الملف السياسي: «اذا قتلت من اجل الحزب فأنت ثائر، واذا سرقت من اجل الحزب فأنت مناضل، اما اذا قتلت وسرقت من اجل نفسك ومصلحتك فأنت.. مجرم». تحت هذا الشعار كانت الحركات والاحزاب والمنظمات اليسارية والعلمانية والثورية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، تواجه السلطة اليمينية الرأسمالية وسلطة الكنيسة في اوروبا، ثم فيما بعد، في اسيا، وامريكا اللاتينية وافريقيا، وصار اغتيال الخصوم وسرقة البنوك وتخريب المنشآت العامة عملاً يكتسب شرعية ثورية شرط ان يتم باسم الحزب، وبعد انهيار الامبراطورية السوفييتية كان يفترض ان ينتهي التاريخ وتختفي المواجهات الايديولوجية ومعها الشعارات اليسارية والثورية.. ولكن هذا لم يحصل. لماذا؟ الاجابة تكشف عن «مكر التاريخ» اذ ان اعداء الامس تبنوا الشعارات نفسها، ومارسوها عملياً، ولكن بعد تهذيبها بما يتناسب مع عالم الرأسمالية، كيف؟ هنا حكايتان لبطلين معاصرين، مازالت مغامراتهما تتصدر الصفحات الاولى للصحف الغربية، وتتابع شبكات التلفزيون تغطيتها بالتفاصيل، البطل الاول سرق لمصلحته الشخصية والثاني سرق باسم الحزب. اي حزب؟ وهل تملك الرأسمالية غير حزب البنوك التي تحولت مجالس اداراتها الى لجان مركزية تضم في عضويتها قيادات تتمتع بحصانة قانونية تمنع مساءلتها مهما ارتكبت من خطايا واخطاء وشردت من عائلات.. فهي تعمل باسم الحزب، وهي حصانة لا يتمتع بمثلها حتى رؤساء الجمهوريات. المتهم الاول مجرم فرانك جروتا دوريا عمره 44 عاماً، سلّم نفسه الى رجال مكتب التحقيق الفيدرالي يوم السبت الاسبق، بعد ان تعرض لحملة مطاردة لا سابقة لها، منذ اختفائه يوم 11 يناير الماضي. التهمة التي يواجهها هي اختلاس مبالغ لا تقل عن (125) مليون دولار من عملاء شركة «ليهمان براذرز» للخدمات المالية. والمتهم شخصية تتكامل فيها العناصر السينمائية، فهو امريكي من اصل ايطالي، وسيم وعاطفي وغني، كتب الى صديقته قبل ان يختفي رسالة قال فيها: «انا لست الرجل الذي كنت تحسبينه..». كما كتب الى امه، في اثناء مطاردته رسالة قال فيها: «لا اعرف كيف اعيش هارباً ومطارداً، انني فعلاً اشعر بالذعر، ولكن تذكريني دائماً عندما كنت فتى صغيراً وسعيداً». وتبلغ عاطفية هذا الايطالي الصغير ذروتها في رسالة كتبها الى مكتب التحقيق الفيدرالي، اعترف فيها بأنه وعلى مدى (15) عاماً قام باعمال تضليل غير لائقة لزبائنه، «ولكنني لم اخذ النقود لمصلحتي الشخصية فقد بدأت هذه الافعال لتعويض خسائر عملائي ثم تشعبت بعد ذلك.. انني اشعر بأزمة ضمير ولم اعد قادراً على الاستمرار، انني اشعر بالخجل والاسى بسبب ما فعلته». الضحايا: نود لو نقتله وما فعله فرانك يدعو الى ما هو اكثر من الاسى والاسف، فالأرملة والجدّة جولدا ستوت (86 عاماً) كانت تعتقد وفقاً للبيانات التي كانت تتلقاها من فرانك ان ثروتها التي وضعتها تحت اشرافه ليتولى ادارتها زادت على (2.5) مليون دولار، لتكتشف فيما بعد ان رصيدها في الواقع لا يزيد على 86 الف دولار. تقول الارملة: «اود لو كان باستطاعتي ان اقتله في هذه اللحظة، ولكن عندما انظر الى الماضي، اشعر انه فعلاً كان غاية في الرقة معي، كان يصحبني احياناً للعشاء في المطعم، واحياناً ينقلني بسيارته لانجز عملاً ما، وكان يتفقد منزلي ليتأكد ان احداً من اللصوص لم يدخله، وفي كل مرة كان عندما يودعني يربت بيده على خدي..». ومن ضحاياه ايضاً عمته فيرجينيا التي رفضت ان تبوح لصحيفة «وول ستريت جورنال» بالمبلغ الذي اختلسه منها، وانما قدرته بملايين الدولارات، قالت: انني اشعر بالصدمة. البراءة الصعبة وقد نشط فرانك بين العائلات الامريكية من اصل ايطالي، وكان ابرزها اسرة فيسكونسيس التي تملك سلسلة من المطاعم وبلغت خسائرها معه حوالي (40) مليون دولار، يقول معارفه انه كان حميماً في علاقاته معهم، يشاركهم احزانهم وهو يتحدث عن زوجته المصابة بمرض في القلب وعن ابنه المصاب بالسرطان، ولكن كما اكتشفوا لاحقاً، كان قد انفصل عن زوجته، كما ان لديه ثلاثة ابناء وكلهم يتمتع بوافر الصحة. ولم يكن صعباً على فرانك خداع السلطات المحلية حيث زعم انه حصل على شهادة الماجستير من احدى ابرز الجامعات في ولاية اوهايو، وتبين لاحقاً انه لا وجود لاسمه في سجلات الجامعة. رغم كل ذلك فإن فرانك يمكن ان يخرج من المحاكمة بريئاً اذا استطاع محاموه البرهنة على انه لم يستفد شخصياً من الاموال التي حصل عليها. بل خسرها نتيجة لسوء تقديره واندفاعه الطائش لتنمية ثروات عملائه، ولكن البراءة تبدو صعبة حتى الان، فهو يملك منزلاً اقرب الى القصر. وكذلك شاليه في احد المنتجعات، وهو شريك في ملكية طائرة خاصة مع صديق له، وكان يقوم بتغيير سيارته المرسيدس بشكل متواصل، ويقيم في منزله حفلات خاصة وباذخة.. وكل هذا يجعله اقرب الى المجرم فهو لا يعمل لمصلحة البنك، اي الحزب، وانما لمصلحته الشخصية. البطل في خدمة الحزب البطل الاخر في هذا المسلسل العالمي هو جون روسناك، عمره 37 عاماً، يعمل تاجر عملات في مصرف (اولفيرست) في مدينة بالتيمور الامريكية، راتبه لا يزيد على 60 الف دولار سنوياً، اختفى في مطلع العام الجاري من المصرف، واختفى معه مبلغ 750 مليون دولار، وبعد ايام سلّم نفسه الى السلطات المحلية، وهو بصحبة محاميه، وعندما خرجت الفضيحة الى العلن. سقطت اسعار اسهم البنك، وهو فرع لبنك في ايرلندا، وبلغت خسائر المساهمين في يوم واحد 1.2 مليار دولار، ومعظم هؤلاء المساهمين من المتقاعدين، وعددهم يقدر بعشرات الالوف، ومع ذلك فإن جون روسناك حتى الان بريء لأن التحقيقات حول حياته الشخصية كشفت انه في كل يوم احد يصحب اسرته الى الكنيسة، وانه امريكي نموذجي يهتم بالعناية بحديقة منزله الذي اشتراه بمبلغ 130 الف دولار فقط وبالتقسيط. وانه يهتم برعاية اولاده، وهو محب لجيرانه ويشارك في اللجان الخيرية، ويصفه زملاؤه في العمل بأنه بالغ الحيوية ومخلص وحقق للبنك في احدى السنوات ارباحاً وصلت الى 8 ملايين دولار نتيجة مضاربته بالعملات. ومع انه قام بتزوير ما يزيد على 20 عقداً مع بنوك زعم انها في الشرق الاقصى ويتعامل معها الا ان محاميه يقول انه قام بهذا العمل «عن حسن نية» في محاولة لاسترداد بعض الخسائر التي مني بها في رهانه على العملات. ويعيش روسناك الان مع اسرته في منزله، بينما التحقيقات مستمرة، واذا ثبت ان روسناك كان يحاول فعلاً ان يحمي «الحزب» فإن براءته مضمونة. الجريمة و.. العقاب الغائب الى اين يقودنا هذا كله؟ صحيفة «وول ستريت جورنال» في المانشيت الرئيسي يوم 25 فبراير الماضي كشفت في تقرير نشرته ان البيت الابيض يسعى الى «تسهيل انزال العقوبة بالمدراء التنفيذيين في الشركات» ونقلت عن وزير الخزينة بول اونيل قوله: «ان بعض ما نتحدث عنه هو ان نرفع المستوى لدى المدراء.. وبدلاً من استخدام عبارة الاندفاع يمكن ان نستخدم عبارة التجاهل او الاهمال.. وهذا سوف يكون تغييراً كبيراً»، ومع ان الوزير لم يذكر اسم شركة «انرون» التي اشهرت افلاسها واطاحت بمدخرات مئات الآلاف من المساهمين الا ان الفضيحة كشفت ان هناك خللاً في هذه الرأسمالية الشرسة البعيدة عن رقابة الحكومة، وحتى الان كان هذا الخلل يتحول وحشاً يلتهم من هم في الخارج، في ماليزيا والارجنتين مثلاً، ولكنه مع شركة انرون وبنوك اخرى ومؤسسات مالية عريقة تعلن انهيارها بين ليلة وضحاها فإن هذا الوحش ينتقل الى الداخل ليلتهم رعاياه. الثورة تأكل ابناءها، ومثلها الرأسمالية، اليس هذا ما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق؟