الملف السياسي: مبادرة الأمير عبدالله، بغض النظر عن دوافعها أو نتائجها النهائية، جاءت في توقيت دقيق بالنسبة للأطراف المعنية أو المنغمسة في الشأن الفلسطيني. حيث فرضت مسارا جديدا للأحداث أو على الأقل للجهود الدولية التي تبذلها أطراف عدة من أجل الخروج من الدائرة الدموية المفرغة التي آلت اليها الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن الملفت للنظر أن كافة الأطراف تعاملت بحذر مع المبادرة فيما عدا أوروبا الموحدة والسلطة الفلسطينية. فالدول العربية التي أفصحت عن مواقف مساندة للمبادرة اكتفت على الصعيد الرسمي بمطالبة اسرائيل بأن تكون أكثر واقعية وجدية في التعاطي مع ما طرحه ولي العهد السعودي، بينما عارضت القوى السياسية المناهضة للتطبيع المبادرة واعتبرتها شبيهة بمبادرة الرئيس السادات وزيارته للقدس وأنها تدفع العرب نحو تطبيع جماعي مع الكيان الصهيوني. وزادت فصائل المقاومة الفلسطينية على ذلك رفضها القاطع لتجاهل المبادرة الاشارة لحق الفلسطينيين في العودة لأراضيهم. ومن جهتها فإن تل أبيب راحت تبحث عن مكسب تطبيع العلاقات مع الرياض قبل وبمعزل عن شرط المبادرة الرئيسي ألا وهو انسحاب اسرائيل الى خطوط الرابع من يونيو 1967 وبعبارة أخرى فقد تعامل الاسرائيليون مع الجزء الذي يرغبون فيه وتجاهلوا عن عمد بقية المبادرة السعودية مرجئين أمر الانسحاب المطلوب الى مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين ودون اشارة لأي من سوريا ولبنان. بل إن الولايات المتحدة ذاتها ورغم ترحيبها «المتباطئ» بما أعلنه الأمير عبدالله من عزمه على طرح مبادرته على قمة بيروت العربية في نهاية هذا الشهر، لم تحرك ساكنا لتهيئة الأجواء الملائمة لاستنبات المبادرة بل وامتنعت عن اجراءاتها الروتينية المعتادة عند احتقان الأوضاع في الأراضي المحتلة وفي مقدمتها ارسال مبعوث يدخل كما يخرج بخفي حنين. الفلسطينيون في السلطة الوطنية، والاتحاد الأوروبي هم وحدهم الذين دعموا المبادرة دون تحفظات، واذا كان ياسر عرفات ورجاله لم يستطيعوا سوى مناشدة كافة الأطراف التعاون البناء مع مبادرة الأمير عبدالله فإن «خافيير سولانا» بادر بعد أيام قليلة من الاعلان الأول عن مقترحات ولي العهد السعودي الى القيام بجولة مكوكية فيما بين اسرائيل والسعودية ومصر والأردن لتقريب وجهات النظر ولنقل الاقتراحات التي يمكن أن تخلق آليات عمل لوضع المبادرة موضع البحث الجدي. والحقيقة أن «سولانا» لم يقم بذلك لاعتبارات وظيفية تتصل بدوره كمنسق للعلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي وحسب بل ولتدعيم توجه أطراف أوروبية تتقدمها فرنسا نحو اتخاذ المبادرة السعودية نواة لكرة ثلج تتعاظم بالوساطات الدبلوماسية وهي تنحدر من علياء الأفكار الى واقع الحياة. فالمبادرة بالنسبة لهذه الأطراف جاءت كطوق انقاذ للمساعي الأوروبية التي تحطمت بقسوة أمام التعنت الاسرائيلي والانحياز الأمريكي لوجهة نظر شارون والموافقة الانجليزية «الاتوماتيكية» لما تراه واشنطن فقبل نحو شهر انتقد وزراء الخارجية في الاتحاد الأوروبي الاعتداءات الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني وأدانوا حصار الرئيس عرفات في رام الله معلنين عن رفضهم لأي محاولة لتصفية السلطة الوطنية الفلسطينية، وأعقب ذلك تقدم فرنسا باقتراح لوقف تدهور الأوضاع في الأراضي المحتلة، ويقضي هذا الاقتراح باعلان موافقة اسرائيل المبدئية على اعلان دولة فلسطينية على أن تعقب هذه الموافقة المفاوضات بين الطرفين لمناقشة تفاصيل العلاقة بين الدولتين الجارتين. الشريك المطيع ومنذ رفض «شارون» القاطع لهذا الاقتراح تعرضت مصداقية الدول الأوروبية لمحنة حقيقية وتشكك العرب في امكانية الاعتماد على دور أوروبي أقل انحيازا لاسرائيل وأكثر واقعية في نظرته لمعاناة الشعب الفلسطيني. وساد الاعتقاد بأن المخترعات الأمريكية، كالحرب ضد الارهاب، وتصفية ما يسمى محور الشر لم تترك لأوروبا أي فرصة للقيام بأي دور عدا دور الشريك الصغير المطيع الذي تقوم به بريطانيا بنجاح منقطع النظير منذ عام 1957. ولم يكن هذا الاعتقاد وليد فهم مبتسر لمجريات الأمور عقب الرفض المهين لمبادرة فرنسا ومن بعدها اقتراحات «يوشكا فيشر» وزير الخارجية الألماني، وإنما ساد هذا الاعتقاد بسبب ردة الفعل الأوروبية ذاتها، إذ راحت أوروبا تتحرك بحذر شديد وفي اطار ضيق للغاية يكاد أن ينحصر في انقاذ «رقبة عرفات» من مقصلة شارون. لقد بدا واضحا عشية افصاح الأمير عبدالله عن مبادرته أن الدور الأوروبي قد فقد ديناميكيته بالقدر نفسه الذي فقدت به أوروبا الثقة في نفسها كطرف فاعل في العلاقات الدولية. ولذا لم يكن المستغرب أن تقبض أوروبا على هذه المبادرة وتتخذها أساسا لتحركاتها في المنطقة. وتفصح تحركات «خافيير سولانا» في هذه المرحلة عن توجه أوروبا للتثبت من فحوى المبادرة السعودية والمدى الذي سيذهب اليه الدور السعودي إبان اجتماعات القمة العربية القادمة خاصة وأن الجانب الاسرائيلي لم يركز سوى على امكانية عقد اجتماعات مباشرة مع مسئولين سعوديين في القدس أو الرياض، ومن المرجح أن المبعوث الأوروبي قد حمل الى ولي العهد السعودي رغبة تل أبيب في أن تتم لقاءات سعودية اسرائيلية، سرية أو علنية كشرط لاثبات مصداقية المبادرة السعودية. وليس من المستبعد أن تواصل أوروبا ضغوطها على السعودية لاقناعها بجدوى مثل هذه الخطوة في احراج الاسرائيليين ودفع أوروبا وأمريكا لممارسة نوع من الضغط على حكومة شارون. والمثير للقلق في التحركات الأوروبية أنها حتى الآن لم تنظر الى المبادرة السعودية إلا بوصفها حلاً لوقف العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثم فهي تركز على «مستقبل الدولة الفلسطينية» وهو ما ظهر جليا في لقاءات سولانا في كل من القاهرة وعمان، العاصمتان الأكثر التصاقا ونفوذا لدى السلطة الفلسطينية والأقرب للقيام بأدوار الوساطة بينها وبين الحكومة الاسرائيلية. وإن كان بعض المراقبين السياسيين يرى مبررا وجيها لعدم صدور أي آراء أوروبية تتعلق بالجولان السورية والتي يفترض أن الاقتراح السعودي بانسحاب اسرائيل من الأراضي المحتلة بعد 5 يونيو 1967 يشملها هي الأخرى الى جانب الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا المبرر هو صمت دمشق البليغ وعدم صدور أي تعقيبات من القيادة السورية على المبادرة السعودية. وعلى النقيض من هذه الرؤية التي يراها آخرون مغرقة في النوايا الحسنة، فإن هناك من يرى في الصمت الأوروبي عن «الجولان» انحيازا ضمنيا للموقف الاسرائيلي الذي يرفض الاقتراب من المفاوضات على المسار السوري إلا بعد تخلي دمشق عن شرطها المسبق في أن يكون مبدأ الأرض مقابل السلام هو المهيمن على هذه المفاوضات أي حصول سوريا على الجولان كاملة نظير اتفاق سلام مع تل أبيب. ومهما يكن من أمر فإن تصريحات المسئولين الأوروبيين الأكثر نشاطا، أي سولانا وفيدرين الفرنسي وفيشر الألماني تركز على ضرورة احراز تقدم على المسار الفلسطيني قبيل انعقاد قمة بيروت حتى لو كان هذا التقدم هو مجرد السماح للرئيس عرفات بحضور القمة بينما الدبابات والطائرات الاسرائيلية تدك المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين حولها آناء الليل وأطراف النهار. وليس ذلك فحسب بل يحتل انفراج العلاقات بين تل أبيب والرياض مكانا متقدما في جدول أعمال الاتحاد الأوروبي لتفعيل المبادرة السعودية، وتراهن أوروبا في ذلك على رغبة شارون الملحة في حصول مثل هذا اللقاء لتخفيف العزلة الدولية التي تعاني منها حكومته بسبب أعمال الابادة التي تشنها ضد الفلسطينيين وأيضا على تطلع المملكة العربية السعودية للتخلص من الضغوط التي يمارسها اللوبي اليهودي في واشنطن على الادارة الأمريكية لدفعها نحو اتخاذ اجراءات عقابية ضد المملكة وخطابها الديني المتهم الآن بالتحريض على العنف والارهاب!! والخلاصة هنا أن أوروبا تتعلق بأهداب مبادرة الأمير عبدالله لاستعادة دورها في المنطقة انقاذا لسمعتها ومصداقيتها التي تآكلت في ظل الأجواء المحمومة «للحرب ضد الارهاب» ولكنه تعلق لا يرقى بدور أوروبا على مستوى المبادرة ذاتها أو بالأدق الى مستهدفها الرئيس في انسحاب اسرائيل من الأراضي التي احتلتها في 1967 لقاء تطبيع عربي كامل معها، فأوروبا معنية فقط بانقاذ السلطة الفلسطينية التي ولدت في عواصم أوروبية من أوسلو الى مدريد ولكنها بعد لم تغادر سياج الموقف الاسرائيلي من الجولان مثلما لم تشب بعد عن طوق التفرد الأمريكي بالقرارات الأكثر حيوية. بالاختصار أوروبا تريد «إنقاذ» نفسها قبل «إنقاذ» المبادرة السعودية. ـ كاتب سياسي - مصر