جميع المؤشرات الصادرة عن واشنطن لجهة الشرق الاوسط حصرا توميء الى ان ضرب العراق بات حتمية امريكية. المسألة لم تعد اكثر من اقتناص التوقيت الملائم لتحقيق هذه الغاية. جولة تشيني لاتستهدف ـ كما يقال ـ استكشاف الموقف العربي او استمالته لجهة الضربة العسكرية وانما لتوضيح الموقف الامريكي العازم على ضرب العراق. ثمة قناعة امريكية قديمة باقتلاع النظام العراقي بكل جذوره. خطيئة جورج بوش الاب انه راهن في اعقاب «عاصفة الصحراء» على انتفاضة شعبية تزيل النظام فلم يغامر بمواصلة الزحف العسكري الى بغداد كما كان تشوارزكوف يريد. رهان بيل كلينتون على تجييش المعارضة العراقية لم يكن بافضل من سابقه. ادارة جورج بوش الابن وجدت في الدعم الدولي الواسع لحربها ضد الارهاب اغراء لفتح جبهة العراق. من الواضح ان القيادة العراقية ادركت هذا التصميم الامريكي. لبغداد جسور لا تزال ثابتة مع عواصم ذات ارتباطات مشتركة مع واشنطن. من المؤكد ان الادارة الامريكية سربت شيئا من هذا التصميم الى تلك العواصم بغية تمريره الى بغداد. مما يعزز هذه الفرضية تصلب العراق ازاء قبول عودة المفتشين. فالقيادة العراقية تدرك ان الضربة الامريكية آتية لا ريب فيها ومن ثم فان مسألة المفتشين ليست سوى ذريعة يفضي قبولها مثل رفضها الى الحرب. فحتى اذا عاد المفتشون ستعمد امريكا الى اتخاذها جسرا للضربة العسكرية. من هنا نستوعب محاولات النظام العراقي لانتزاع ضمانات او المراوحة بين الرفض والقبول في سبيل تأجيل الضربة وليس منعها. توقيت الضربة الامريكية للعراق بات مرتبطا بجبهتين اولاهما افغانستان والثانية فلسطين. فمن المؤكد ان امريكا لن تغامر لفتح جبهتين في وقت واحد ومن ثم فانها تود حسم حرب الاستنزاف التي بدأتها عناصر القاعدة وطالبان في افغانستان. كما ان امريكا لن تغامر الى فتح جبهتين متزامنتين في الوطن العربي ومن ثم فانها اوفدت زيني من اجل اطفاء الحريق الاسرائيلي الذي لم ينجح في التهام الفلسطينيين. قرار مجلس الامن الاخير الخاص بالرغبة في «رؤية الدولتين» محاولة امريكية في جهود اخماد الحريق. أزمة امريكا على هذه الجبهة تتمثل في محنة شارون الذي اصبح مثل ماكبث فهو خاسر اذا تقدم او حين يتراجع ولهذا يندفع كالثور الهائج تنجح امريكا في كبحه قليلا ولكنه يستعصى على الترويض. هناك معركة حقيقية بينه وبين الادارة الامريكية حاليا . من هذا المنظور يبدو واضحا ان الهدوء على جبهتي افغانستان وفلسطين سيكون بوصلة التوقيت للضربة الامريكية المعلقة فوق العراق. هل تستطيع القيادة العراقية المساهمة في استمرار حرب الاستنزاف في افغانستان او ابقاء الانتفاضة مشتعلة بحيث يظل شارون في حالة هياجه؟ ذلك سؤال عراقي مفصلي في هذه المرحلة. عمر العمر