بيان الاربعاء:تلف المخيمات الفلسطينية في لبنان حالة حصار من نوع جديد عنوانها حرب تصفيات مرتقبة بعد تفجيرات سبتمبر الماضي في نيويورك وواشنطن بين الاصوليين الفلسطينيين انفسهم، مدعومين باصوليين لبنانيين لصالح هذا الفريق، او ذاك، وبينهم وبين الفصائل الفلسطينية في مواجهات أقل ما توصف به بأنها ستكون تصفية حسابات واعمال ثأرية وانتقامية. لماذا؟ وكيف قفز اسم عصبة «الانصار» إلى واجهة اللوائح الإرهابية الدولية، حسب ما سبق ان عممته الادارة الأمريكية؟ ومن هو عبدالكريم السعدي «ابو محجن» الذي ورد اسمه في احدى هذه اللوائح؟ ولد هذا الاخير في مخيم عين الحلوة عام 1967 ضمن اسرة «أكثر من متواضعة» نزحت من بلدتها طيطبا في فلسطين المحتلة عام 1948، و«ابو محجن» هو اللقب الذي عرف به السعدي الذي كان والده قوياً، وشديد البأس، وتوفي عام 1999 عن عمر يناهز 103 سنوات، وله 13 صبيا وبنتا واحدة. انتسب في مطلع شبابه الى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» ثم إلى حركة «فتح». وشارك في عمليات مقاومة ضد القوات الإسرائيلية، خاصة اثناء اجتياحها لمعظم الأراضي اللبنانية عام 1987 وقد كان «شبلا» مسلحاً لا يتخلى عن حمل سلاحه الفردي. وبرزت داخل المخيمات، خاصة في عين الحلوة، خلال السنوات التي اعقبت الاجتياح بالذات، ظاهرة تشتت جيل الشباب وضياعهم في بعض المفاسد، من ناحية وبروز اعداد من الغرباء عن المخيم تبين ان معظمهم من المتعاملين مع إسرائيل، فجرت تصفيتهم أو هروبهم، وارتفعت في مقابل ذلك الاخلاقيات التقليدية للعائلات الفلسطينية، وبوتيرة تشددت في محافظتها وايمانها. وشكلت تلك العوامل ارضية خصبة لنهوض التيارات الدينية خاصة «جماعة التوحيد الاسلامي» التي نشطت جنوباً وفي بعض المناطق بعد صداماتها المسلحة بالقوات السورية في منطقة الشمال. ونما ذلك في محيط لبناني شهد بدوره بروز حركات سياسية ـ دينية، فكان تحالف «حزب الله» مع القوى الفلسطينية، وبخاصة الاسلامية منها مثار تخوف من حركة «امل»، وقد اسس هذا لما حصل لاحقاً وعرف باسم «حرب المخيمات» التي ما لبثت ان افرزت صراعات حادة بين القوى السياسية الاسلامية في محاولة من كل منها للاستئثار بالقرار، أو الحضور الاقوى كحد أدنى داخل الشارع الفلسطيني. وشجع ذلك على قيام جمعيات خيرية اسلامية عدة كانت ابرزها: جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية» «الاحباش» التي نجحت في استقطاب معظم كوادر حركة «التوحيد الاسلامي» وقواعدها. فبرز من ضمن ذلك، في مطلع العام 1985، الشيخ هشام شريدي الذي جاء من المانيا الغربية إلى عين الحلوة، بعد ان كان كثيرون في المخيم يعتقدون ان القوات الإسرائيلية اعتقلته اثناء الاجتياح، وعندما كانوا يستوضحونه عن اسباب تغيبه عن لبنان، يجيب بأنه قضى وقته في تعلم الفقه والدين على يد شيخ علامة من «الاخوان المسلمين السوريين» الذي يعيش في منفاه في المانيا الغربية. الشريدي وأبو محجن كانت الاطلالة الأولى لشريدي مميزة، فبعد يومين من وصوله إلى المخيم، ذهب للصلاة يوم الجمعة وهو بعباءة مذهبة وسيف ذهبي وكان اول الواقفين إلى جانبه «ابو محجن» وقد بدأ يتجول منذ ذلك الوقت وحوله حشد من رجال الدين، إلى ان بات يعرف بلقب «الشيخ ابو عبدالله» الذي كان لا يتوانى عن اشهار سلاحه ورمي أي شخص يراه خارجاً عن الشرع على مرأى من الجميع. ثم انشأ جماعات مسلحة، على رأس احداها «ابو محجن»، وقد قامت بعمليات متواصلة لتفجير محلات، بيع الخمور وتعاطي المخدرات، واماكن الخلاعة المأجورة، وكانت كل هذه الاعمال منتشرة بحدة في المخيم في حينه، ويشكو منها الجميع، فيما بدت الفصائل الفلسطينية عاجزة عن التصدي لها، مكتفية بتوجيه النصائح العامة والتحذير من العواقب الوخيمة. لذا اكتسب شريدي شعبية واسعة، ومعه ساعده الايمن المنفذ «ابو محجن» ولم يرق الأمر للفصائل فقرر بعضها التخلص من شريدي، ويقال ان جهاز الأمن التابع لحركة «فتح» بقيادة امين كايد هو الذي اغتاله وسط احد شوارع عين الحلوة في ديسمبر من العام 1991. انتقلت عباءة شريدي وسيفه المذهبان إلى «ابو محجن» الذي ادرك منذ اللحظة الأولى ان مهمته التي لا تحتمل أي تأجيل أو تأويل، هي الثأر «للشيخ» من امين كايد، وآل كايد عموماً، وبالفعل جرى حرق منازلهم مما دفعهم إلى النزوح والاقامة في مخيم الرشيدية. مصير ابو محجن وادى هذا عملياً إلى وقف التمويل الاساسي عن «العصبة» التي انشأها شريدي، وبات يتزعمها «ابو محجن» وهو كان يأتيها من حركة «فتح»، وقد اضعف ذلك «العصبة» وظلت تتراجع وتتراخى باستمرار إلى ان بدت مختفية تماماً عن ساحة المخيم. الأمر الذي دفع بالتنظيمات الاسلامية الصغيرة إلى النمو والانتشار اكثر فأكثر، خاصة وان المساعدات المالية العربية قد اغدقت عليها لصرفها في «اعمال الخير»، وهي التي كانت تتلقاها «العصبة» في عز قوتها ومن قبلها «منظمة التحرير «الفلسطينية» والفصائل عندما كانت بدورها المرجع الاقوى والاوحد في عين الحلوة وسائر المخيمات في لبنان». وفي غضون ذلك، وفيما حافظت التنظيمات الاسلامية على دور مصادرة القوة والنفوذ من الفصائل بدأت بعض مظاهر التصفيات فيما بينها، فحصلت حادثة اغتيال لرئيس «جمعية المشاريع الاسلامية» ـ «الاحباش» ـ الشيخ نزار الحلبي في 31 أغسطس عام 1995، لا ليعود اسم «ابو محجن» إلى البروز داخل المخيم فحسب، بل أيضاً في خارجه للمرة الأولى. لكن قضية اغتيال «الحلبي» مازالت غامضة الملابسات وادوات التقرير والتنفيذ فيها، خاصة وان «عصبة الانصار» ـ ابو محجن ـ لم تصدر ما يجعلها تتبنى الأمر. وفيما لا احد يعرف سر اختفاء ابو محجن منذ ان شوهد للمرة الاخيرة متجهاً إلى المسجد في اليوم نفسه الذي اغتيل فيه الشيخ الحلبي في بيروت ولغاية الآن، الا ان ثمة قضايا كثيرة مطروحة بغموض هي الاخرى، ومنها التصاق اسم «عصبة الانصار» بأية جريمة ترتكب أو عمل مخل بالأمن يحصل، حيث الاصابع الاتهامية تتجه اليها من دون اسناد في اغتيال القضاة اللبنانيين الأربعة في جلسة احدى المحاكم في مدينة صيدا، وصدور فتوى «شرعية ـ مجهولة المصدر عملياً ـ حللت هدر دماء الرئيس السابق للجمهورية الياس الهراوي الذي جرت في عهده عدة محاكمات لانصار «العصبة» في قضية اغتيال الحلبي. لكن ثمة اموراً واضحة وبجلاء وابرزها، اختفاء ابو محجن، حالة الفقر والعوز التي تعيشها عائلته في عين الحلوة، وهي التي تعيش مع أسر اخرى على ما يحصله شقيق ابو محجن من العربة الجوالة التي يبيع عليها الخضار يومياً في الشوارع والأزقة، والذي غالباً ما يعود إلى المنزل مساء من دون ان يكون قد باع ما يمكنه من شراء رغيف خبز واحد. وشر البلية الذي يضحك ويبكي في آن واحد، هو ان الإدارة الأمريكية صنفت ابو محجن من الإرهابيين الدوليين، غير مستبعدة تورطه بتفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. وأكثر من ذلك، اتخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش قراراً بمصادرة اموال «ابو محجن»، ولا بأس ان كانت غلة عربة الخضار التي كان يوماً قد اشتراها لشقيقه ليؤمن لقمة عيش عياله منها! انقسام «الانصار» لكن بعد تلك التفجيرات، وما حصل ويحصل في افغانستان، عادت «عصبة الانصار» إلى الاضواء مجدداً على الساحة اللبنانية. فقد تلقت سلطاتها الامنية برقيات من الانتربول الدولي كشفت معلومات ان بعض المطلوبين في حوادث لا علاقة لها بالهجمات تلك كانوا من عداد «الانصار» وانشقوا عنها، وبينهم وسام طحيبش. وافادت المعلومات ان هذه العصابة باتت اربع مجموعات، وبحسب النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم، فان المجموعة الاولى برئاسة هيثم عبدالكريم السعدي الملقب بـ «ابو طارق»، وهو شقيق «ابو محجن» والمجموعة الثانية متمثلة بالفلسطيني عماد ياسين ياسين، وتضم مطلوبين بجرائم قتل واعمال إرهابية، ووصفتهم تلك المعلومات بأنهم «خطيرون جداً». خلافات الأمراء أما المجموعة الثالثة «جماعة النور» فهي برئاسة عبدالله الشريدي، وتضم 45 شخصاً، بينهم مطلوبون في اعمال تفجير وقتل، وفي عدادهم وسام طحيبش، وثمة مجموعة رابعة بامرة المسئول العسكري في العصبة «ابو عبيدة». وتفيد معلومات ان هذه المجموعة تتعامل مع مجموعة «ابو طارق» ومقرها في مخيم الطواريء في محلة التعمير التحتا داخل عين الحلوة. وعبدالله الشريدي «عمره 24 عاماً» هو نجل الراحل الشيخ هشام الشريدي «مؤسس «عصبة الانصار». وقد برز اسمه في المخيم بعد اغتيال الضابط في «فتح» امين كايد «المتهم باغتيال الشريدي كما اشرنا». وتدور خلافات حادة في المرحلة الراهنة بين عبدالله وامراء «العصبة» خاصة هيثم عبدالكريم السعدي «ابو طارق» و«ابو عبيدة»، ولا تربط هؤلاء أي علاقة بـ «جماعة النور». ويعتقد عبدالله انه احق بوراثة قيادة العصبة، لأن والده هو الذي اسسها، وتتعمق خلافاته مع قادتها لانهم يرفضون اطلاق اسم والده هشام على «جامع الشهداء» في حي الصفصاف. فيما يعمل امام هذا المسجد الشيخ يوسف طحيبش مدرساً في احدى مدارس وكالة غوث اللاجئين «الاونروا»، ولاتربطه علاقة بأي تنظيم. ويجري داخل المخيم تداول معلومات تقول ان عبدالله يتلقى اموالاً من احد اقربائه من آل الشريدي، والأخير على علاقة بـ «المجلس الثوري الفلسطيني»، وكان يقطن في ليبيا ثم انتقل إلى المانيا. وتخشى حركة «فتح»، والفصائل الفلسطينية الأخرى، فضلاً عن «العصبة»، ان يكون «المجلس الثوري» وراء «جماعة النور» بغية تصفية حسابات ثأرية في مخيم عين الحلوة، وخصوصاً مع «فتح»، وانصار رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. وكان لافتاً على هذا المستوى تحرك قام به ممثل «فتح» وعرفات في لبنان العميد سلطان ابو العينين، الذي بادر إلى الانتقال من مقره في مخيم الرشيدية إلى عين الحلوة ليقدم العزاء بوالد عبدالكريم السعدي «ابو محجن» المختفي وشقيقه هيثم «ابو طارق». ولم ينفِ احد ان ابو العينين اعاد تمويل «فتح» لجماعة هذا الاخير، ولو «من تحت الطاولة» ولكل مال مدفوع ثمنه عاجلاً ام آجلاً في الحسابات السياسية. لكن احداً لم يستطع أيضاً ان يحدد هذا الثمن المطلوب من «ابو طارق». ومدى احتمال ارتباط كل ذلك بمستقبل حرب التصفيات داخل عين الحلوة، وربما في مخيمات أخرى أيضاً. وما يزيد من المخاوف ان «جماعة النور» اشترت خلال الاشهر الأخيرة أسلحة رشاشة، فضلاً عن كميات من المسدسات والذخائر، وجرى توزيعها على منازل اعضائها وكوادرها، الذين توجه اليهم تهمة الاقدام على اطلاق الرصاص قبل حوالي الشهرين على احد امراء «العصبة» وهو «ابو عبيدة» في محلة سيروب إلى الشرق من عين الحلوة، لكنه نجا بأعجوبة، فيما انحصرت مهمة «الكفاح المسلح» الفلسطينيين عقب ذلك بتطويق ذيول محاولة الاغتيال، دون توقيف أي مشتبه بتنفيذها. لكن مهما كانت طريقة «الكفاح» هذه فالمعالجة حكيمة، وتهدف إلى امتصاص أي انحراف نحو الانفصال، وبالتالي الصدام المسلح، فانه في الصعب الرهان كثيراً على قدرة أصحاب المساعي الحميدة في النجاح دائماً بتهدئة الخواطر، واصلاح ذات البين بين الفصائل والحركات السياسية والدينية داخل المخيمات في لبنان، من دون اراقة المزيد من الدماء في حرب تصفوية داخلية، يمكن معرفة كيف تبدأ؟ ومن اين؟ ولماذا؟، لكن من رابع المستحيلات معرفة كيف ستنتهي وإلى اين ستؤدي، خاصة في ظل كثرة النافخين في نار توطين الفلسطينيين في لبنان، وحيث هم خارج فلسطين. لكن هل سيتمكن الاصوليون في المخيمات من التقاط خطورة المرحلة وما يخطط لها، ولايكون رأس الحربة في تصفية الذات والقضية وحلم العودة وقيام الدولة المستقلة في فلسطين