الملف السياسي: فرضت المبادرة التي طرحها ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز نفسها على الساحة السياسية العربية والدولية، منذ أن تم الكشف عنها في حديثه الى توماس فريدمان الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 17 فبراير 2002 فقد رحبت الدوائر الدبلوماسية في الوطن العربي وأوروبا والولايات المتحدة، بالاقتراح السعودي الذي يقضي باقامة علاقات مع اسرائيل بشرط انسحابها من كامل الأراضي العربية. والمبادرة السعودية قد لا تتضمن شيئا جديدا من حيث المضمون، فعناصرها تمثل ثوابت معروفة في السياسة العربية منذ مؤتمر القمة العربية الاستثنائي الذي انعقد في القاهرة في يونيو عام 1996، عندما أعلن العرب تمسكهم بالسلام كخيار استراتيجي بشرط أن تنسحب اسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة، لكن الجديد أنها تربط بالاعتراف العربي الكامل بالانسحاب الاسرائيلي الكامل حتى حدود 4 يونيو 1967، بما في ذلك القدس الشرقية واقامة الدولة الفلسطينية. وحسنا فعل الأمير عبدالله عندما أعلن اعتزامه عرض المبادرة على القمة العربية الدورية التي ستعقد في بيروت خلال الفترة من 27 -28 مارس الجاري، والمنتظر أن يحظى الطرح السعودي بموافقة عربية اجماعية، وأن تتبناه قمة بيروت باعتباره رسالة للعالم أجمع بأن العرب يسعون الى السلام ورسالة الى الاسرائيليين لكي يثوبوا الى رشدهم. إن الاقرار العربي للمبادرة السعودية الشجاعة والجريئة من شأنه أن يفضح ممارسات شارون أمام الرأي العام العالمي، وأن يكسر حالة الجمود التي تمر بها عملية السلام، لأن المبادرة تمثل رؤية سياسية واضحة لحل النزاع العربي - الاسرائيلي بصورة تخدم جميع الاطراف، وعلى أساس مرجعيات الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة. إن ثمة فرصة تاريخية سانحة لتحريك الموقف الحالي الذي يشوبه اليأس، واعادة اطلاق عملية السلام مرة أخرى، إذ تجيء المقترحات السعودية بمبادرة ايجابية في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، كما تعتبر محاولة عربية جديدة للخروج من المأزق الخطير الذي تواجهه عملية السلام. كما تكتسب المقترحات السعودية أهمية خاصة، لأنها تأتي من إحدى الدول العربية الرئيسية ذات الثقل في المنطقة ولأن موقفها من الاعتراف والتطبيع لا يخصها هي فقط، وإنما تمتد آثاره الى العالمين العربي والاسلامي. إن تناول القمة العربية للمبادرة السعودية كفيل ببث الحيوية في جدول أعمالها. حيث يعيد الموقف العربي الى نقطة التفاوض الجماعي وضرورة تلازم المسارات في المفاوضات مع اسرائيل، كما أن من شأنه أن يعيد الصراع العربي - الاسرائيلي الى شموليته، واضعا سقفا للمطالب وخطا أحمر لما يمكن تقديمه لقاء الانسحاب الشامل، ودولة فلسطينية عاصمتها القدس. ستكشف القمة العربية، لو وضعت المبادرة على جدول أعمالها، أنها لا تقترح حلا للمشكلة الفلسطينية فقط، لكنها تعيد أيضا بعض الروح الى النظام العربي وذلك بإحياء الموقف العربي التفاوضي الموحد. مضى زمن طويل لم تعقد خلاله قمة عربية ذات جدول أعمال يمكنه انتاج رؤية أو تشكيل إضافة عربية مهمة، واليوم تأتي المناسبة، ليؤكد زعماء العرب أن بإمكانهم التداول في مستقبل شعوبهم، وباستطاعتهم مخاطبة العالم ببيان لم يكتب مسبقا، أو كان يمكن أن يصدر عن أي قمة سابقة. وردود الفعل العربية والدولية تشجع على التفاؤل بأن تتبنى قمة بيروت القادمة المبادرة وتتمسك بحيويتها وثوابتها على السواء. فهي تجمع بين عدم الجمود مع عدم التفريط، ويمكنها اخراج العرب من المراوحة والهامشية وكسر الحصار المفروض، خصوصا على العقل العربي الذي تعود ردود الفعل بدل الفعل، كما يمكنها مخاطبة العالم وأوروبا تحديدا لتشكيل حلف الاعتدال المستند الى الشرعية الدولية ولعقلنة القوة العسكرية الأمريكية الهوجاء. لكن من المؤكد أن قبول تل أبيب لمبادرة ولي العهد السعودي، المنتظر أن تنتهي الى موقف عربي اجماعي، مشكوك فيه، لأن اسرائيل غير مستعدة للسلام، وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في الصراع العربي - الاسرائيلي. ولا يفهم من دعوة الرئيس الاسرائيلي الموجهة الى الأمير عبدالله لزيارة القدس، أو دعوة نفسه لزيارة الرياض، إلا محاولة جلية لحصار المبادرة السعودية وفصلها عن اطارها العربي والاسلامي، والاستمرار في المسارات المنفردة، ووضع المبادرة في اطار ثنائي خاص يخدم قضية التطبيع العربي مع اسرائيل دون الاعتراف بحقوق الفلسطينيين. وإنسجاما مع ذلك يواصل رئيس الوزراء الاسرائيلي آرييل شارون الغرق يوما تلو اليوم في أوحال سياساته الاجرامية الارهابية بحق الشعب الفلسطيني، مثبتا بذلك على نحو لا يمكن أن يتطرق اليه أي شك، أنه مصمم مع سبق الاصرار والعمد على التهرب من أي فرصة معقولة لتحقيق السلام مع العرب، بل ويعمل على تدمير أي مسعى لتحقيق سلام شامل وعادل قائم على أساس القرارات الدولية. كما يأتي العدوان العسكري الاسرائيلي الأخير الواسع على مخيمي اللاجئين الفلسطينيين قرب نابلس وجنين، نذيرا بمذابح من المحتمل جدا أن شارون يريد اضافتها الى سجله الأسود بدافع «التطهير العرقي» المتأصل في نفس ونفوس عناصر اليمين الاسرائيلي المتطرف المنادين بسياسة «الترانسفير» أي حمل سكان فلسطين العرب الأصليين على مغادرة وطنهم التاريخي. إفلاس شارون لقد جعل شارون تطبيق وثيقة تينيت وتوصيات تقرير ميتشيل أمرا مستحيلا من خلال شروطه التعجيزية التي طالب الفلسطينيين بالتزامها، ومنها الهدوء التام لسبعة أيام كاملة، فيما كان يواصل اصدار أوامره باغتيال النشطاء الفلسطينيين والتوغل في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية وتدمير منازل الفلسطينيين ومزارعهم وقطع أشجارهم، وها هو، بعدما نالت مبادرة ولي العهد السعودي السلمية المشروطة، تأييدا عربيا وعالميا واسعا، يعلن أنه يعتزم تنفيذ خطته لتوسيع الحدود البلدية لمدينة القدس، بضم قرى مجاورة لها الى تلك الحدود لتشكل المدينة بحدودها الجديدة عشرة في المئة من المساحة الكاملة للضفة الغربية. وإذ يزعم شارون وساسة اسرائيليون كثيرون على شاكلته أن «القدس الموحدة» هي عاصمة اسرائيل الى الأبد، فإنه يضع اسرائيل على خط تصادم مع العالم العربي والاسلامي، وأيضا مع قرارات الأمم المتحدة ومع مبادرة ولي العهد السعودي التي تشترط لاقامة العرب علاقات عادية مع اسرائيل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة منذ يونيو 1967، بما في ذلك القدس الشرقية لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية. لقد أفلس شارون سياسيا وعسكريا، بعدم تقديمه أي مشروع سياسي للسلام وعدم تحقيقه الأمن للاسرائيليين الذين بات كثيرون منهم يدركون مدى تخبط سياساته وأصدروا شهادة بافلاسه، خصوصا بعد الخطاب التلفزيوني والاذاعي الأخير الذي وجهه اليهم، ولم يذكر فيه أي جديد، بل ظل أسير سياساته نفسها، وهي المزيد من العدوان على الفلسطينيين والتشبث بالاحتلال البغيض والاستيطان اللاقانوني في الأراضي الفلسطينية. إن مجرم حرب مثل شارون، يسد آفاق الحلول السلمية، ولكن حان الوقت لأن يعلم أن ليس بوسعه المضي في فرض شروطه على الفلسطينيين والعرب والعالم من جانب واحد، وفي هذه المرحلة التي صار الفلسطينيون يثبتون فيها لشارون وأتباعه أنهم قادرون على زعزعة الأمن الاسرائيلي، كلما أخلت اسرائيل بأمنهم، ينبغي تعزيز الجهود الفلسطينية والعربية الرامية الى مخاطبة المعتدلين في اسرائيل لتعميق اقتناعهم بأن شارون وسياساته كارثة يجب وضع حد لها وتكمن أهمية مبادرة الأمير عبدالله في كونها موجهة الى الرأي العام الاسرائيلي الذي يمسك وحده بمفاتيح التغيير. رسالة صريحة لامريكا ولعل المبادرة السعودية تكون كذلك بمثابة رسالة صريحة موجهة الى الولايات المتحدة، إما أن تمارس مسئولياتها كدولة عظمى راعية لعملية السلام، وتلزم اسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، أو أن يتفاقم الوضع أكثر فأكثر وتتحمل واشنطن الى جانب تل أبيب المسئولية الكاملة لامكانية تغيير المعادلات الاقليمية وتقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة، مع استمرار الانحياز الأعمى لاسرائيل. الرأي السائد في واشنطن هو أنه لا يجوز أن تحل مبادرة الأمير عبدالله مكان «خطة ميتشيل» ولا مكان «ترتيبات تينيت» على رغم أن التطورات المتسارعة قد تجاوزتهما، إذ أنهما لا يزالان يوليان الأهمية القصوى للترتيبات الأمنية على حساب الحلول السياسية للصراع، كما أن هذه السنة هي سنة الانتخابات للكونجرس في الولايات المتحدة، ولا تريد ادارة بوش أن تغامر بمجابهة مع الليكود، حيث لا يزال أنصاره في الولايات المتحدة يحاولون جهدهم للتقليل من شأن مبادرة الأمير عبدالله. والمطلوب الآن هو أن تكون الأفضلية العربية الرئيسية هي تأمين أوسع دعم دولي ممكن لمبادرة الأمير عبدالله. لقد أظهر الاتحاد الأوروبي تأييده، وقام المسئول الأول عن السياسة الخارجية فيه، خافيير سولانا بزيارة الرياض ليستمع الى آراء الأمير بشكل مباشر. ولا يخفى أن تجرؤ أوروبا على معاكسة الغلو الأمريكي في الانحياز الى اسرائيل قد ساعد بقوة في تحقيق الاختراق الحاصل دوليا، للجمود على صعيد القضية الفلسطينية، وفي نقل النقاش في شأن المواجهات الفلسطينية - الاسرائيلية وسياسة التصفيات والتهجير والاجراءات الاسرائيلية الدموية، من سجال الالتزام الفلسطيني بمكافحة الارهاب، الى بحث سبل العودة الى خيار الحل السياسي للقضية الفلسطينية، إن أمام القمة العربية القادمة تحديات كثيرة، منها ابتداع صيغة مشروع سياسي يبقى على الأوروبيين الى جانب العرب كحلفاء لهم في تعديل الموقف الأمريكي. إن على الدبلوماسية العربية الآن أن تسعى سعيا حثيثا لاقناع الولايات المتحدة وأوروبا والمجتمع الدولي بكامله، أن مبادرة الأمير عبدالله هي أكبر اختراق في مسيرة الصراع العربي الاسرائيلي منذ مؤتمر مدريد عام 1991، وستكون المأساة كبيرة إذا ما نجحت الاعتبارات الانتخابية المحلية والضغوط التي تمارسها جماعات الضغط الصهيونية في تفويت واشنطن لهذه الفرصة الكبيرة للتوصل الى تسوية شاملة في الشرق الأوسط. تخطئ القمة العربية القادمة، لو لم تلتقط روح المبادرة أو لو تعاملت معها كامتداد للغة الدبلوماسية المعبرة عنها تقليديا في الجامعة العربية وقرارات وزراء الخارجية والقمم العربية. فالمبادرة اعلان سياسي فريد في ظروف استثنائية وهي مشروع عربي متكامل للمستقبل. ـ كاتب مصري