاناتا الهندوسي الحاكم ولا الحكومة المركزية تقوم بأي شيء أكثر من ترك الأمور «للقدر». ولم يتم اعتقال إلا عدد قليل من المشتبه بهم. أما وزير الداخلية أدواني الذي لعبت تصرفاته المتهورة في عام 1991 دورا ما في تحول النزاع حول المسجد إلى اضطرابات شاملة بين المسلمين والهندوس، فقد اتهم المخابرات الباكستانية بلعب دور في حرق القطار الذي أقل المتعصبين الهندوس. أما الوزير الأول لولاية جوجارات الهندوسي المتعصب ناريندرا مودي فإنه لا يزال يتظاهر بأنه قد تفاجأ بالأحداث. السؤال الذي على وزارة الداخلية والحكومة الإجابة عنه هو لماذا لم يتم توفير الحماية لقطار ملئ بالهندوس المتطرفين ينادون بشعارات معادية للمسلمين أو منعهم مع العلم أن الجميع يعرف مدى حساسية مثل هذه التحركات لدى المسلمين؟ ألعاب سياسية خطرة إن حزب بهارتيا جاناتا الحاكم اليوم حزب ضعيف في جوجارات كما هي الحال في ولايات أخرى مقارنة بعام 1999. يعتقد بعض المراقبين أن بعض السياسيين في ذلك الحزب يرون أن إشعال نار الفتنة بين الهندوس والمسلمين هي وسيلة مناسبة للحصول على دعم الهندوس المتخلفين اجتماعيا واقتصاديا. هذه الطريقة قد تم استخدامها مرارا وتكرارا من قبل أحزاب أخرى ومنها حزب التجمع في المعادلات الانتخابية وكسب الأصوات. الطريقة هي بث الرعب وحالة عدم الإحساس بالأمان بين المجتمعات الفقيرة جدا من الهندوس والمسلمين من أجل الحصول على دعمهم السياسي في الانتخابات. فإذا وضعنا جانبا الشعور بالعار والتعاطف والمؤامرات، فإنه يبدو أن الوقت قد آن لكي تواجه الهند الحقائق والمشاكل الحقيقية بشكل كامل. إن الواقع الذي أدى إلى هذه المصادمات والتي سبقتها وربما الذي سيشجع على العديد من المصادمات في المستقبل هو الفقر المدقع الذي لا يفرق بين طائفة دينية أو دين أو عرق ضمن قطاع كبير من الشعب الهندي. كما أن هنالك نسبة عالية من الأمية خاصة بين المسلمين والجماعات القبلية، ونمو بطئ جدا في نسبة فرص العمل الجديدة ونمو الفارق الاقتصادي بين الأغنياء والفقراء، واستمرار توطيد نظام سياسي يتغذى على الفقراء والمحرومين من كافة الأديان. لقد طالب العديد من أبناء الشعب الهندي عبر السنين بضرورة إجراء تحسينات في تلك المناطق. ويبدو من الواضح أن جميع الحكومات السابقة فشلت في تحقيق ذلك وأن حكومة حزب بهارتيا جاناتا بدورها فشلت فشلا ذريعا. ما هو الحل؟ في حين أن الإجابة عن سؤال كيفية إيقاف هذه المصادمات ليست صعبة، إلا ان الأصعب بالنسبة للشعب الهندي هو كيفية حث القيادات السياسية على التحرك. إن حزب التجمع الذي تحول إلى شبح سياسي مقارنة بما كان عليه أيام مهاتما غاندي وجواهر لال نهرو هو ربما أهم أسباب هذا الوضع. فهذا الحزب قد شكل تحالفا قويا من الطبقة المتخلفة من الهندوس والمسلمين والطبقة العليا من الهندوس (المخططين الفعليين لسياسة الحزب) وتمكن من المحافظة على الطبقة المسلمة الفقيرة جدا والتي تعاني من الأمية في كنفه وقام متعمدا بتحريك المواجهات في الأقاليم الشمالية بين الحين والآخر. وقد تمكن حزب التجمع من المحافظة على ولاء المسلمين عن طريق بث الخوف بينهم من «بروز القوة السياسية الهندوسية». فلا ننسى أنه في ظل حكم حزب التجمع عام 1992 تم هدم مسجد بابري على يد الغوغاء الهندوس المتعصبين. ولكن لم يستفد حزب التجمع من هذا التكتيك كثيرا إذ بدأ نبع الأصوات الانتخابية الإسلامية يجف بتحول المسلمين خاصة في ولاية اوتار براديش. وفي الانتخابات الأخيرة في فبراير أعطى غالبية المسلمين الذين يبلغ عددهم 25 إلى 30 مليوناً أصواتهم لحزب ساماجوادي. بينما ابتعد الناخبون الهندوس الفقراء عن التجمع ليشكلوا حزب باهوجان ساماج الذي ينافس حزب بهارتيا جاناتا الهندوسي في تلك الولاية. من جانب آخر فإن حزب بهارتيا جاناتا الذي ناصب المسلمين العداء وحاول الاستفادة من ذلك لكسب أصوات الهندوس، قد بنى قاعدته السياسية على أساس التفوق الهندوسي على المسلمين بدلا من دعم وتثبيت حكومة وطنية «علمانية». فقد شددت حملة الحزب الانتخابية على بناء هند قوية اعتمادا على أولئك الذين تجري في عروقهم دماء «الوعي الهندوسي». هذه هي النافذة التي دخل من خلالها عتاة المتعصبين الهندوس ليجدوا لأنفسهم موضع قدم في الحزب. لكن حتى حملة «الوعي الهندوسي» فقدت بريقها ولم تفعل حكومة فاجبايي الكثير لتحسين الظروف المعيشية للفقراء. وتلقى الحزب رسالة واضحة جدا على سياسته في انتخابات مجالس الولايات الأخيرة في فبراير. ولربما يعتقد بعض قادة الحزب أنه يمكن استعادة جزء من القوة السياسية المفقودة من أصوات الهندوس الفقراء. فهم يعتقدون أن الاضطرابات والمواجهات الدموية تؤدي إلى استقطاب الشعب وتحويل الولاء السياسي للناخبين. فهل كانت اضطرابات ولاية جوجارات نتيجة لبعض الحسابات الواعية؟ إجراءات عاجلة ينبغي أن ينصب اهتمام رئيس الوزراء فاجبايي على مصلحة الهند ككل وليس حزبه فقط. فاضطرابات جوجارات وقضية المعبد دفعته إلى زاوية لا يمكنه التخلص منها إلا بالمواجهة المباشرة. بداية يجب القول أن الحملة المناهضة للإسلام التي تشنها أجنحة في حزب فاجبايي مسألة محفوفة بالمخاطر. فهنالك أصوات عديدة تنادي بالعداء للإسلام لدى أصدقاء الهند الجدد مثل الولايات المتحدة وإسرائيل الذين يريدون حربا ضد الإسلام والأمم المسلمة. إسرائيل هي الداعي الأول لمثل هذه السياسة. وقد طورت الهند علاقات عسكرية وثيقة مع إسرائيل وهذا ما مكن إسرائيل من الحصول على نفوذ كبير داخل حزب بهارتيا جاناتا. هذا قد يكون أحد الأسباب لتصرف منظمة «فيشوا هيندو باريشاد» بهذا الشكل اللامبالي والعنجهي داخل حزب بهارتيا. فوفقا لتقارير صدرت مؤخرا وتذكر أنه بالرغم من معارضة رئيس الوزراء فاجبايي لفكرة بناء معبد رام وحصوله على تأييد ضمني بذلك من راشتريا سواياماسيفاك سينغ المنظر الروحي لحزب بهارتيا جاناتا، إلا أن منظمة باريشاد قد عقدت العزم على المضي في بناء المعبد في الخامس عشر من مارس. فإذا لم يتم إيقاف هذه الخطة فإن مصادمات أكبر وأعنف ستندلع بكل تأكيد في ولاية اوتار براديش الكثيفة بالسكان. ثانيا، على القيادة المسلمة أن تحسب للوضع بشكل سليم. فالقيادة المسلمة عليها أن تدين حادث حرق القطار، بل وأيضا أن تحاول بشكل فاعل المساعدة على تقديم المتورطين للعدالة. فولاية جوجارات تحاذي الحدود مع باكستان والحدود الهندية الباكستانية على أشد حالات الإنذار منذ الهجوم الإرهابي الفاشل على البرلمان الهندي في ديسمبر. كما أن نيودلهي قد قدمت أدلة تشير إلى تورط جماعات باكستانية في الهجوم. هذه الأمور قد تفتح الباب على مصراعيه لمواجهة حقيقية بين المسلمين والهندوس على خلفية المعبد وأيضا الصراع بين الهند وباكستان مما لا يحمد عقباه. ـ كاتب ومحلل سياسي من الهند ترجمة: حسين النديم