التقاطعات التي برزت على صعيد المعارضة السودانية تثبت حقيقة كنا نبهنا اليها قبل نحو أسبوعين ـ في هذه المساحة ـ محورها ان الأزمة السودانية دخلت مرحلة «كولسة» ستخرج منها الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق فرس رهان تحاول أطراف متعددة اللحاق به. فبعد انصهار تنظيم التحالف في الحركة الشعبية استأنف حزب الأمة والحركة حواراً كان اصطدم بطريق مسدود تبادل الجانبان من ورائه رسائل مريرة بلغت في حدتها مبلغ الاتهامات. غير ان هذه التقاطعات لا تعبر عن بواعث سلبية داخل حوش المعارضة بقدر ما تؤشر في مجملها لجهة ظاهرة صحية، فتنظيم التحالف يواجه بالفعل مأزقاً مأزوماً كان سيفضي به حتماً إلى الذوبان تحت وهج الأحداث، ولذلك لم يجد مفراً من الانصهار داخل الحركة، والاحتماء بمظلة قوية أفضل من الموت في العراء. لو ان التحالف لجأ إلى هذا الخيار في ظروف مغايرة لاستحق كامل الاحترام. رغم ان اتفاق الحركة وحزب الأمة اثار عاصفة داخل حزب المهدي الا انها غير عقلانية ومبعثها حساسيات بين قيادات الحزب أكثر من كونه محور خلاف عقلاني. ربما يحق لهذه القيادات الاختلاف إزاء مسائل تنظيمية واجرائية لكن ما من أحد بينهم يمكن رفض اعادة فتح القنوات مع الحركة فكلاهما، الحزب والحركة، يشكلان رقمين لايمكن القفز عليهما في الساحة السودانية التي قد يضيرها استمرار الحائط بينهما. بهذا المنظور يكون انصهار التحالف في الحركة واعادة فتح قنوات الحوار بينها وبين الأمة يشكلان اضافتين ايجابيتين لحصيلة اجتماعات هيئة قيادة التجمع الأخيرة في أسمرا. القراءة المتأنية في نتائج وبيان القيادة توضح ان التجمع بات أكثر قناعة وتفهماً لضرورة الاعتماد على النفس أكثر من الرهان على الغير من أجل تفكيك الأزمة السودانية. التطورات الأخيرة التي اعتورت القضية السودانية كشفت للتجمع بجلاء ان ما من طرف خارجي على استعداد لتقديم حلول للفرقاء السودانيين الا بقدر ما يخدم مصلحته الملحة، هذه حقيقة لم تكن غائبة عن التجمع لكن ربما مواجهتها كما ينبغي استغرقت أكثر مما ينبغي. التجمع يواجه مأزقاً مزدوجاً بالفعل فهو مطالب بانتزاع شيء أو فرض شيء آخر وفي الحالتين ينبغي أن يكون مسلحاً بقوة للانتزاع أو الفرض. المساحات التي انتزعها على الأرض تمت والتجمع في ذروة اتحاده وتوحده وقناعاته بتلك الوحدة على اتساق ايمانه بمقرراته ومواثيقه. مياه غزيرة جرت داخل حوش التجمع وفي المنطقة من حوله في المرحلة الأخيرة احدثت شروخاً وتباعداً بين فصائل المعارضة وداخل كل فصيل وبين التجمع وحلفائه الاقليميين. النظام على الجانب الآخر لم ينج من أخطار المياه التي تدفقت، إذ تعرض هو كذلك الى تشققات، غير ان التطورات المستجدة لم تكن كلها سلبية عليه. مع لغة المصالحة التي يتحدثها النظام بدا اكثر استعداداً لاستبدال نفسه بنفسه وبدت هذه الصيغة في الوقت نفسه مقبولة لأطراف خارجية. من الواضح ان النظام تخلى عن توجهات يسميها البعض «ثوابت» وأصبح مستعداً لارتداء لكل حالة لبوسها من أجل البقاء في السلطة. ما لم يثبت التجمع انه قادر على انتزاع شيء أو فرض شيء سيكون خارج المعادلة. من هنا نفهم الانصهار واعادة فتح القنوات. بقاء الأمة بعيداً عن التجمع ـ ولا نقول خارجه ـ لن يغير الموازنة المطلوبة. عمر العمر