الملف السياسي: في الوقت الذي تعطشت فيه المنطقة العربية لمبادرة تحقن الدماء الفلسطينية في الاراضي المحتلة، وانتظر العالم الغربي خروج صوت عربي يحظى بحسن الاستماع.. ووقف انصار السلام في العالم كله على درج السلم، في حيرة من أمرهم بعد ان توارت جرائم الحكومة العسكرية خلف اخبار وتبعات احداث 11 سبتمبر.. جاءت مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله تدعو لانسحاب اسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، في مقابل قيام علاقات عربية طبيعية معها، تلك المبادرة التي وجدت ترحيبا غربيا، وثمة تحفظات وانتقادات من بعض الدول العربية وبرودا اسرائيليا مثيرا للشكوك. حول المبادرة السعودية التقى «الملف السياسي» روبيرت فان أوس خبير الشئون الشرق أوسطية ـ الأوروبية في حوار صريح، وسأله فيما اذا كانت مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله ستمنح الفرصة لاشراك الاتحاد في وساطة أكثر فعالية من ذي قبل في حل مشكلة الشرق الأوسط، فقال: ـ نعم.. ولا في ذات الوقت، وقد يكون من غير المناسب ان أطرح اجابتي على هذا السؤال بعدة استفسارات عملية هي نوع من الواقعية السياسية، ومن خلال فهمي المتواضع لظروف منطقتكم العربية، ذات الخصوصية التاريخية من ناحية طبيعة علاقات الحكومات العربية ببعضها، وسيطرة المصالح الفردية التي لم ترق بعد لوحدة مصالح جغرافية، في اطار اقتصادي يرسم الخطوة السياسية، ومن هذا المنطلق أسأل بشكل مباشر وصريح: هل أتت مبادرة الامير عبدالله في وقتها المناسب؟.. لماذا تأخرت طيلة السنوات الماضية حيث كانت هناك أكثر من فرصة في الماضي أفضل ملاءمة؟ ومراحل مختلفة اتسمت بمناخ سياسي خصب يخلو من حمامات الدماء؟ ألم يكن من الصواب تمهيد الاجواء العربية أولا قبل اعلان المبادرة؟ والأمير عبدالله يعتبر من اكثر ساسة العرب فهماً لتعقيدات المشاكل وتباين مواقف الحكومات العربية.. ألم تعط المبادرة مكاسب مسبقة لاسرائيل، فما يختص بحملها في تطبيع علاقات مع دول الجوار العربية؟ وقد لا يكون لهذا السؤال مكان أو وجاهة لطرحه، في حالة اذا ما حدثت المعجزة السياسية وخرج العرب ببيان ختامي يتصف بالموقف الموحد في قمتهم المرتقبة بدون خلافات.. تحفظات.. حضور منقوص.. ويبقى ان أذكر لك بأن مبادرة الأمير عبدالله جاءت في وقت شديد الاشتعال، ونار الصراع تحرق اطرافه في ظل مخاوف سوريا وانشقاق عربي. ـ من السهل لمن يجلس خارج لعبة السياسة ان يطرح مثل هذه الاسئلة وغيرها، ونعرف ان الاتحاد الاوروبي الذي طرحت سؤالي بشأنه قد علق العرب عليه امالا كثيرة في اتخاذ مواقف فعالة في مشكلة السلام بالشرق الاوسط واوروبا منطقة متاخمة جغرافيا لدول الشرق الاوسط، ولها مصالح اقتصادية لكن تأتي الامال في مجملها مخيبة لما يتوقعه العرب، حيث ينساق الموقف الاوروبي لامريكا، الحليفة لاسرائيل.. ما رأيكم؟ ـ نشعر من خلال قراءاتنا المنتظمة لمعظم توجهات سياسة واعلام العرب، وجود نوع من حرارة عاطفية لا تكون واقعية في معظم الاحيان، الامر الثاني هو «الفرقة العربية» واسمح لي الا اعود للحديث عن هذا الواقع مرة ثالثة، لانني لا اريد ان يترك حوارنا للقارئ انطباعا بأنني طرف معارض وناقد، وقد يكون سرا لا يعرفه العامة وهي حقيقة اعلنها من خلال صحيفتكم، فلقد طرح وزراء خارجية من دول الاتحاد الاوروبي على دولا ذات ثقل في المنطقة العربية، ولها مصالح جوار مباشرة، منها السعودية ومصر والاردن في مباحثات سياسية ثنائية، مضمون اهم لما ورد في مبادرة «الامير عبدالله» وكان ذلك خلال العقد المنصرم، وكانت هناك محاولات على مستوى الاتحاد الاوروبي تجاه الدكتور «عصمت عبدالمجيد» الامين العام السابق لجامعة الدول العربية، وكل هذه المساعي الاوروبية التي تمت على موائد مباحثات مغلقة لم تجد صدى، وكانت الردود العربية دائما هي: ان الوقت غير ملائم بعد، والمناخ السياسي يحتاج للتمهيد، وقد سبقت اجتماعات كثيرة لقمة قادة وزعماء الاتحاد الاوروبي، رحلات استكشافية سياسية واتصالات عبر البعثات الدبلوماسية العربية في العواصم الاوروبية، لكي يخرج الاتحاد الاوروبي بمبادرة سلام تجاه الشرق الاوسط، تضع نهاية للصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين، لذلك نلاحظ ـ لو عدنا للبيانات الختامية لقمم اوروبية مختلفة ـ ان مواقف اوروبا تتسم بنوع من البرود القريب للتحفظات، وهو الذي يفسر في حالات كثيرة من قبل العرب انها مواقف منحازة لاسرائيل. ـ نفهم مما سبق ان الاتحاد الاوروبي له شروط سياسية ينبغي تنفيذها لكي يقوم بدور فعال في الصراع العربي الاسرائيلي، او لكي يكون طرفا شريكا في الوساطة لحل مشكلة الشرق الاوسط ما تعليقكم على ذلك؟ ـ اعتقد ان الاتحاد الاوروبي ليست له شروط سياسية لكي يقوم بدور فعال.. مسألة شراكته في الحلول مرتبطة بمعطيات، وربما حان الوقت لعقد قمة عربية اوروبية موسعة، تتم سنويا مرة في عاصمة عربية واخرى في عاصمة اوروبية، ومؤخرا عقب اعلان مبادرة السلام السعودية، وجدنا ترحيبا سياسيا اوروبيا، سرعان ما تحول لبعض التحفظات بعد ظهور جبهة عربية ضمت كلاً من سوريا ولبنان وليبيا، وجهت انتقادات للمبادرة. ـ الوجه الثاني لذات العملة التي تحدثت عنها بشأن تباين مواقف الدول العربية هو: التأييد البريطاني لضرب امريكا للعراق.. واتهام دول عربية برعايتها للارهاب، الموقف الاوروبي من الدول الاسلامية.. الضغوط الاوروبية لفرض اجراءات وتغيير في قوانين بالعالم العربي، وهي مطالب تتنافى مع عادات وتقاليد العرب والمسلمين، وظروف المنطقة التاريخية، فهل هذا المناخ يسمح بعقد قمة عربية اوروبية موسعة؟ ـ اذكرك بدور اوروبا في اساس مبادئ مدريد الذي ينص على «الارض مقابل السلام». والمساعي الاوروبية المستمرة للوساطة، ووجود مبعوث يقوم بالوساطة الدائمة هو «مورايتنوس»، وافرازات احداث 11 سبتمبر هي مرحلة اعتقد انها مؤقتة وزائلة، اما مسألة العراق فهي شائكة ومرتبطة بتنفيذها لقرارات الامم المتحدة ومجلس الامن، فيما يختص بالسماح لفرق التفتيش على الاسلحة الكيماوية، واسلحة الدمار الشامل. ـ الا يوجد لدى اسرائيل اسلحة دمار شامل؟ ولماذا لا تطالبها اوروبا وامريكا بذات الطلب؟ ـ ربما يكون، لكنها لم تهدد باستخدامها، كما انها في حالة حرب ولا تعيش في سلام مع جيرانها العرب، وعندما يحدث ذلك اعتقد بأن ذات المطلب سيجد آذاناً صاغية. ـ لكن اسرائيل هددت مصر التي وقعت معها اتفاقية بضرب السد العالي. ـ الموقف الرسمي الاسرائيلي اعتذر ولم يتبن هذا الاعلان الذي اعتبره شخصياً. ـ اين يوجد الاتحاد الاوروبي في خريطة الحسابات السياسية الامريكية تجاه المنطقة العربية؟ ـ اعتقد ان موقف الاتحاد الاوروبي واضح، حيث يدعو للحوار السياسي والاقناع بديلاً للرصاص، ونرى جميعاً عدم تأييده لضرب العراق، ذلك باستثناء الموقف البريطاني الذي يميل غالباً للموقف الامريكي، كما اننا نرى ايضاً ان الاتحاد اكتفى بتأييده لضرب معاقل الارهاب في افغانستان، ولم يعلن رضاه عن توسيع دوائر العمليات العسكرية في دول اخرى، كما ان الاتحاد له سياسته المستقلة نسبياً تجاه المنطقة العربية، وقد تتفق هذه السياسة مع الموقف والحسابات الامريكية في حالة وجود عوامل مشتركة مرتبطة بالتزامات دولية، او قرارات لمجلس الامن والامم المتحدة. ـ هل نتوقع دوراً اوروبياً جديداً تجاه الشرق الاوسط يتضح في قمة الاتحاد الاوروبي التي ستختتم بها اسبانيا رئاستها للاتحاد الاوروبي في يونيو المقبل؟ ـ ربما يحدث ذلك.. نظراً لان اسبانيا تقع على حوض البحر الابيض المتوسط، ولها علاقات تاريخية بالمنطقة العربية، خاصة دول المغرب العربي، كما اعتقد انها اكثر معرفة ـ من غيرها اعضاء الاتحاد الاوروبي ـ بالعقلية العربية، فمن منطلق المصالح من الممكن ان يكون لاسبانيا دور مؤثر ومتميز ينعكس على بعض من اجزاء البيان الختامي لقمة الاتحاد الاوروبي في الدورة الحالية، في ذات الوقت لا يجب ان نتوقع اشياء كثيرة تختلف عن المواقف الثابتة للسياسات الخارجية للاتحاد الاوروبي.