أكد المفكر السوري د. طيب تيزيني ان النظام السياسي العربي مهدد الآن واكثر من اي وقت مضى بالابتلاع امريكيا، وبالتالي يجب ان تخرج قمة بيروت المقبلة بنتائج ايجابية ينعكس أثرها على الواقع المعاش والانتفاضة. وأضاف تيزيني في حوار مع «البيان» ان الانتفاضة فتحت ابواباً لايمكن اغلاقها، مشيراً إلى ان المشروع الصهيوني لا يتقبل الآخر على الاطلاق، كما ان اسرائيل لن تقبل بأقل من اذلال العرب، وفيما يلي نص الحوار: ـ ما هي تصوراتك حول انعقاد القمة العربية المقبلة في بيروت واهميتها في ضوء الواقع الاقليمي والدولي الراهن؟ ـ اظن ان القمة العربية ستنعقد، وربما هناك امران يدفعان باتجاه انعقادها، الاول محاولة امتصاص ما يحدث الان في الوضع العربي السياسي جماهيرياً، بحيث يمكن ان يقال ان هناك جهوداً ما تبذل من اجل تغطية واقع الحال الراهن عالمياً ومحلياً، والعامل الثاني يقوم على ان النظام السياسي العربي يخضع الآن وبقوة واذلال ـ وهذا أمر جديد نوعياً ـ لاملاءات النظام الامريكي العولمي، وبالتالي هذا النظام لم يعد مهيأ لأن ينتج اصدقاء او حلفاء بقدر أو بآخر. اذن من هذين الموقعين القمة ستعقد وسيحاول اللعب عليها انما بحدود يعتقد انها لا يجوز الا تذهب بعيداً، بحيث يمكن ان يحقق شيئاً ما على صعيد المسائل المطروحة عربياً في المرحلة الراهنة ـ الانظمة العربية دون استثناء مهددة الان بالابتلاع امريكيا. وبالاصل عملية الابتلاع هذه هي جزء صميمي من النظام الجديد «العولمي الامبريالي الجديد». هذا النظام الذي يتأسس على فكرة مركزية هي محاولة ابتلاع الطبيعة والبشر، وتقيؤهم سلعاً، أعني بذلك ان النظام الجديد في طبائعه انه يسعى إلى ابتلاع العالم، هذه خصوصيته التي، غالباً ما اقصيت، أو لم تبحث بصورة كافية من هذا الموقع، الآن النظام العربي السياسي يعيش ازمة بنيوية. لم يعشها سابقاً، انه الان مهيأ لان يبتلع من قبل هذا النظام الذي يقوم على هذه الخصوصية أولاً وثانياً، لانه يعيش أزمة حالية، تتمثل بالموقف من الانتفاضة، وهنا موقف يدعو إلى الرثاء بالنسبة للنظام السياسي العربي هو غير قادر على ان يفك الارتباط مع النظام الامبريالي العولمي بصورة حقيقية، وغير قادر في الوقت نفسه على ان يفك الرباط الوطني والقومي مع الانتفاضة. اذن ما الحل الذي سيأتي؟ اظن ان هذا الحل سيكون ملفقاً تلفيقياً توفيقياً، يريد ان يقدم شيئاً للانتفاضة دون ان يقطع صلته مع النظام الامريكي «الامركة» ـ اذن تحديد ازمة النظام السياسي العربي بهذا الموقف المركب والمعقد يفسح المجال امام استنتاجات لا يجوز ان نذهب فيها بعيداً، ولا بأس ان يأخذ النظام السياسي العربي موقفاً حيال ما يحدث، انما فعلاً اذا عمل هذا النظام على ان يمارس حداً ما من فك الارتباط مع النظام العولمي فليكن بحدود اولية، ولكن صادقة فعلاً، لأن هناك من يحمي هذه العملية «الامة ـ الشعب ـ الانتفاضة»، وبهذا المعنى هناك مسوغات للنظام السياسي العربي لأن يطرح بعض المواقف التي قد تخرج على ما يطرحه النظام العولمي انطلاقاً من انه مرغم على اتخاذ موقف ما، وهذا ما ينبغي على النظام العولمي ان يتفهمه بطريقة أو بأخرى، لكن الذي يحدث هو ان هذا النظام الأمريكي يعيش حالة من البربرية والتوحش والغباء بحيث انه لا يستطيع ان يفهم واقع الحال، وهنا من الصعب القول بما سيأتي لان المسألة مفتوحة ومشكلة وقابلة لاحتمالات متعددة. دلالة مهمة ـ برأيكم ما هي أهمية انعقاد القمة العربية في الزمان والمكان المحددين بعد الأزمة التي اصابت مسيرة انعقاد القمم العربية؟ ـ انعقاد القمة في بيروت اريد ان يحمل دلالة مهمة ورمزاً بارزاً وهو التضامن مع لبنان، مع الجنوب اللبناني، مع القوى الوطنية والإسلامية، ولذلك كان هناك من يعمل على ابعاد القمة عن بيروت، ولكن يبدو ان المرحلة الراهنة ارغمت الرافضين على قبول واقع الحال. ولكن هؤلاء الرافضين سيحاولون اللعب اثناء القمة وفي ظني ان النظام المصري سيكون واحدا من الاطراف التي ستعمل على اللعب في هذه القمة، بحيث لا يخرج منها شيء حاسم. طبعاً خصصت هذا دون ان اعني ان النظام المصري هو وحده الذي سيقوم بمثل هذا الدور، ولكن الآن باعتبار انه لا يمكن ان يخرج احدهم وينادي برفض القمة، والا فانه سيواجه مشكلات مستعصية، اذن فلنقل جميعاً نعم ونحاول لاحقاً ان نعمل باتجاه اخر اثناء انعقاد القمة، ومن هنا ارى ان القمة ستكون في بيروت، وليس في بلد آخر. ـ وماذا عن دور الشارع العربي الآن؟ ـ الشارع العربي لاشك ان له دوراً، ولكن النظام السياسي العربي يعيش حصاراً ما بين هذا الشارع، وبين النظام العولمي الذي يسعى إلى اذلال هذا النظام العربي، لذلك لن اتوقع ان يمارس الشارع العربي دوراً كبيراً، ولكن دوره سيكون واضحاً انما وهي مرحلة انتقالية، يمكن ان تأتي ببعض النتائج الايجابية انما باتجاه نتائج قادرة فعلاً على الاجابة على المسائل المعلقة في النظام السياسي العربي. ان إسرائيل لا تقبل الآن بأقل من اذلال العرب، لذلك ليس هناك خيارات، ومن ثم لابد لهذه القمة ان تدرك ان التمايزات الايديولوجية والسياسية بين اعضائها سوف تمحى في عيون إسرائيل، فإسرائيل ستنظر إلى الجميع بمستوى واحد، انهم جميعاً مدعوون لأن يذلوا إسرائيلياً أمريكيا، وهذا ما قد يشكل حافزاً للخطو خطوة متقدمة باتجاه نتائج ايجابية بحد ما. حالة راهنة ـ ما هي الأولويات التي على القمة العربية ان تركز جهدها عليها؟ ـ الأولويات تمثل في ان هناك حالة راهنة تقوم على ان إسرائيل ترفض كل الحلول بما فيها الحلول المذلة للعرب أي القبول بطريقة أو بأخرى بالعودة إلى طاولة المفاوضات هذه الطاولة الزائفة التي ما كانت حرة، ولن تكون طاولة مفاوضات ندية حقيقية، اقول حتى هذا الأمر ترفضه إسرائيل وتدعو إلى ان ينهي الامر نهائياً، بتعبير آخر شارون قد عبد الآن مرحلة تاريخية جديدة في تاريخ إسرائيل، وهذه المرحلة التي ربما تقوم على ان هذا الكيان احس بأنه ان استمر بهذه الصيغة من العلاقات مع الفلسطينيين، فانه هو نفسه سوف يبتلع، وبالتالي المقولة التقليدية القديمة ستبرز الآن ثانية، وهي اما المشروع الصهيوني، واما المشروع العربي، ولا مصالحة بينهما، حتى من موقع المشروع الصهيوني، هذا المشروع لا يقبل بالآخر من حيث اساسه السياسي التاريخي، مشروع يقوم التهام الاخر، وعلى رفضه، ومن ثم تكاد ان تكون الآن لحظة من لحظات العودة إلى الذات الإسرائيلية الصهيونية التي بدأت تدرك ان مثل هذه الانتفاضة جديرة بأن تلتهمه، ولذلك لم يعد هناك امكانات في ظني لقبول حتى تلك الاقتراحات البسيطة التي تدعو إلى الاقرار بفلسطين دولة مستقلة حقيقية، وهنا من يريد ان يتفحص هذه اللحظة التاريخية الجديدة عليه ان يعود إلى تاريخ المشروع الصهيوني الذي قام بالاصل على رفضه لكل المشاريع لأنه يدرك ان الدخول في أي مشروع يعني الدخول في عمق المشروع الصهيوني، ولذلك الآن مع توهج الانتفاضة واستمرارها فترة مديدة، وتقديمها الادلة بأنها جديرة بالاستمرار، يدرك المشروع الصهيوني ان ما طرح سابقاً لدى بيجن واخرين الآن مدعوون إلى تأكيد اساسي عليه «لا لكل شيء ونعم للمشروع الصهيوني» وهذا يظهر من خلال رفض مشروع العودة، والدليل لا عودة حتى ضمن الشروط الاسرائيلية، فهم يدركون ان العودة ستكون وبالا عليهم ـ لا عودة ـ لا للدولة الفلسطينية، لاحد ادنى من الوجود الفلسطيني لان هذا كله سيبقى بمثابة مسمار جحا في نطاق المشروع الصهيوني، الذي سوف يبيده بطريقة أو بأخرى في اطار التقدم التاريخي، فالصهاينة الآن يعيشون مرحلة تاريخية متأزمة بعمق، وكان فرقاء منهم يعتقدون ان هناك امكانيات للتعايش مع الفلسطينيين، لكن استمرار المشروع العربي الفلسطيني هو استمرار الاعتقاد الفاعل بأن المشروع الصهيوني لا يقبل بهم هذا الموقف الجديد الذي تدلل عليه الانتفاضة جعل المشروع الصهيوني يتأكد من ان رهاناته السابقة على حد ما من التعايش بينه وبين المشروع العربي، غير ممكنة، ولا استطيع ان افهم ما يحصل الان في فلسطين الا ضمن مفهوم مقولتهم «اما كل شيء، أو لا شيء» يعني عرفات يقدم لهم كل شيء. ولا يقبلون بشيء هذا يعني انهم يريدون ان يضعوا الجميع في عنق الزجاجة، حصار كامل كلي لا يسمح بوجود فلسطيني بالحد الأدنى، وهذا نمط جديد من العبودية، هذه العبودية التي يجب ان تأخذ مداها الاقصى كي لا يشعر العبد بامكانية تحقيق حريته. الانتفاضة فتحت ابواباً لا يمكن اغلاقها، وانا لا اشك ان احداث 11 سبتمبر كانت من ورائها اسباب متعددة والانتفاضة احد هذه الأسباب الكبرى، فالانتفاضة برزت، واخذت تتحول إلى ظاهرة عربية، واخذت ايضاً تثير الرأي العام العالمي في مرحلة بدأت قوى جديدة في العالم الامريكي، الأوروبي تحدث تشققاً في النظام العولمي ذاته ابتداء من سياتل وانتهاء بكل الاحداث التي تتالت بعدها، والانتفاضة من اجل ان تنهى كان على احداث سبتمبر ان تبدأ وقد ظهر هذا مباشرة ومقولة الإرهاب صيغت وقدمت للعالم على اساس ان الإرهاب حالة يرفضها الجميع، ولكن كان المقصود من ذلك انهاء الانتفاضة باسم مكافحة الإرهاب، والاستجابة كانت ولا تزال قوية من معظم النظام السياسي العالمي، استجابة للأمريكان، لكن يبدو اننا نعيش الان حالة انتقالية، تتمثل في ان مجموعة من النظم السياسية في العالم في اوروبا واسيا وافريقيا بدأت تستعيد انفاسها لتطرح سؤالاً كبيراً، هذا السؤال يأتي بعد انتهاء حرب افغانستان هذا السؤال هو لماذا قاتلتم في افغانستان ودمرتم ولم تقدموا حتى الآن أي دليل على اتهامكم، والآن تتحدثون عن العراق وعن ايران وكوريا الشمالية ما ادلتكم. اوروبا بدأت تستفيق وتدرك انها قد تكون في خطوة لاحقة ومثلاً بلجيكا التي طرحت فكرة شجاعة هي محاكمة شارون. اسئلة كثيرة الآن في الفكر السياسي الأمريكي كيف يجرؤ هؤلاء على ان يتحدثوا عن شارون وضرورة تقديمه للمحاكمة في مرحلة تصاعد الصراع ضد ما يسمى بالإرهاب، اذا هناك يقظة اولية في الفكر السياسي العالمي حتى في الولايات المتحدة انهت المرحلة السابقة مرحلة التحفز والاضطراب والخوف، ومن هنا نفهم لماذا رفضت دول عديدة ما سماه بوش محور الشر ممثلة بالدول التي اشار اليها، بهذا المعنى نستطيع ان تقول ان امريكا في 11 سبتمبر تجاوزت أزمة عميقة كانت تمر بها والآن تجد ان هذه الأزمة تتعاظم من خلال بلدان كثيرة في العالم لاعادة بنائها على الاقل من خلال فكرة استقلال اولي عن القرار الامريكي الملزم هذا الموقف كله انعكس، وينعكس على الانتفاضة، ومن هنا ما كان يجده شارون قبل شهر من قبول لمواجهاته، أي قبول أوروبي ـ الآن بدأ ينزاح والانتفاضة أصبحت مرشحة لان تعود إلى وهجها، وخصوصاً ان النظام السياسي العربي بدأ يدرك انه مستهدف، وعملية الابتلاع لا تميز بين هذا وذاك لا ايديولوجيا ولا سياسياً اذن هناك حالة جديدة تتشكل في اطار الرأي السياسي العالمي، يمكن ان تفضي إلى نتائج ايجابية، وهذا ما على القمة العربية ان نقرأه، وتستنبط نتائجه الايجابية وتبقى مع ذلك قادرة على الحفاظ على مصالحها. ان مصالحهم ستبقى بحرز أمين وهذا لا يعني انهم يبقون القمة سائغة في فم الامريكان، وقدمت وستقدم اليهم مسوغات كثيرة للوقوف في وجه الامريكان ومبادرة الامير عبدالله مبادرة رائدة وهذا الامير بدأ يكتشف ان امريكا لا يمكن ان تمثل الا اخطبوطاً مهمته ان يبتلع الجميع، لذلك ارى انه يمثل رهاناً في السعودية وفي مناطق عربية اخرى، رهاناً من اجل الاستقلال والتحديث، وبطبيعة الحال هو امر يدعو للتفاؤل، وهو امر معقد إلى حد اقصى لأن الامريكان يجدون انفسهم امام تحد كبير لا يمكن مواجهته الا بوجود مسوغات من الداخل تسمح بتحقيق هذا التحدي. ثمن غال ـ وما هي توقعاتكم للنتائج التي يمكن ان تخرج بها القمة؟ ـ وفق التحليل المنطقي السياسي لواقع الحال، ومن موقع المصالح الذاتية للنظام السياسي العربي، ضروري ان يخرج هذا النظام بنتائج ايجابية ترتد على الواقع العربي، وعلى الانتفاضة لأنهم ان لم يخرجوا بنتائج ايجابية، فانهم سيدفعون ثمناً غالياً من النظام الامريكي العولمي ومن الشارع العربي. ضروري ان تتخذ مجموعة من الاجراءات التي تؤكد على مفهوم التقدم والاستقلال والتضامن العربي وعلى حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة والشعب اللبناني والشعب السوري ولذلك هناك حد ما من التفاؤل ان تأتي القمة بشيء ما يدعو إلى اعادة النظر بالواقع العربي الراهن، واتمنى ان يكون لدى الحضور فيها وعي تاريخي وعالمي وعربي لأن مثل هذا يمكن ان يؤسس لحالة جديدة من الحوار العربي مهما كانت الاطراف وانتماءاتها الايديولوجية والسياسية فمفهوم الدولة يراد له ان يسقط. إذن هو رهان كبير أمام هذه القمة التي نتمنى فعلا ان تخرج ببعض النتائج الايجابية التي يمكن ان تطور بشكل أو بآخر.