بيان الاربعاء: لم تكن الخطوة الاخيرة التي حولت البحرين إلى مملكة، وليدة احداث طارئة أو سياسة طارئة، بل جاءت كنتيجة لتطور الديمقراطية في البحرين. وفي هذا الاطار ينبغي قبل مناقشة مستقبل هذه الديمقراطية في البحرين المرور بتطور هذه الديمقراطية تاريخيا والتعديلات الدستورية الجديدة التي مهدت لهذا التحول، مثلما ينبغي قياس ردود الفعل المختلفة ازاء التعديلات. في البداية ينظر إلى البحرين التي تبلغ مساحتها 620 كيلو مترا مربعا فقط، على انها من أصغر دول العالم مساحة لكنها في الوقت نفسه ذات كثافة سكانية عالية حيث تعد واحدة من أعلى الكثافات في العالم العربي.. إذ يبلغ عدد سكانها ـ وفق أحدث تقدير رسمي ـ 645.361 نسمة بينهم 228.424 من الوافدين. ورغم تلك المساحة الصغيرة فإن البحرين قد خطت خطوات كبيرة على طريق الديمقراطية بل خلقت تاريخا جديدا عندما تم إصدار مجموعة من التعديلات الدستورية التي أصبحت بمقتضاها البحرين مملكة دستورية تقوم سلطتها التشريعية على مجلسين أحدهما منتخب والآخر معين، فضلا عن منح المرأة حق المشاركة السياسية وإنشاء المحكمة الدستورية، وباتت البحرين بذلك وبالتحديد منذ الرابع عشر من فبراير 2002 المملكة الثانية في الخليج بعد المملكة العربية السعودية والمملكة الرابعة بين الدول العربية بعد السعودية والمملكة الأردنية و المملكة المغربية. ولم تنشأ تلك التعديلات من فراغ وإنما جاءت تتويجا لمسيرة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الذي أعلن عند توليه الحكم عن إصراره على إدخال بعض الإصلاحات السياسية وتمثل ذلك في مجموعة من الإجراءات الانفتاحية وإصدار الميثاق الوطني الذي وافق عليه الشعب البحريني بأغلبية كاسحة في فبراير 2001 الذي كان يتضمن تحويل البحرين إلى مملكة دستورية وعودة الحياة البرلمانية ومنح المرأة حق المشاركة السياسية، وبعد ذلك بعام تم إصدار التعديلات الدستورية المشار إليها التي حظيت بترحاب وتأييد القوى الداخلية والخارجية. تاريخيا عرفت البحرين الديمقراطية المباشرة منذ أن تولى آل خليفة مسئولية الحكم.. إذ إن التواصل والتشاور المستمرين بين الحاكم وشعبه، وسياسة الباب المفتوح التي كانت ولا تزال نمطا لأسلوب التفاعل بين الحكومة والشعب البحريني أدت في الواقع العملي إلى أن تكون رغبات الشعب ومصالحه هي الباعث الأساسي لكل سياسات الحكم ويمكن ايجازها بمراحل هي: مرحلة ما قبل الاستقلال شهدت البحرين مجموعة من الحركات المطالبة بالديمقراطية ونشأ أولها في عام1923 بزعامة عبد الوهاب الزياني واستطاعت أن تبلور برنامجا وطنيا لها يقوم على نقطتين أساسيتين هما: المشاركة السياسية من خلال تأسيس مجلس شورى، والتأكيد على السيادة الوطنية بالحد من النفوذ البريطاني في البلاد. ورغم قضاء الإنجليز على تلك الحركة فإن عام 1938 قد شهد بروز حركة إصلاحية أخرى وكانت بقيادة نخبة من المثقفين وطلائع الحركات العمالية الناشئة من قطاع النفط، ورغم أن هذه الحركة لم تمثل في الواقع سوى موجة أخرى من موجات الديمقراطية فإن البحرين ظلت تتطلع إلى المستقبل واستمرت تؤكد مطالبها الوطنية الإصلاحية. وفي عام 1954 تشكلت «هيئة الاتحاد الوطني» التي عرفت شعبيا باسم «حركة الهيئة»، وكانت مطالبها كسابقتيها، ولكنها كانت أكثر شمولا وتقدما، فقد مست كل جوانب الحياة والمجتمع والسياسة، وقد مثلت الهيئة التعبير الوطني للمجتمع البحريني بفئتيه الشيعة والسنة وهو ما كان أحد أهم مصادر قوتها ومصداقيتها، ونظرا لأهمية الحركة قامت السلطات الإنجليزية آنذاك بإلغائها وسجن قادتها ونفيهم. ورغم عدم وجود مجالس نيابية في تلك الفترة فإنه كان هناك أمران مهمان في مسيرة البحرين الديمقراطية في مرحلة ما قبل الاستقلال، الأمر الأول هو أن البحرين قد عرفت نظام البلديات التي يعود تاريخها إلى عام 1919 عندما تأسست بلدية المنامة لتكون أول بلدية في الخليج، وفي عام 1920 تم تشكيل أول مجلس بلدي ضم 16عضوا عينت الحكومة نصفهم وانتخب النصف الآخر من قِبَل المواطنين، وكانت البحرين بذلك ثالث أقدم دولة عربية أجرت انتخابات بلدية بعد مصر وسوريا، إلى جانب ذلك فقد صدر أول قانون بلدي في العام نفسه 1920 وكانت البلدية بموجب هذا القانون تختص بالكثير من الشئون التي تتوزع حاليا على الوزارات المختلفة. الأمر الثاني الذي عرفته البحرين هو تجربة الشورى التي أخذت طريقها من خلال صور عدة أهمها المجالس التي كان يعقدها الحكام مع المواطنين لمناقشة مشاكل البلاد، ونظام المختار هو نظام يقوم على أساس اختيار القبيلة لشخص يكون حلقة الوصل بينها وبين الحكام حيث يقوم بعرض مطالبهم واقتراحاتهم عليهم. مرحلة ما بعد الاستقلال حصلت البحرين على استقلالها في 14 أغسطس عام 1971 وتم تغيير اسم إمارة البحرين إلى دولة البحرين، ولم تمض شهور إلا وصدر الدستور البحريني في 16ديسمبر عام 1971 مشيرا في مقدمته إلى مستقبل الحكم الدستوري القائم على الشورى والعدل والحافل بالمشاركة في مسئوليات الحكم والإدارة، ونصت المادة الأولى منه على أن نظام الحكم في البحرين ديمقراطي. وقد اعتبر بعض المراقبين إصدار الدستور البحريني بمنزلة أساس لنشوء الحركة الديمقراطية، وبموجب هذا الدستور تم إجراء انتخابات المجلس الوطني في ديسمبر1973 الذي كان يتكون من 44 عضوا تم انتخاب ثلاثين عضوا ويعين الأربعة عشر الباقون، غير أن هذا المجلس تم حله في 26 أغسطس 1975. ومع استمرار المطالب الشعبية لاسيما في عام 1995 أقدم الأمير في يونيو عام1996 على زيادة عدد أعضاء مجلس الشورى إلى أربعين عضوا، كما تم زيادة صلاحياته حيث امتدت اختصاصاته من الحق في إبداء الرأي فيما تطلبه الحكومة إلى امتلاك القدرة على ممارسة حق الاقتراح، إلى جانب المبادرة فيما يراه لمصلحة الوطن والمواطن في المجالات الاجتماعية والصحية والثقافية والتعليمية، ويمكن القول بأن المجلس قد أثبت جدارته في المناقشة والدراسة وإبداء الرأي في جميع الموضوعات والمشكلات التي تهم البلاد، وأثبت المجلس كذلك قدرة ملحوظة على مواجهة المستجدات بالمرونة اللازمة، كما ضرب المثل في التعاون بينه وبين الحكومة من أجل صالح البلاد. التحولات الديمقراطية مع تولي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة مسئولية الحكم أعلن مشروعه الإصلاحي التحديثي وبدأ على الفور في تنفيذه، ويرى بعض المحللين أن هذه القيادة الشابة هي السبب المباشر في التطور الديمقراطي، حيث تبدو هذه القيادة مقتنعة كل الاقتناع بالخيار الديموقراطي، وتؤمن بأن الوقت قد حان للانتقال بالبحرين إلى مصاف الملكيات الدستورية والالتزام بحقوق الإنسان خاصة حقه في التصويت والمراقبة والمساءلة والمشاركة في اتخاذ القرارات اليومية والمصيرية. ويضيف آخرون أن ملك البحرين يمتلك قناعة راسخة بضرورة التحولات الديمقراطية في بلده كشرط أساسي لبناء البحرين الحديثة على قاعدة المشاركة الشعبية وأن انفتاح الشيخ حمد على قوى المعارضة جميعا في الداخل والخارج يحمل الكثير من الدلالات أبرزها إدراك ملك البحرين أن الوطن مسئولية جميع أبنائه، إلى جانب ذلك فقد أدركت القيادة السياسية أن مهمة الدولة هي أن تعمل من أجل أن تتمكن الشعوب من تحقيق ذاتها، وأن أحد المهام الأساسية للدولة في هذا السياق هي أن تضمن حرية وكرامة شعوبها، كما أدركت هذه القيادة أن التاريخ المعاصر أكد نجاح النظم الدستورية الضامنة للحقوق والحريات السياسية والمشاركة الديمقراطية. إضافة إلى ذلك كان الشيخ حمد مدركا تماما ـ لأبعاد الظروف الدولية والإقليمية المحيطة ببلاده فالظروف من حيث حالة الاستقرار السياسي والأمني النسبي التي تشهدها منطقة الخليج كانت عاملا ـ ضمن عوامل أخرى ـ في تطوير المسيرة الديمقراطية.. فالمنطقة بدت أكثر أمنا واستقرارا مما كانت عليه في العقدين الماضيين، بل إنه ومنذ انتهاء حرب تحرير الكويت عام 1991 لم تشهد المنطقة اضطرابات وأزمات حادة أو حروبا عنيفة بل كانت الأجواء خلال السنوات العشر الأخيرة مستقرة وآمنة، الأمر الذي أفسح المجال لإعطاء الأولوية للإصلاحات الداخلية وخاصة ملف الإصلاح السياسي. إلى جانب تلك الظروف الإقليمية كانت الظروف الدولية تدفع هي الأخرى نحو الديمقراطية من حيث بروز توجه عالمي مساند للتحول الديمقراطي، فقد أصبحت دول العالم مراقبة وتخضع للمساءلة من قبل منظمات وهيئات عالمية تتابع باهتمام أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلدان المختلفة ولم تعد الدول قادرة على تجاهل تقارير تلك المنظمات حتى لا تتأثر سمعتها ومكانتها، وهذا الضغط الخارجي تضاعف خلال الآونة الأخيرة لاسيما في ظل العولمة التي تدفع بشدة نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد كان الشيخ حمد مدركا أنه لا يستطيع أحد أن يعزل نفسه ووطنه عن رياح التغيير السياسي في العالم وعن الظروف الدولية المحيطة، الأمر الذي يكشف عن وعي تام بحركة التاريخ. وفضلا عن هذه الظروف الدولية والإقليمية كان الشيخ حمد مدركا أيضا للأوضاع الداخلية في البلاد، فالبحرين من أعرق الدول الخليجية في التجربة التعليمية والتجربة الديمقراطية، وفي وجود منظمات جماهيرية لها نضالاتها التاريخية، الأمر الذي جعل المطلب الديمقراطي مطلبا متأصلا في وعي الشعب البحريني الذي دفع ثمنا غاليا في سبيل التمسك بالديمقراطية والحكم الديمقراطي، وفي الوقت ذاته تعتبر البحرين في مؤخرة الدول الخليجية الست من حيث الثروة النفطية وتكاد تكون صادراتها النفطية قد تجمدت منذ سنوات ـ على حد قول بعض المحللين ـ الأمر الذي زاد من خطورة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وجعل التحول الديمقراطي هو الخيار الوحيد لعبور كل هذه الأزمات وتفريغ الشعب البحريني للبناء. التعديلات الدستورية الجديدة كان ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة قد طرح في 14 و15 فبراير2001 ميثاق العمل الوطني الذي سبق الإشارة إلى مضمونه، وعلى ضوء هذا الميثاق جاءت التعديلات الدستورية الجديدة حيث أعلن الملك في 14فبراير 2002 في خطاب له قيام «مملكة البحرين» وعودة الانتخابات البلدية في التاسع من مايو، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أهم التعديلات التي أعلنت فيما يلي: ـ قيام الملكية الدستورية: نص التعديل الدستوري الأول على أن البحرين مملكة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة تامة الأمر الذي يجب معه أن يصبح لقب رئيس الدولة هو «الملك» وأن يخاطب بصاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين. ويرى البعض أن تعديل اسم دولة البحرين إلى مملكة البحرين وتعديل اسم الأمير إلى الملك هو أمر فيه مضمون ديمقراطي، إلى جانب أنه إجراء مقبول وليس هناك من يعترض عليه، والمضمون الديمقراطي لهذا التعديل يتمثل في تكريس فكرة الملكية الدستورية، وتكريس مضمون هذه الفكرة يدفع إلى أن يتم تداول السلطة التنفيذية التي تمثلها الوزارة وتمنع التمييز بين وزارات السيادة وغيرها من الوزارات الأخرى. ويرى آخرون أن التحول للملكية الدستورية ينزع في شكل نهائي كل عوامل التأزم التي تنشط تاريخيّا في فترات متفاوتة من تاريخ البحرين منذ القرنين الماضيين سواء بتأثيرات خارجية أو نتيجة لمصاعب داخلية فالتحول نحو ذلك النظام يضع مسألة الشرعية السياسية ويقننها دستوريا وتاريخيا على نحو نهائي يقضي على أي إمكان لنشاط عوامل التأزم من جديد. إلى جانب ذلك يرى أصحاب هذا الطرح أنه بإنجاز التحول للملكية الدستورية يكون الشعب والحكم قد صنعا القاعدة الأساسية والآليات والقوانين لتطور سياسي مستقبلي شامل، هذه القاعدة وآلياتها لا يمكنها سوى أن توفر القدرة على ممارسة التطور في شكل مستمر ومتواتر ضمن مناخ صحي وعافية سياسية. ـ عودة الحياة البرلمانية: يتعلق التعديل الثاني بالسلطة التشريعية ونص على أن «تتكون من مجلس الشورى والنواب» تحت اسم «المجلس الوطني»، بحيث يتم تعيين أعضاء مجلس الشورى من ذوي الكفاءة والخبرة في حين يتم انتخاب أعضاء مجلس النواب بالاقتراع الحر المباشر، ويبلغ عدد أعضاء كلا المجلسين 40عضوا، وقد حرصت التعديلات على أن يتساوى مجلس الشورى مع مجلس النواب فيما يتصل بالاختصاص التشريعي لكل منهما، غير أن الأخير قد انفرد بالاختصاص الرقابي بوصفه مجلسا مشكلا عن طريق الانتخاب. وقبل الحديث عن نظام المجلسين ومميزاته فإنه من الضروري الإشارة إلى المجالس البلدية التي سيجري انتخابها في مايو المقبل، وقد نص القانون الجديد للبلديات على إنشاء خمسة مجالس بلدية بواقع مجلس واحد لكل محافظة من محافظات البحرين الخمس، وستضم كل محافظة عشر دوائر ويمثل كل دائرة شخص واحد، وهو ما يعني أن عدد أعضاء المجالس البلدية المقبلة في البلاد سيكون 50 عضوا، ويمنح القانون للمجالس البلدية الاستقلالية المالية والإدارية، كما يتيح للمرأة البحرينية المشاركة في الانتخابات بالترشيح والتصويت، ولأول مرة وبمقتضى بنود هذا القانون الجديد سيصبح للمقيمين في البحرين إقامة دائمة الحق في المشاركة في التصويت شريطة أن يمتلك عقارا أو أرضا في المدن أو القرى البحرينية. وقد أصدر ملك البحرين في الرابع عشر من فبراير الماضي مرسوما بشأن نظام انتخابات أعضاء المجالس البلدية نص على أنه يتمتع بحق انتخاب أعضاء المجالس البلدية المواطنون البحرينيون رجالا ونساء البالغون من العمر 21 عاما، وأن يكون كامل الأهلية ومقيمّا إقامة عادية في الدائرة الانتخابية طبقا لما هو ثابت في بطاقته السكنية، وذلك إلى جانب مواطني دول مجلس التعاون الخليجي والأجانب المقيمين إقامة دائمة، كما جاء في المرسوم أن على كل ناخب أن يباشر حقه الانتخابي بنفسه في الدائرة الانتخابية التابع لها. وعودة إلى السلطة التشريعية بمجلسيها المنتخب والمعين (النواب والشورى) فقد أجمعت آراء المراقبين على جدوى ذلك النظام لاسيما وأن الكثير من الديمقراطيات العريقة تأخذ به، حيث تضم برلماناتها مجلسين أحدهما يمثل الاتجاهات والأفكار ووجهات النظر المختلفة والمتنوعة بين أفراد الشعب، والآخر يعمل كمجلس للمختصين وأهل الخبرة، وقد أثبتت التجارب في هذه الدول فائدة هذا التشكيل الثنائي للمجلس التشريعي ومن ثم رسوخه نظرا لعائده السياسي الجيد. و يمكن القول بأن تكوين السلطة التشريعية من مجلسين ـ أحدهما منتخب والآخر معين ـ قد جاء من أجل مزيد من المشاركة الشعبية في الشئون العامة، واستلهاما لمبدأ الشورى بصفته أحد المبادئ الإسلامية الأصيلة التي يقوم عليها نظام الحكم في مملكة البحرين وإيمانا بحق الشعب وبواجبه في مباشرة حقوقه السياسية الدستورية. ـ منح المرأة حق المشاركة السياسية: يتعلق التعديل الثالث بمشاركة المرأة في الحياة السياسية من خلال منحها حق الترشيح لعضوية المجالس النيابية، حيث نص التعديل على أن «للمواطنين رجالا ونساء حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق الانتخاب والترشيح» وتكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية». ولاشك أن منح حق المشاركة السياسية للمرأة قد جاء تتويجا لجهود دعم مكانة المرأة في المجتمع البحريني التي كان أبرزها إنشاء المجلس الأعلى للمرأة الذي ترأسه حرم الشيخ حمد، الأمر الذي يعكس اهتمام القيادة ورغبتها في دمج المرأة في العملية والبرامج التنموية للبلاد. ولعل ذلك التعديل يكشف عن وعي كامل وإيمان تام بدور المرأة في الحياة البحرينية، كما يكشف عن إدراك لتطور مكانة المرأة في المجتمع الدولي حيث أصبحت عضوا فاعلا وعنصرا مكملا له دوره الأساسي في عملية التنمية. ـ إنشاء المحكمة الدستورية العليا وتحقيق الاستقلال الكامل لديوان الرقابة المالية: نصت التعديلات الدستورية على إنشاء المحكمة الدستورية العليا وتتكون من رئيس وستة أعضاء يعينون بأمر ملكي، وهم غير قابلين للعزل، وتختص المحكمة بمراقبة دستورية القوانين واللوائح، وقد كفل القانون حق كل من الحكومة ومجلس الشورى ومجلس النواب وذوي الشأن من الأفراد وغيرهم في الطعن لدى المحكمة في دستورية القوانين واللوائح، ويكون للحكم الصادر بعدم دستورية نص قانون أو لائحة أثر مباشر، إلى جانب ذلك فإنه للملك أن يحيل إلى المحكمة ما يراه من مشروعات القوانين قبل إصدارها لتقرير مدى مطابقتها للدستور ويعتبر التقرير ملزما لجميع سلطات الدولة. ردود الأفعال حظيت التعديلات الدستورية بردود أفعال واسعة على المستوى الداخلي لاسيما بين جموع الشعب البحريني أو المعارضة وقد اتسمت ردود أفعال القوى السياسية الداخلية في المجتمع البحريني بالترحيب بالتعديلات والإعلان عن دعمها وإن كانت قوى المعارضة قد أبدت تحفظا على بعض النقاط وهو ما سنشير إليه بالتفصيل. فعلى مستوى الشارع البحريني والمواطن البحريني العادي خرجت مسيرات للمواطنين في شوارع البلاد تأييدا للخطوات الإصلاحية، كما أشاد خطباء المساجد بالتعديلات الدستورية وخطوات إرساء الديمقراطية واستكمال المؤسسات الدستورية وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، وفي هذا الاتجاه عبرت بعض الشخصيات البرلمانية والسياسية عن تأييدها للتعديلات، ففي ندوة بعنوان «آفاق التحول الديمقراطي في البحرين» وصف البعض استجابة مملكة البحرين لمتطلبات الديمقراطية بأنها «عقلانية» وأنها جاءت لاتجاهات عالمية لم يعد بالإمكان إغلاق الأبواب أمامها في ضوء التحولات العالمية التي تقودها قوى العولمة، وأضاف هؤلاء أن هذه التعديلات تؤكد أن المملكة تعيش اليوم «مرحلة عالمية جديدة تعزز فيها الاتجاه الحقوقي المكرس في الدساتير المقرة شعبيا عبر هيئة منتخبة ثم يتم بعد ذلك إصدار تشريعات وفقا للأصول الشرعية»، وأكد هؤلاء أهمية احترام الدستور والميثاق اللذين صدرا بإرادة شعبية حقيقية، وحرص الشعب البحريني على أن تكون التعديلات منسجمة مع هذه الإرادة والمبادئ الدستورية الأساسية المكرسة في الفقه الدستوري بما يحقق السيادة الشعبية في التشريع والرقابة واستقرار وتوازن السلطات الثلاث. أما بخصوص المعارضة فيعود موقفها إلى فترة ما قبل صدور التعديلات الدستورية.. فمع توارد الأنباء عن قرب صدور هذه التعديلات، أعلنت المعارضة دعمها للمشروع الإصلاحي وعزمها عدم الدخول في مواجهة أو تصعيد مع الحكومة، إلا أنها قد أبدت بعض التحفظات على الطريقة أو الآلية التي سيتم بها صدور هذه التعديلات، فضلا على التحفظ على مساواة المجلس المعين بالمجلس المنتخب في عملية التشريع. وفي هذا السياق تحفظت المعارضة على صدور التعديلات الدستورية دون عرضها على هيئة تشريعية لاسيما أن ذلك سيتم دون الاستناد إلى المادة 104 من الدستور البحريني التي تعتبر الآلية المناسبة لصدور التعديلات الجديدة، وتنص هذه المادة على أنه «يشترط لتعديل أي من أحكام الدستور أن تتم الموافقة على التعديل بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس التشريعي وأن يصدق الأمير على التعديل وإذا رُفض تعديل ما للدستور فلا يجوز عرضه من جديد قبل مضي سنة على رفضه». من جهة أخرى أشارت مصادر المعارضة إلى أن إعطاء صلاحيات تشريعية للمجلس المعين هو أمر يخالف ما جاء في الميثاق الوطني الذي أكد أن السلطة التشريعية هي بيد المجلس المنتخب وأن مجلس الشورى سيكون فقط من أجل المشورة وإبداء وجهات النظر وتحقيق الخبرة المطلوبة. على الجانب الآخر أكدت مصادر قانونية حكومية حق ملك البحرين في إصدار التعديلات الدستورية الجديدة استنادا إلى التفويض الذي منحه له الشعب بموافقته الواضحة على ميثاق العمل الوطني في فبراير 2001بنسبة 98.4%، كما أشارت هذه المصادر إلى أن عددا كبيرا من أعضاء المجلس الوطني الذي تم حله دستوريا قد رحلوا عن الحياة، وهو ما يبطل دعوات إعادة إحياء هذا المجلس لفقدانه شرط التصويت بأغلبية ثلثي الأعضاء، إلى جانب ذلك فإن التنمية الإيجابية للاستفتاء على الميثاق الوطني قد ألغت المادة 104 من الدستور كما ألغت مبدأ المجلس الواحد. مستقبل الديمقراطية أشار بعض المراقبين إلى أنه بإعلان التعديلات الدستورية يكون الملك حمد بن عيسى قد وضع مشروعه الإصلاحي الشامل على أول طريق التنفيذ الفعلي، ويؤكد هؤلاء أن تعجيل ملك البحرين بتنفيذ مشروعه خلال العام الحالي وليس خلال عام 2004 كما كان محددا يرجع إلى التطورات والمتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم والحاجة إلى تثبيت الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي خاصة أن ملك البحرين يسعى إلى رفع المستوى المعيشي والحياتي لشعبه وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتم دون استقرار سياسي واجتماعي. ولاشك أن الطرح السابق يؤكد جدية الشيخ حمد ملك البحرين على المضي في مسيرته الإصلاحية بل دعمها، وفي ضوء ذلك يرى البعض أن إلغاء قانون الطوارئ قبل إعلان التعديلات الدستورية يعني أن القيادة السياسية ماضية في مشوار المشاركة الشعبية واحترام الدستور والفصل بين السلطات، وأنها جادة في تأصيل إجراءاتها الدستورية. ومما يدفع نحو استمرار المسيرة الديمقراطية في البحرين هو أن تلك التعديلات قد أدت إلى انفتاح القوى السياسية ليس باتجاه الدولة فحسب بل فيما بين مكونات الساحة السياسية بما يجعلها في وضع يمكنها من مواكبة تلك الإصلاحات الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على المسيرة الديمقراطية، إلى جانب ذلك يرى المراقبون أن تلك التعديلات وعودة الحياة النيابية تحديدا ودعم المعارضة لذلك ورفضها العنف وتمسكها بالوسائل السياسية السلمية.. كل ذلك يشجع نحو استمرار المناخ الديمقراطي، بما يعني توافر الظروف الملائمة لمستقبل ديمقراطي في البحرين. من جهة أخرى فإنه مما يزيد من مساحة التفاؤل إزاء مستقبل الديمقراطية في البحرين هو أن التعديلات الدستورية قد جاءت لتعالج قضايا ومشاكل عالقة إما من تجربة السبعينيات أو لمعالجة قضايا ومشاكل مرت بها تجارب مشابهة، أو لمواءمة رؤية دقيقة للواقع السياسي الشعبي الحالي، إلى جانب ذلك فإن الدستور المعدل قد شمل قضايا أخرى كثيرة ترقى به وتعالج قصورا كبيرا كان موجودا في السابق، وهذه القضايا تصب كلها في مصلحة المواطن في حفظ حقوقه، ولاشك أن مثل ذلك الأمر إنما يهيئ البنية السليمة لنمو الديمقراطية. ورغم تلك الظروف المناسبة للمسيرة الديمقراطية في البحرين فإن بعض المحللين يرصدون مجموعة من الشروط الأخرى اللازمة من أجل سلامة المسيرة البحرينية ومن أجل الحفاظ على التجربة وحمايتها من الإخفاقات وأهم هذه الشروط ما يلي: 1 ـ عدم القفز السريع والذهاب بالبحرين إلى أعلى نقطة في المنظومة الديمقراطية، بمعنى أنه يجب قبول التدرج المتواصل في سبيل بلوغ تلك المنزلة. 2 ـ صياغة اجماع وطني شعبي تلتف حوله جموع الشعب ولاسيما المعارضة، وهو أمر لا مفر منه لنجاح مشروع الديمقراطية، ويمكن الاستفادة في هذا الشأن من تجربة الكويت التي لها خصائصها أبرزها التلاحم والإجماع على الثوابت التي من أهمها الحفاظ على النظام السياسي الذي يحتمي به ويدافع عنه الجميع ولا يشكل جدلا أو خلافا. 3 ـ يجب أن يتقبل النظام الانتقادات أو المواجهات التي قد يتعرض لها، وعليه أن يستوعبها ويروضها، وإذا كان النظام الكويتي قد استوعب الصدمات بسبب فضيلة السماحة فإن النظام في البحرين مطلوب منه أكثر في هذه الفترة أن يوسع مساحة هذه السماحة التي هي من أبرز حراس التجربة في هذه المرحلة. 4 ـ بالإضافة إلى هذه الشروط يضيف آخرون شروطا أخرى تتمثل في ضرورة أن تتزامن الإصلاحات السياسية مع إصلاحات أخرى اجتماعية من قبيل تحقيق العدل الاجتماعي والتوزيع العادل للمغانم والمغارم على الطبقات الاجتماعية من أجل تضييق التفاوتات، كما يجب أيضا محاربة الفساد ومكافحته حتى لا يفسد المسيرة الديمقراطية، كما يلفت أصحاب هذا الطرح النظر إلى ضرورة الانتباه إلى أن أي اتجاه تجزيئي أو انعزالي يعتدي على الهوية والشخصية الثقافية لمملكة البحرين.