بيان الاربعاء: ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة من المؤشرات تؤكد استعداد الولايات المتحدة لشن عمل عسكري ضد العراق، وتمثلت تلك المؤشرات في الاستعدادات العسكرية، التي تقوم بها امريكا من شراء وقود الطائرات ومضاعفة احتياطياتها الاستراتيجية الأخرى ونقل عدد من طائراتها الحربية من قواعد أوروبية إلى قاعدة انجيرليك التركية وغير ذلك. ويشبه الكثير من المحللين ما يحدث اليوم مع إدارة بوش الابن بما كان يحدث مع إدارة بوش الاب مع فارق واحد هو عدم وجود اجماع عربي أو دولي لضرب العراق فضلاً عن ان الامريكيين لا يمتلكون مبرراً واحداً مقنعاً بعد احد عشر عاماً من حصار جائر مفروض تجاوز حدوده الانسانية والقانونية والامنية معاً.كيف ينظر إلى الطموح الامريكي في اطار ضرب العراق، ولماذا شكل العراق هدفاً امريكيا قبل حرب الخليج الثانية ودخوله الكويت؟ ما الذي كان يحكم العلاقات الامريكية ـ العراقية، وهل كان بالضرورة فعلاً ضرب العراق، وما هي حقيقة اعادة موازنة القوة في العالم وفي الشرق الأوسط، وما هي قصة الأسلحة الشاملة؟لماذا يتكرر الحديث عن اسقاط الحكومة العراقية وقد كان مشروعاً سابقاً ولماذا لم يكتمل هذا المشروع في حينه؟ ما حقيقة الخلاف بين بوش الاب وشوارتسكوف والخلاف بين بوش الابن وابيه، ان وجد فعلا، ولماذا لم تنجح المحاولات الامريكية بكل اوراق ضغطها الكردية والشيعية والمعارضة في الحصول على نتائج مرضية لامريكا؟ ما هي قصة الفضائح المالية لبوش الاب وابنيه بوش ونيل والمخابرات الامريكية التي اوشكت ان تسقطه وانقذته منها الحرب ضد العراق وهل لها علاقة بالفضائح المالية التي قد يواجهها بوش الابن، والذي يتخذ من الحرب مظلة تقيه من السقوط أيضاً؟ كيف ستكون الخطوات الامريكية الفعلية واحتمالاتها لضرب العراق واسقاط حكومته والتي يمكن تسميتها بالتصفية وهل هي مرتبطة بعنصر آخر كالنفط مثلاً؟ كيف سيوازن بوش معادلة التخلص من النظام وعدم ضرب العراق الذي يرفضه الكثيرون، وهل يمكن ان تكون هناك وسيلة بديلة فعلاً للحرب أو الضربة العسكرية؟ تأخذ الهجمة الأمريكية الأخيرة التي تشتد ضد العراق، شكل رغبة شخصية في تصفية حسابات سياسية قديمة وحديثة، رغم ان الهجمة الامريكية ضد العراق لم تتوقف ابداً منذ استقلال العراق، وفق الكثير من الدراسات والوثائق. والملفت للنظر ان العراق اصبح اللازمة الموسيقية التي ترافق كل الحان الحروب الأمريكية منذ عام 1988 حتى اليوم، وهي بكل احوالها مرتبطة في جذورها بعنصر النفط والاحتياطي الذي تملكه منطقة الشرق الأوسط برمتها والتي هي في الخارطة الأمريكية تعني الدول العربية جميعاً الافريقية منها والآسيوية. ورغم ان الولايات المتحدة قد حاولت بوسائل مختلفة وخطط متنوعة ان تصفي الحكومة العراقية وصنعت مختلف المبررات ودعمتها بأدلة كثيرة لم يعد احد يسأل ان كانت حقيقية ام لا، الا انها كما يبدو فشلت في الوصول إلى قلب بغداد التي نسفت حرب الخليج الثانية بنيتها التحتية ودمرت جسورها وقتلت شعبها دون ان تنحني نخلتها. السؤال الذي ما انفك الجميع يرددونه، من يعرف ومن لا يعرف، ومنهم الأمريكيون انفسهم، الرسميون منهم والشعبيون ويتعلق بسبب كون العراق هدف امريكا، ومنذ متى؟ تنطوي على هذا السؤال جملة حقائق بعضها تاريخي وبعضها صنعته الظروف، لكن الحقائق جميعها تندرج تحت مظلة واحدة اسمها «الاستراتيجية الأمريكية في السيطرة على منابع النفط» وتلك حقيقة لم يعد يستطيع انكارها احد حتى الأمريكيين انفسهم. كيف تحول الدعم الامريكي للعراق ابان حربه مع ايران إلى عداء سافر في حرب الخليج، وهل كان الدعم السابق للعراق منطلقاً من مبدأ استراتيجي في الحصول على علاقة استراتيجية فعلاً؟ للولوج إلى قلعة الحقائق التي تتعلق بالاستراتيجية الأمريكية ينبغي المرور من نفق العقدة الامريكية ضد العراق، فقد سبق للامريكيين ان دعموا الترسانة العسكرية العراقية في الثمانينيات وزودوا العراق بمساعدات لوجستية في حربه ضد إيران. ذريعة امريكا اليوم تختلف عن ذريعتها في عام 1990، لكن الهدف هو واحد وهو ليس هدفاً حديث الوضع، ولننظر إلى الذرائع الامريكية اليوم ونحاول مناقشتها عبر تاريخ السياسة الأمريكية ضد العراق واستراتيجيتها في ذلك. فما يقال من خشية البنتاجون من ان يطور العراق أسلحة الدمار الشامل، يبتعد عن المنطقة خاصة اذا ما قارناه بسنة 1991 اذ كان العراق قوياً ومتمكناً وذا آلة عسكرية ضخمة وكان يمتلك أسلحة فعلية للدمار الشامل وطائرات حربية متطورة لكنه لم يستطع ان يسقط طائرة امريكية واحدة بفعل القدرة العسكرية الامريكية المتفوقة والتي حسمت الحرب لصالحها جوياً، فكيف بالبلد بعد ان دمرت أسلحته وقدراته العسكرية ومع القيود المفروضة عليه عبر حصار شامل. ولقد نظرنا للمبرر الثاني الذي تسوقه الولايات المتحدة في حملتها ضد العراق والذي يتمثل بانتهاك الرئيس العراقي لحقوق الانسان في العراق، فهذه النقطة بالذات لا يمكن لأمريكا ان تحتمل نتائج الاصرار عليها واعتبارها مبرراً مقنعاً، فتركيا جارة العراق مثلاً والحليفة الاستراتيجية لإسرائيل وأمريكا بحكمها ديكتاتور ذبح عشرات الالوف من الارض والاكراد، وهم نفس الاكراد الذين تدعي الولايات المتحدة حمايتهم في حال عودتهم للعراق، بمعنى انها تحاول بناء مدينة افلاطونية داخل العراق لشعب يعيش خارجها مثلما فعلت مع إسرائيل واوجدت لها وطناً. وحقوق الانسان ابعد ما تكون شعاراً أمريكياً، يستخدمونه كثيراً لكنه لم يقنع احداً ابداً، بدءاً من اليابان حتى آخر ارض امريكية مروراً بالعالم كله، فسجل امريكا في العنصرية ضد السود وضد المسلمين أمس واليوم اكبر من ان يعطيها صفة المدافع عن حقوق الانسان، ولهذا فانه مبرر لا يصمد ابداً وطيلة حياة الامريكيين السياسية لم يعهد ابداً له الصمود، ناهيك عن سجل اسرائيل الاسود في انتهاك حقوق الانسان الذي يصمت الادعاء الأمريكي ابداً، فما هو السبب الحقيقي فعلاً وراء السياسة الامريكية ضد العراق؟ 1958 ومناهضة الاستعمار يرى كثير من الدارسين والباحثين السياسيين ومنهم ريتشارد بيكر المدير المساعد لمركز العمليات الدولية، ان السياسة الامريكية بمختلف منحنياتها اقتراباً وابتعاداً، عداء وصداقة، تجاه العراق تعود إلى تاريخ 1958. لقد كانت حقبة الخمسينيات حافلة بالتغييرات السياسية في الشرق الأوسط، اذ سادت موجة من التحرر العالمية غمرت مستعمرات آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، واعتبرت حركات التحرر هذه في واشنطن تهديداً للمصالح الاستراتيجية الامريكية وشركاتها التي بدأت تأخذ موضعا مهما بعد الحرب العالمية الثانية. الهيمنة على الشرق الأوسط كانت الموضوع الداعم لاية سياسة امريكية خارجية منذ 1945، فادارتا روزفلت وترومان مثلاً ومن ورائهما البنوك الكبيرة وشركات النفط والصناعات العسكرية والمصالح عانت جميعاً من تسرب مناطق المصالح الاستراتيجية الامريكية من قبضة الاخيرة، ومن هنا جاء التصميم على ان العاصمة الامريكية يجب ان تعيد السيطرة على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وسيكون مفتاحها لذلك هو السيطرة على منابع النفط. وبشكل خاص ركزت الاستراتيجية الامريكية منذ ذلك الوقت على الاستيلاء على حقول النفط في العراق وايران، وهما بلدان عدوان لبعضهما، مستقلان وصاحباً ثروة نفطية كانت الابرز آنذاك في المنطقة. كان العراق وايران جزءاً من الامبراطورية البريطانية الغاربة وكان معهما معظم الشرق الأوسط مثل مصر، السودان، فلسطين، الأردن، الكويت، واليمن، فلماذا شكل العراق منذ ذلك الوقت هدفاً رئيسياً؟ شهد مطلع الخمسينيات الثورة في مصر وسوريا ضد الاستعمار وقاد ذلك إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة والتي نظر اليها الكثيرون ومنهم امريكا على انها خطوة باتجاه توحيد الدول العربية في دولة واحدة. ومقابل ذلك عمدت بريطانيا وحليفتها امريكا إلى توحيد الملكية العراقية والملكية الاردنية في اتحاد لم يدم طويلا سمي الاتحاد العربي اريد له مواجهة بناء الوحدة والتحرر. سعت واشنطن ايضاً إلى انشاء حلف بغداد عام 1955 الذي ضم الانظمة العميلة لها ولبريطانيا في كل من باكستان، ايران، تركيا والعراق، بالتنسيق مع بريطانيا، ذلك الحلف الذي عرف بمنظمة السنتو «CENTO» وكان لديها هدفان من ذلك: ـ الأول: لمواجهة ومعارضة بروز أو ظهور العرب كوحدة ولمواجهة حركات التحرر الاخرى في الشرق الأوسط. ـ والثاني: ليكون الحلف جزءاً من سلسلة التحالفات العسكرية التي انشأتها مثل الناتو، والسياتو، والانزوس وغيرها من الاحلاف المناهضة لمعسكر الاتحاد السوفييتي، والصين وشرق اوروبا، وشمال كوريا، وفيتنام. كان العراق مركز الحلف أو المنظمة التي دعيت بالسنتو، فقد كان مستقلا بالاسم، لكنه كان مستعمراً بشكل فعلي من قبل بريطانيا تحكمه حكومة عميلة لبريطانيا التي انضمت اليها امريكا كحلف استعماري، وكان العراق غنياً جداً بالنفط ويحتوي على 10% من المخزون العالمي للنفط، فقيراً جداً يعيش شعبه في حالة مزرية، ضئيل المستوى التعليمي اذ كان الجهل يسود 80% منه، ومع حجم شعبه فقد كنت تجد 13 طبيباً للاسنان مثلاً في كل العراق، وذلك ما وثقته الحكومتان البريطانية والأمريكية، وكما يقول فران هازلنون في كتابه «العراق حتى 1963»، واخيراً كان يحكم العراق وفق نفس المصدر ملكية فاسدة تحت قيادة فيصل الثاني وسيطرة الاقطاعيين والتجار وأصحاب رؤوس الأموال. فقر العراق الذي يناقض احتوائه على الثروة النفطية كان سببه ان العراق لم يكن يملك من نفطه شيئاً، فقد كانت اربع دول تسيطر على خزين النفط الهائل هي: هولندا، بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة، وكانت لكل منها حصة تقدر بـ 23.75% من ثروة البلد، بينما امتلك الـ 5% الباقية الملياردير سايروس جولبنكيان الذي اشتهر بلقب «السيد 5%». قيام ثورة 14 يوليو 1958 هزت العراق، وهزت معه امريكا وبريطانيا وتحولت إلى ثورة شعبية عريضة، وفجأة اختفت الحكومة الملكية وانفلت نظام الحكم، وصدمت واشنطن ومركزها الاقتصادي «وول ستريت» وبقيت الصحف الامريكية قرابة اسبوع لا قصة لها سوى الثورة العراقية، ونظرت واشنطن إلى الثورة كتهديد لمصالحها الحيوية. الرئيس الأمريكي ديوايت ايزنهاور قال: «انها افدح الخسائر منذ الحرب الكورية»، وكرد فعل امريكي نزل 20 الف جندي امريكي في اليوم الثاني للثورة في لبنان بينما انزل 6600 جندي بريطاني في الارض وهذا ما عرف فيما بعد بمذهب ايزنهاور الذي اكد على ان الحكومة الامريكية لن تقف مكتوفة الايدي وسوف تدخل العراق وتحارب لتجنيب انتشار الثورة في مجمل الشرق الأوسط. حرب مكتومة الصحيح ان ايزنهاور لم يستطع حينها محاربة الثورة العراقية لأسباب عديدة لخصها المحللون بثلاثة اساسية هي: ـ الملامح الشاملة لشخصية الثورة العراقية. ـ اعلان الجمهورية العربية المتحدة والتي تجاور العراق والتي يمكن ان تقاتل قواتها إلى جانب العراق. ـ المساندة المؤكدة من الصين والاتحاد السوفييتي للثورة الغنية، وقد كانت القوات السوفييتية قد بدأت التحرك جنوب الجمهوريات السوفييتية مما يحاذي العراق. في العقود الثلاثة اللاحقة طبقت الولايات المتحدة تكتيكات تراوحت بين دفاعية وهجومية للسيطرة على العراق كدولة مستقلة وفي فترات مختلفة مثل تلك التي تلت تأميم العراق لكامل بتروله عام 1972، وتوقيعه اتفاقية الدفاع مع الاتحاد السوفييتي، والتي اعطت الولايات المتحدة حينها دعمها الكامل للعناصر الكردية المتمردة والاجنحة المعارضة لثورة العراق. ولعل الصفعة الاكثر ايلاماً تلك التي وجهها صدام حسين وقد كان الشخص الثاني في حكومة العراق ابان السبعينيات عندما اقام مشروع الحكم الذاتي وقاد المصالحة مع الاكراد، وقضى على الجيوب السياسية المعارضة اليمينية واليسارية التي كانت تدعمها بريطانيا وأمريكا كما يقول ريتشارد بيكر. ومع قيام ثورة ايران عام 1979 بات على الامريكيين ان يغيروا من وجهة معارضتهم للعراق، باتجاه التحالف ضد الثورة الإسلامية، ومن ذلك الدعم اللوجستي الذي قدم للعراق ابان حربه ضد إيران. انهيار الاتحاد السوفييتي جاء فرصة سانحة لامريكا التي رأت في خروج العراق منتصراً عام 1988 بترسانة سلاح قوية وحقيقية مهددة لمصالحها ومصالح إسرائيل في المنطقة، وفي الواقع، وكما تذكر الوثائق الرسمية الامريكية وعلى لسان مسئولين فيها انه كان ينبغي قيام حرب في الشرق الأوسط، وينبغي ايجاد مبرر جديد لها غير الاتحاد السوفييتي الذي تفكك وقتل مبررات التطوير العسكري الامريكي وحجج الامن الأمريكي، رأى الامريكيون انه العراق الذي مازال مركزاً مهماً في الشرق الأوسط. ومن هنا نجد مؤشرات كثيرة تؤكد نهوض خط مواز لعمليات اعادة تنظيم العالم في حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي، والخط الاخر يقصد به التهيئة لما اسمته واشنطن بـ «حروب العنف الجديدة»، وكان في قمة أهداف القائمة الأمريكية لهذه الحروب العراق. الولايات المتحدة امتلكت الآن الفرصة لقلب هزيمتها اللاسعة منذ ثلاثة عقود، وانشاء او تأسيس هيمنتها الاكيدة على ما يعتبرونه المنطقة الاكثر استراتيجية لامريكا وهي الشرق الأوسط وحقوله النفطية المشتهاة، كانت هناك ظروف قادت إلى حرب الخليج عام 1991، ولكنها ظروف مصنوعة امريكيا. لقد ارادت امريكا اعادة عقارب الساعة للوراء ليس فقط في العراق ولكن أيضاً في كوبا التي تحررت بعد قيام ثورة العراق بستة أشهر في الخمسينيات، وفي كوريا، وفي دول العالم الاخرى، لقد بدت اليوم اقرب لحلمها، وفي الذكرى الحادية عشرة لحرب الخليج وأحداث 11 سبتمبر نفسها.. فكيف ينظر لصناعة الحرب الأمريكية في مطلع التسعينيات وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؟.