يعود الدور الأوروبي في الواقع العالمي الجديد ليغدو مثار قلق، خاصة إذا تعلق هذا الدور بمساهمة محددة في عملية السلام في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بينما ينبغي اتخاذ مواقف فيما يتصل بالمقترحات الأمريكية. وفي واقع الأمر، كان البعد الخارجي للكيان الأوروبي موضع نقاشات دائمة بين أعضائه، بما يشمل المرحلة التي سبقت بناءه كاتحاد أوروبي. لكن اعتباراً من معاهدة الاتحاد الخاصة بالمقترحات النقدية التي أفسحت الطريق لليورو، طرحت بشدة ومن مقدمات ضرورة التقدم باتجاه سياسة خارجية وأمنية مشتركة، جنباً الى جنب مع انشاء وتطوير عدالة داخلية تسمح بالنضال ضد الجريمة المنظمة ضمن أوروبا بلا حدود. ولم تظهر الآلية الداخلية عدم التماسك بين القوة الاقتصادية والتجارية للاتحاد وهشاشته كممثل سياسي في الميدان العالمي فحسب، بل ان سقوط جدار برلين واختفاء حلف وارسو وماتلا ذلك من تصفية للاتحاد السوفييتي، كل ذلك يفرض مراجعة دور منظمة حلف شمال الأطلسي، وبالتالي دور الشركاء الأوروبيين سواء أكانوا أعضاء في الحلف الأطلسي أم لا. ذلك أن نظاماً عالمياً سياسياً وأمنياً كان في طريقه للظهور بقوة حيث كان على الأوروبيين أن يجدوا لنفسهم موطئ قدم فيه. طرحت في روما قبل أكثر من عقد من الزمان وبعمق ضرورة ملاءمة الناتو مع التطورات الجديدة. مع العلم بأنه لم تناقش ولو للحظة واحدة مسألة بقائها على قيد الحياة أمام اختفاء العدو صاحب العلاقة. ومنذ ذلك الحين، تجري الأمور كما لو أن الارتباط مع الولايات المتحدة يقوم بحمايتنا من أنفسنا، وليس فقط من التهديد السوفييتي، ولقد أعاد الاتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً تأكيد أن أي خطوة باتجاه تطوير السياسة الخارجية والأمنية، كانت تقصي بعيداً مسألة استبعاد حلف الأطلسي وكانت تضمن دوماً وعن عمد وبصريح العبارة الاخلاص للشريك الأمريكي بحيث يتم التعامل مع فكرة تطوير أي سياسة دفاعية وأمنية أوروبية على انها تعزيز للدعامة الأوروبية ضمن التحالف وذلك كسقف أعلى. ولم تكن هناك إمكانية لأن تجري الأمور على نحو مغاير، وهذا لا يعود فقط الى التاريخ الذي ذكرته للتو، وإنما إلى عدم القدرة أو النقص في إرادة دول الاتحاد للتوصل الى الوسائل اللازمة التي تسمح بتطوير دور مستقل نسبياً عن الشريك الأمريكي. وبما أنه لم يتم وضع سياسة خارجية مرموقة بدون أن يترافق ذلك مع سياسة أمنية، فإن هذا العنصر يجب أخذه بعين الاعتبار في غمار أي تعامل مع دورنا كأوروبيين على المسرح العالمي. وكي لا أذهب بعيداً يتعين عليّ توضيح أني دافعت في نقاشات أوروبية عن الإبقاء على الارتباط الأطلسي كمعادلة مناسبة أكثر من غيرها بالنسبة للأمن الأوروبي. لكن هذه المقاربة بدت لي أنها منافسة لجهد أوروبي أكبر ولتعريف دور خاص منافس لتلك الارتباطات. يبقى القول إن التحديات المطروحة من قبل الثورة التقنية العولمية للمعلومات أو الاقتصاد أو الأموال لم تؤخذ بعين الاعتبار في النقاشات الأوروبية حول دورها في العالم، حتى أن الحركات المعادية للعولمة اقتحمت بقوة المنتديات العالمية الأكثر تنوعاً بما في ذلك الاتحاد الأوروبي. لذلك، وعلى الرغم من التسارع الذي أدخل على الآلية الداخلية في عقد الانطلاق الأوروبي والتطورات الخارجية منذ سقوط جدار برلين والجدل حول السياسة الخارجية والأمنية، إلا أن ذلك العنصر الأساسي لم يدرج في تحول العالم الذي درجنا على تسميته بالعولمة. وعندما بدأ النقاش حول تأثيرات العولمة يأخذ ملامحه، بشكل خاص فيما يتعلق بالقدرة الأكبر أو الأصغر للولايات المتحدة على الرد بشكل فعال على هذا الظاهرة، يأتي الهجوم الرهيب على مركز التجارة العالمي والبنتاجون ليغير بشكل جذري الميدان في مادة الأمن العالمي. بالإضافة الى أن الأزمة الاقتصادية الأمريكية سحبت وراءها وفي غضون أشهر قلائل فقط الاتحاد الأوروبي كاشفة عري الاستقلال الأوروبي المنشود في الجانب الاقتصادي وقدرته على الحلول محل القاطرة الأمريكية. بل انه في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، لم تتم الاشارة الى الاتحاد الأوروبي من قبل رئيس الولايات المتحدة في الخطاب حول حالة الاتحاد، ففي السياسة الأمنية الأمريكية الجديدة، لا الاتحاد الأوروبي ولا الناتو، يبدو ان لهما دوراً بارزاً. والواقع أن «محور الشر» يحتل كامل الحيز المرافق للتنامي الكبير والملحوظ في نفقات الدفاع الأمريكية. فخطاب بوش هو تحديد واضح لإرادة الولايات المتحدة فيما يتعلق باتباع سياسة أحادية الجانب في موضوع الأمن العالمي الذي سيتم التحكم به، حسب أولوياته، في اطار تحالفات يعتبرها ملائمة في كل مناسبة على حدة. عندما وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قمت بالدفاع عن ضرورة اتباع سياسة تضامنية مع الولايات المتحدة. إذ أن الاتحاد الأوروبي كان ولا يزال لديه سببان وجيهان للقيام بذلك. الأول، لأن التهديد الارهابي لن يوجه ضد الولايات المتحدة وحدها، وانما ضد الجميع، وينبغي علينا جميعاً المساهمة باستئصاله. وفي المقام الثاني، لأن على أوروبا واجبا تجاه الولايات المتحدة بسبب مساعدة الأخيرة في الحربين العالميتين الرهيبتين. ومع ذلك، فإن التصريحات عن الانطلاق بلا حدود فيما يتعلق بأي اقتراح أمريكي في محاربة التهديد الارهابي الجديد، تقلقني بقدر مواقف الاقصاء في مواجهة الاعتداءات. إن علاقة صادقة مع الولايات المتحدة، متضامنين معها بسبب ما حلّ بها من ألم، تفرض علينا ان نناقش، كشركاء وليس كرعايا، ما يجب فعله من أجل محاربة التهديد الارهابي. فلن يساعدنا إلا تضامن بلا خضوع على تحديد ما ينصب عليه التهديد وأي استراتيجية مشتركة يجب تطويرها. تواجهنا صعوبة كبيرة في أن نتفاعل موضحين انه ليس كل ما تقترحه الولايات المتحدة يعد مناسباً. على سبيل المثال، الهجوم على العراق أو تهديد إيران أو اعطاء أهمية لحاكم مطلق في كوريا الشمالية وهي أهمية لا يتمتع بها اصلاً، كل ذلك إما له علاقة بسيطة أو انه لا علاقة له على الاطلاق بفاعلية النضال ضد الارهاب العالمي، بل انه من الممكن ان يساهم في تأجيجه. الآن صار أكثر صعوبة إيضاح ان الارهاب لا يخلو منه مكان، وانه من الممكن ألا يكون ملتصقاً بأي دولة بذاتها، وانه يوجه نفسه بدون أن يهتم لأي بلد أو أي هدف وأنه يلجأ الى قواعد وأدوات لا تمت بصلة الى الصراعات الكلاسيكية. والآن سيكون علينا استعادة حيز مفقود بسبب شخص آخر متفش بلا هوادة مفاده ان تلك الاعمال الارهابية ليس لها تفسير، وهو ما يعكس عمداً مسألة انه بما أن هذه الاعمال ليست مبررة فإذن من المستحيل تفسيرها. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف نحارب ما لا تفسير له؟ وكيف نتفادى بشكل عقلاني افعالاً ارهابية مستقبلية اذا صرفنا النظر عن تفسيرات ما يولدها حتى ولو كانت تلك الممارسات غير مبررة؟ لقد أعاد الواقع الجديد فتح ملف النقاش الأوروبي حول دور أوروبا في العولمة. واحتدم هذا النقاش مع انتقادات بعض القادة الأوروبيين والردود الأمريكية. لكن في جميع الأحوال، هناك شعور ينحو بانحسار الأهمية بعد التأكيد على ان الاتحاد لا يريد الاضطلاع بدور في موضوعي الدفاع والأمن، كما لو كان استعداده الوحيد هو ان يكون قوة مستفيدة بدون مساندة قوة دفاعية خاصة به. ولا يبدو ملائماً ولا حتى ممكناً ان يزاحم الاتحاد الأوروبي بمقترحات دفاعية الولايات المتحدة، لكن سياسة أمنية ترافق الهدف المتمثل في دعم الأهمية الأوروبية في السياسة الخارجية هي مسألة حتمية بشكل مطلق. وبما أننا لم نتوصل حتى الى اتفاق على تطوير طائرة مقاتلة خاصة بنا، فكيف يمكننا ان نأمل بتنسيق سياسات دفاعية وأمنية معدلين استراتيجية القوات المسلحة من أجل اهداف ليست مشتركة ومغايرة لأهداف الماضي؟ المشكلة لا تنحصر في تحديد نفقاتنا الدفاعية في خدمة الولايات المتحدة، وانما في الأخذ بعين الاعتبار وبشكل جدي ما هي ضروراتنا انسجاماً مع أهدافنا. وإذا ذهب التفكير المنطقي عكس ذلك، فإنه من السخف التأكيد على اننا نريد ان نلعب دورنا كقوة اقليمية مرموقة من أجل الحيلولة دون تنامي السياسة أحادية الجانب. يمكننا الاستمرار في دفع عناصر اعادة بناء الهياكل التعددية التي تنتظرنا. ويمكننا أيضاً توظيف أشخاص فاعلين في المساعدة على الحفاظ على السلام. لكننا سنظل بدون وزن أو أننا سنقلص وزننا الخفيف أصلاً في عملية أخذ القرارات التي تحدد وجهة مسيرة سياسة السلام والأمن في العالم برمته. عن «كلارين» ـ الأرجنتين