يصعب القول ان الاعتراضات التي ابداها روبرت بير على ضرب العراق تستند الى مبادئه، فهذا الرجل الذي كان ذراع الاستخبارات المركزية الامريكية في العراق خلال عام 1995، حث الجماعات العراقية الغاضبة على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، كانت تريد الاطاحة بالنظام العراقي وقادته، لكن بير الذي نشرت مذكراته عن حياته في جهاز الاستخبارات المركزية الامريكية الشهير بالـ «سي.اي.ايه» قبل ايام في بريطانيا تحت عنوان «لا أرى شراً» تروعه فكرة شن هجوم جوي امريكي ضد العراق الآن. وأوضح موقفه من ذلك بقوله: «اذا كانت الولايات المتحدة ستقصف الرئيس العراقي وجيشه حتى تجهز على الجيش فما الذي سيعقب ذلك؟ ما من احد يناقش التركيبة العرقية للعراق، وماذا يمكن ان يصدر عن ايران في حالة حدوث مثل هذا السيناريو». قلة من المسئولين الامريكيين ينظرون بعين الاهتمام الى الصدوع القبلية والعرقية في الشرق الاوسط كما يفعل بير، والعراق بالأخص يعاني من انقسامات داخلية ففي الجنوب هناك أغلبية يرى انها تتطلع للحصول على الدعم من دولة مجاورة ويشغل المركز الجغرافي والسياسي للبلد اتباع طائفة مختلفة بما في ذلك قبيلة النخبة الحاكمة وفي الشمال يعيش الاكراد المنقسمون الى حزبين متصارعين. يقول بير ان: «الولايات المتحدة ليست في موقع يؤهلها لاعادة خلط هذه الاوراق لأننا لا نفهم اي شيء عن البلد فلو كنت مكان الايرانيين، على سبيل المثال، لحاولت اقامة دولة في جنوب العراق واضافة ثلاثة ملايين برميل نفط يومياً الى حسابي النفطي، وذلك سوف يزاحم السعودية، بالطبع انني لا اعرف حق المعرفة ان ذلك سيحدث لكن الولايات المتحدة ايضاً لا تعرف ذلك وجوهر الجدل هو حول فكرة تدمير دبابات الجيش العراقي في غضون اسبوعين». عمل بير مع وكالة الاستخبارات المركزية طيلة 25 عاماً وارسل في مهام خارجية الى السودان، لبنان، العراق، طاجيكستان، الهند، واوروبا ولكون هذا الرجل يصف بتعابير مثيرة مدى تدهور مستوى الوكالة فإنه يضيف الكثير الى فهم السر في ان امريكا اخذت على حين غرة في 11 سبتمبر ولا يقل عن ذلك اهمية ما يقوله بير عن بلاده الولايات المتحدة وكسلها في الاصلاح الدستوري. مع اقتراب موعد نهاية خدمته في صفوف رجال الـ «سي.اي.ايه»، فتش بير كمبيوترات وكالة الاستخبارات الامريكية تلك بحثاً عن ملفات حول موضوعات تهمه مثل جهاز الاستخبارات الايراني (باسدران) والعائلة الملكية السعودية وسوريا. ونتيجة هذا البحث كما يقول بير كانت: «لا شيء. لم تكن لديهم اي معلومات. هذه هي امريكا. اليوم لا تستطيع ان تصلح نفسها». بعد ان امضى ربع قرن في الخارج يجد بير الآن صعوبة في التعرف على وطنه، ويردعه مدى الجهل السائد في الشارع الامريكي، فقضية الشرق الاوسط بالنسبة لهم ليست موضع نقاش، فهم يعتقدون بأن لاسرائيل الحق بالدفاع عن ديمقراطيتها كما تفعل امريكا لكنهم لا يفهمون ان اسرائيل لا تمنح الفلسطينيين اي حقوق ديمقراطية وهم لا يرون ان هذه ليست بديمقراطية». ويعي بير ان وكالة الاستخبارات الامريكية «سي.اي.ايه» مستاءة جداً من محاولته الادبية الاولى وما يجعل الامور اسوأ بالنسبة لها ان كتابه كان في قائمة صحيفة «نيويورك تايمز» لأفضل الكتب مبيعاً لأربعة اسابيع متتالية حتى ان بير لا يكاد يغادر شاشات التلفزة الامريكية حيث يظهر في احيان كثيرة في ثلاثة برامج حوارية في المساء الواحد. ولا يبدو بير نادماً على ترك الـ «سي.اي.ايه» حيث يقول: «افضل ان اعمل كسائق سيارة اجرة على ان اخدم في الاستخبارات المركزية لا تسألني كيث حدث هذا لكن الاشخاص الذين يعملون في الـ «سي.اي.ايه» لا يضاهون اولئك الذين وصلوا الى وادي السليكون او الذين ينتجون الصواريخ أو يتيحون الاستثمارات المستقبلية». ويتجسد ذلك في التفاصيل الحميدة التي سرد بها كتابه، فهو يتذكر مثلاً ما حدث عندما تسلم مهامه من ضابطة الاستخبارات الامريكية في باريس وتسلمه منها قائمة بالعملاء والأشخاص الذين تتعامل معهم وعندما تتبعهم بير اكتشف ان الضابطة كانت تحاول اجتذابهم الى طائفة دينية بدلاً من استخدامهم لجمع المعلومات الاستخبارية، والسفير الامريكي في باريس كان ايضاً منخرطاً في هذه الطائفة وعندما شوهد الاثنان يوزعان منشورات في الشارع، ظنت اجهزة الأمن الفرنسية ان عملية ما كانت قيد الانجاز. ولدى بير اسباب قوية تدعوه للتشاؤم حول أداء الـ «سي.اي.ايه» والسياسات الامريكية الخارجية وكتابه يعج بالأمثلة التي تدعم اعتقاده بعدم اهلية الولايات المتحدة على هذا الصعيد، ففي عام 1986 اتصلت به جماعة الاخوان المسلمين السورية في المانيا وطلبت الالتقاء به، ذهب الى مدينة دورتموند حيث اصغى الى اشخاص سوريين يقترحون عليه ايجاد تحالف استخباري ضد الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد وكتب تقريراً سرياً وبعث به الى السفارة الامريكية في بون وجاءه الرد بعد ذلك بأن الادارة الامريكية غير مهتمة بهذا الامر. لكن هذه لم تكن نهاية القصة، ففي اعقاب 11 سبتمبر بعد مرور 76 سنة على الحادثة اتصل به مكتب التحقيقات الفيدرالي ليبلغه بأن عدداً من رفاق مصادر معلوماته السوريين كانوا منخرطين في تنظيم القاعدة. وهذه القناة التي اغلقت بشكل نهائي في حينها كان يمكن ان تقودهم الى محمد عطا الذي قاد فريق هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وفي الشأن العراقي ذكر بير انه باستطاعة الرئيس العراقي ان يحبط بسهولة الهجمات الجوية المنطلقة من القواعد الامريكية في ديجو جارسيا. ويقول بير ان الرئيس العراقي يستطيع ان يحرك دباباته الى سوريا ويعلن انه ماض لتحرير الفلسطينيين ليجر بذلك اسرائيل الى حرب مع دولة عربية. وفي حين يقر بير بأن الرئيس العراقي على استعداد لاستخدام القوة العسكرية ضد المدنيين لكنه يعتقد ان سعيه لتكديس أسلحة التدمير الشامل ليس سوى استراتيجية دفاعية. ويقول ان على الغرب ان ينظر الى الامر برمته من خلال العقلية الاقليمية للرئيس العراقي الذي لا تزال ايران تشكل مصدر قلقه الرئيسي. عن هنري بورتر في «أوبزرفر»