بيان الاربعاء: لفهم توجهات جورج بوش الابن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة الحالية لقلب نظام الحكم في العراق وقيادة حرب محمومة ضده، ينبغي قراءة موروث آل بوش منذ حقبة ريجان، ذلك الموروث الذي اقام الحرب الأولى، والذي هيأ للحرب ضد الإرهاب واليوم يهييء للحرب ضد العراق. ومبررنا في هذا السوق ان اهداف القصف الامريكي لبغداد ابعد من المنطقة العربية، اذ ان من طبيعة تكوين الحكومة الامريكية الحالية انها تمثل طبقة سياسية عسكرية قديمة تنتمي إلى تلك الفترة الزمنية القصيرة التي عرفتها السياسة الدولية كلحظة انتقالية ما بين حقبة انتهاء الحرب الباردة وبداية عصر جديد لم تستقر معالمه النهائية لتكوين «نظام دولي جديد» بمعنى الكلمة. بمعنى آخر قيام نظام تستقر دعائمه ومواصفاته لفترة زمنية معقولة ووهم استقرار هذا النظام على اساس انفراد امريكي بزعامة العالم، هو في مقدمة ما يسيطر على تلك الطبقة السياسية العسكرية المهيمنة حالياً على اركان صناعة القرار الامريكي في حكومة جورج بوش الجديدة. وبوش الابن لم يكن بعيداً عن صناعة قرار الحرب عام 1990 بل كان احد الأسباب المباشرة فيها ضمن جملة أسباب كشفتها الوثائق الرسمية الامريكية التي افرج عنها بعد عشر سنوات، وبشكل ادق علاقته كانت بفضائح مالية تمس اجهزة المخابرات وابيه واخيه وشركات نفطية وبنوكاً كثيرة، فضيحة اسكتتها حرب الخليج وحولتها إلى الاتجاه المعاكس. ولعل فضيحة شركة انرون اليوم وما يقال عن ارتباطها بحملة بوش الانتخابية او بشركات بترولية كان يديرها، لها علاقة بتلك الفترة، فهل يمكن ان تكون الحرب الجديدة ضد العراق هي الحل الامثل الذي وجده الرئيس الأمريكي الجديد تمثلاً بأبيه للخروج من مأزقه السياسي والاقتصادي؟ وقبل الولوج في تفاصيل مأزق آل بوش منذ عهد الاب حتى الابن ينبغي التذكير بأن أهداف امريكا دائماً احكام القبضة على منابع الطاقة، ثم الشروع في بناء نظام امني لمنطقة الشرق الأوسط تكون دعامته الرئيسية اسرائيل من خلال بناء عناصر القوة الاستراتيجية ومنها اسلحة التدمير الشامل من اجل ضمان تفوقها في مجالات الأسلحة التقليدية وجعلها القوة العسكرية الاكبر في المنطقة. ومن اجل ذلك تبنت الولايات المتحدة وفق دراسات كثيرة فكرة «ان الابنية الاقليمية ينبغي ان تكون احجار الزاوية في بناء نظامها العالمي». ويرى الدكتور قيس محمد نوري ان هذه الفلسفة كانت تتمثل في سعي الولايات المتحدة من خلال اسرائيل إلى تبني مسارين: ـ الأول: تجريد المنطقة من عناصر القوة العسكرية. ـ الثاني: اضفاء البعد النووي على الصراعات في المنطقة. ووفقاً لهذا المنطق فان المحاولات والتطبيقات الامريكية هي لبناء «نظام فرعي يتولى نيابة عن الولايات المتحدة وتحت اشرافها ترسيخ النظام العالمي الجديد واحكام سيطرتها على هذا الاقليم الحيوي. حمى الحرب لعل من اغرب التعبيرات عن الحرب التي قامت عام 1991 ضد العراق والحرب التي ينوي بوش قيادتها اليوم، تلك التي اطلقها جون ستوكويل القائد السابق للفيلق البحري الامريكي واحد مدراء المخابرات المركزية الامريكية ممن عملوا في ادارة بوش الاب، فقد وصفها بأنها: «حرب الضربة القاضية» ويشرحها بأنها: «حرب الفرقعة الاعلامية، حرب البنتاجون المنشورة، الحرب التي تعطي للنساء الحق في القتل والموت والاسر أيضاً، الحرب التي ترسخ ان صدام حسين شرير جداً وان لنا الحق فيها، وأخيراً الحرب التي سندعم فيها قواتنا العسكرية سواء كانت حربا خاطئة أم حرباً صحيحة، قراراً صائباً أم قراراً حكيماً». ستوكويل يرد هنا على كل منتقدي السياسة الأمريكية ايام بوش الاب في قيادته لحرب الخداع الامريكي ويقدم التفسيرات التي لا يمكن ان تقال الا امام الكونجرس والمكاتب المغلقة، فما الذي قدمه ستوكويل لتبرير حرب الاب ومن ثم الابن من آل بوش! في خطاب له امام مركز ليندون نيلسون في 20 فبراير عام 1991، وقف ستوكويل مدافعاً عن بوش الاب ومفسراً حقائق كثيرة مما تجاهله الاعلام العربي والدولي أو لنقل كان خافيا عنه. يقول ستوكويل معترفاً: نعم لقد خططنا لهذه الحرب قبل ستة اشهر من وقوعها ولكن لنا اسبابنا، لقد عملنا كفريق واحد الإدارة الامريكية، البنتاجون، الـ CNN، وسائل الإعلام الاخرى لقد قضينا اوقاتاً متعبة حقاً ونحن نرسم القصص والسيناريوهات اللازمة.. ولكن لماذا؟. قبل الدخول في تفاصيل مبرراته دفاعاً عن بوش يقودنا ستوكويل نحو مبرراته دفاعاً عن استراتيجية امريكا فهو يقول: «لقد انتهت الحرب الباردة ولم يعد لدينا مبرر لترسانة عسكرية ضخمة وميزانية عصر يتجه نحو السلام بعد انتهاء الحرب الباردة». ويضيف ستوكويل، كيف ستبرر بعد انقشاع غبار الحرب الباردة سقوط الملايين في حروب خاضتها الـ CIA خلال فترة هذه الحرب فهناك: ـ مليون قتيل في حرب كوريا ـ مليونا قتيل في فيتنام ـ مليون أو اثنان قتلوا في كمبوديا ـ 800 الف قتلوا في اندونيسيا ـ 50 ألفاً قتلوا في انجولا.. حربنا السرية. بمعنى ما لا يقل عن ستة ملايين شخص قتلوا في حرب المخابرات السرية في مختلف مناطق وحقب الحرب الباردة، وهكذا كان لابد من التخطيط لحرب ثالثة «قياسا للحرب العالمية الثانية» من اجل ان يكون هناك مبرر أولا، ثم ليقول الجميع اننا محقون في كل مخططاتنا لتطوير قدراتنا العسكرية وتحقيق اهدافنا الاستراتيجية. ستوكويل يصرح بوضوح في تقريره ذاك ان الأمريكيين لا يمكن ان يسمحوا «لمدن تملك النفط» بأن تقودنا. نظرية الإدارة الأمريكية ايام بوش الاب كانت تستند إلى مفتاح واحد هو «اقتل، اقتل، اقتل»، والأسباب يسوقها المسئول الأمريكي كما يلي: نحن فعلاً نحارب من اجل نفط لا نملكه ودول الخليج تبيع نفطها للالمان واليابانيين بينما نحصل نحن على 7% من نفط المنطقة، والبدائل التي لدينا لا يمكن الاعتماد عليها، حتى اليابان التي لم تكن تريد الحرب كان يمكن ان تحصل على نفطها من صدام حسين نفسه بنفس النسبة التي كانت تحصل عليها من دول الخليج ولهذا كان اصرارنا على الحرب لاسبابنا نحن. ويؤشر ستوكويل اسباب بوش الحقيقية فيقول: عندما قدم الرئيس بوش عام 1988 فانه ورث رئاسة مثقلة بالديون منها: مشاكل سياسية ضخمة ومشاكل اقتصادية اضخم سببها العهد الريجاني السابق والذي كان بوش جزءاً منه كونه نائب الرئيس، لقد ترك ريجان مديونية فاقت 4.5 تريليونات دولار، وقياساً بالسبعينيات التي عد اقتصادنا فيها الاقوى، كان عهد الثمانينيات عهد التدهور الاقتصادي، والعجز في ميزان المدفوعات. لقد باع ريجان وبوش نائبه والذي اصبح رئيساً فيما بعد الولايات المتحدة بانتاج وصناعة الأسلحة، وقادا البلد نحو مستوى لا يمكن معه السيطرة على المستقبل. ورث جورج بوش الاب أيضاً فترة بدأ فيها الشعب الامريكي يصحو ويدرك حجم الديون والعجز الاقتصادي والثقل الذي يرزح تحت وطأته والذي شكل قلقاً لدى الشعب الأمريكي عماذا سيعطون لاجيالهم القادمة، ولم يكن لدى إدارة بوش وفق المسئول نفسه أي استعداد لدعم التعليم، الصحة، تخفيض الضرائب، المزارعين، البيئة التي بدأت فضائح تلوثها تنكشف ولم يعد لدى الكونجرس والإدارة الامريكية اية وسيلة لاخفاء أو كتم هذه الفضائح. الفضيحة الاكبر هي ما يتعلق بالمخابرات الامريكية وعائلة بوش نفسها ومجموعة المافيا. يقول ستوكويل مفسراً ومبرراً: ان مفتاح فهم قيادتنا لهذه الحرب تكمن خلفه فضيحة انكشاف غسيل الأموال التي كانت تمارسها المخابرات الامريكية ومتاجرتها بالمخدرات من اجل توفير ميزانيات داعمة للحرب الباردة، والدليل على ذلك ان 200 من المسئولين في إدارة ريجان استقالوا ما ان جاء بوش وبدأت الفضائح والقوائم تثقل رأس الكهل بوش بل ان منهم من سجن. فضيحة غسيل الأموال هذه كما يشير ستوكويل ارتبطت بانهيار الصناعة والتجارة والبنوك والتي كان المتورطون فيها بشكل فعلي بوش الاب وابنيه نيل بوش وجورج بوش مثلما تورط فيها مجموعات المافيا، اللوبيات، المخابرات المركزية والبنوك، كلهم وفق ستوكويل كانوا متورطين في فضيحة كبيرة لا يمكن خداع الامريكيين وتغطيتها. ما ورثه بوش الاب أيضاً، انه وجماعته لم يكن لديهم الاستعداد لاعادة بنس واحد مما اخذوه، وقال نحن لا يمكن ان نغطي الخسارة فالشعب كان يثق بالبنوك والصناعة، ويجب على ذلك اعادة تقييم الوضع، ونجعل الناس تدفع بدلاً من ان ندفع. وذلك بالطبع كان بقيادة حرب، وكما تفعل امريكا دائماً فانها تسوق مشاكلها الداخلية للخارج بشكل حروب، ويقول المسئول الامريكي انه احصى 15 حرباً امريكية، وان امريكا امه خلقت لتلبس ثياب العرب فنحن لا نعرف سوى الحرب سبيلا لتحقيق أهدافنا. وبالتأكيد لا ينسى ستوكويل ان يقول: لقد اعطينا صدام حسين الضوء الاخضر لدخول الكويت عمداً وكان ذلك بعلم لجان الكونجرس وعندما دخل الكويت فعلاً جئنا. وثائق كثيرة اشارت إلى ان التهيئة للحرب سبقت الحرب الخليجية بعشرة اشهر كما قال شوارتسكوف، وكان الاساس الذي استندت إليه امريكا هو: ـ اعادة مبدأ ايزنهاور الذي لم يتمكن الامريكيون في ذلك الوقت من تحقيق السيطرة على منابع النفط والعراق. ـ انهاء العراق كقوة عسكرية عظمى في المنطقة لتقوية سيطرة اسرائيل على المنطقة وبقائها القوة الاعظم. الحرب الجديدة ينظر إلى بوش الابن بنفس المنظار الذي كان يقيم مسيرة ابيه، فهو متورط في فضائح شركة انرون رغم محاولات طمس هذا الأمر، اضافة إلى انه لا يملك مبررات للميزانية العسكرية الضخمة التي طلبها من الكونجرس والضرائب التي زادها على الشعب، مثلما لا يملك سببا لعدم اهتمامه بالداخل الامريكي وتبرير كذبه اثناء الانتخابات. اضافة إلى ذلك فان امريكا وجدت نفسها بعد عشر سنوات من حرب الخليج وحصار العراق امام مطالب بانهاء الحصار الامر الذي سيعيد العراق بقوة للساحة الدولية ويؤثر ذلك على اسعار النفط الذي تحرص امريكا ان تسيطر عليه. من هنا شعرت واشنطن بأن المصلحة تقتضي تسويق فكرة الأمن الاقتصادي للعرب، ذلك الذي لا يتوفر الا تحت المظلة الأمريكية، فاذا استطاعت ان تقنع الدول النفطية العربية بأنها ستضمن لهم ثبات اسعار النفط من خلال تقييد النفط العراقي سواء عن طريق القوة او عن طريق العقوبات فسيكون ذلك نصراً كبيراً للنفوذ الامريكي في المنطقة وانتعاشاً لهيمنتها من جديد ولهذا بدأت باستعدادات سابقة للحرب المقبلة مثلما حدث قبل حرب الخليج الاولى وبنفس الطريقة والتسويق. مسوغات امريكا جاءت على النحو التالي: 1 ـ امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، واستندت إلى تقارير للمفتشين تقول: ان العراق قد يطور أسلحة الدمار الشامل «ولكن العبارة الكاملة كانت مقرونة بـ «اذا تمكن من استيراد المواد اللازمة لذلك»، وبالطبع فان امريكا حذفت تلك العبارة وركزت على شطر البيت لا عجزه، وبذلك ربطت الأمر بعودة المفتشين المبررة. 2 ـ تهديد العراق الأمن القومي الامريكي. 3 ـ اتهام العراق بأنها دولة راعية للإرهاب. 4 ـ اتهام العراق بأنه يبني برنامجاً للحرب الجرثومية. 5 ـ اثارة الحديث عن تهديد العراق لأمن الدول الخليجية وبالتالي ينبغي ردعه. 6 ـ وأخيراً وبحسب المراقبين فان امريكا تهدف من ضرب العراق إلى الاطاحة بالرئيس العراقي الذي يشكل مصدر قلق لواشنطن. وبشكل واقعي فمن المعروف ان تغيير الخريطة السياسية العراقية الاقليمية هو احد السيناريوهات المستقبلية المحتملة للمنطقة العربية في الاستراتيجية الامريكية، ولكن قياساً على التوازنات الحالية القائمة في المنطقة والمصالح الأمريكية في تلك التوازنات، فان اجراء هذا التغيير يبدو محرجاً لأمريكاً في هذا الوقت بل انه ربما يؤدي إلى نتائج عكسية في ظل المعطيات القائمة وذلك لاسباب منها: ـ على امريكا ان تتحمل خسارة حصة العراق من النفط وتوفير حصة بديلة. ـ على صندوق النقد الدولي ان يتحمل الافلاس من عوائد برنامج النفط مقابل الغذاء بتوقف الصادرات العراقية. ـ على الغرب ان يتحمل ضغوط واتهامات باتجاه تجويع الشعب العراقي. اضافة إلى ان الامم المتحدة نفسها قد اعترفت بان برنامج النفط مقابل الغذاء يتعرض لازمة حقيقية فامريكا عملت مع بريطانيا على شل لجنة النفط مقابل الغذاء فعلاً بسبب معوقات سياستها الاجرائية. مقابل ذلك ما الذي ينبغي توقعه؟ هناك احتمالان: ـ الأول: يقر بأن الإدارة الامريكية غير متفقة تماماً على سياسة ثابتة تجاه بغداد. ـ الثاني: يتجه باتجاه ان قرار ضرب بغداد قد صدر فعلاً وانماً هنا ما ينبغي ان يفعل للتمهيد. ورغم ان المحللين السياسيين الامريكيين اكدوا ان الضربة ستكون مفاجئة وقريبة وبعضهم ذهب إلى انها في يونيو أو سبتمبر الا ان احتمالات اثار هذه الضربة لا يمكن تجاهلها فهي: ـ ستحول الساحة العربية إلى ساحة اضطرابات سياسية. ـ لن تجد امريكا ما تبرر به لشعبها وشعوب العالم اذا ما فشلت خطة افغنة العراق أو «قرضاي العراق». ـ ربما تخسر الدعم العربي لها في خططها للتسوية مع إسرائيل. ـ لا يمكن لقصف العراق الا ان يضاعف الوعي لدى الشعوب العربية وقد يحدث ما حدث ايام 1958 وتخسر امريكا عمل اجيال كاملة خلال 50 عاماً لعودة هيمنتها على المنطقة. وربما كانت هذه احلام العرب في احتمالات عدم ضرب العراق، لكنها تبقى حقائق وأهدافاً امريكية قابلة للتأويل والتنفيذ، ما بقي العرب مكتومي الصوت