الملف السياسي: جاءت مبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية في خضم تصاعد الأحداث والتطورات في الشرق الأوسط وفي ظل اشتعال الحرائق، حيث الحرب العدوانية اليومية التي تشنها الحكومة الارهابية الصهيونية ضد الفلسطينيين، وعلى هدير اجواء الانتفاضة التي يسطرها ابناء الشعب الفلسطيني الصامد الذي يخوض معركة نضالية جسورة أمام همجية اسرائيل وارهاب الدولة الذي تمارسه في ظل دعم سياسي وعسكري امريكي وصمت دولي. إن اطلاق المبادرة السعودية جاء في وقت بدت فيه الأوضاع في المنطقة في غاية الخطورة وتهدد معها بانفجار شامل يجر الجميع الى قلب معركة نتائجها غير محسوبة، لذا فإن إعلان المبادرة في ظل الظروف الحالية قد وضع الولايات المتحدة واسرائيل في مأزق صعب، وأكد للعالم بأن العرب كانوا ولايزالون دعاة سلام وليسوا دعاة حرب، فضلا عن ان المبادرة ايضا كشفت ان المجرم شارون لا يمتلك في أجندته سوى الحرب وليس لديه أية رؤى سياسية للسلام . وإذا كانت مبادرة الأمير عبدالله قد لاقت صدى وردود أفعال ايجابية على مستوى الوطن العربي والعالم، حيث أيدت معظم العواصم العربية والعالمية المبادرة والنزوع نحو السلام حفاظا على استقرار المنطقة وسعيا لتحقيق سلام شامل، فإن مواقف واشنطن مازالت غامضة ومترددة ولم تتضح الصورة بعد، وبدا الأمر كأنه عمى ألوان أو تريث لاستجلاء رأي اسرائيل لأن الموقف الامريكي بالضرورة لابد ان يراعي مصالح اسرائيل وأمنها واستراتيجيتها. الادارة الامريكية حتى اللحظة لم تحدد موقفا رسميا واضحا تجاه المبادرة ومازالت تطلق تصريحات متذبذبة بين الترحيب والتحفظ والغموض ولم تحسم أمرها، ولأن الموقف الأمريكي هو الحاسم في نجاح المبادرة أو فشلها كون واشنطن هي الراعي الرئيسي لعملية السلام واللاعب الدولي الأقوى في الساحة العالمية وفي الشرق الأوسط أكثر تحديدا. أما الدول الاوروبية فقد أيدت المبادرة وطالبت بافساح المجال لدور أوروبي نشط في الشرق الأوسط، منتقدة السياسة العدوانية الشارونية والانحياز الامريكي لاسرائيل.. ازاء ذلك هل نتوقع دورا أوروبيا ملموسا على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي وبالتالي مزاحمة الدور الامريكي وتفرده في تسيير شئون العالم؟ أم ان السياسة الاوروبية لا تتجاوز التصريحات ولا تغادر قاعة المؤتمرات! واقع الحال ان المبادرة السعودية حركت الركود العربي ودفعته للتعامل بمسئولية مع الخيارات المطروحة في ظل المعطيات الحالية، ولذا ينبغي ان تكون القمة العربية المقبلة في بيروت فرصة لمراجعة المسيرة السلمية منذ البدء والعمل على دعم مبادرة الأمير عبدالله وتطوير آلياتها وكذا الخروج بقرارات مصيرية تواكب خطورة الموقف الذي تعيشه المنطقة والعدوان الوحشي الذي تمارسه اسرائيل على الشعب الفلسطيني، ناهيك عن ضرورة المطالبة باشراك الأمم المتحدة والقوى الدولية الاخرى الفاعلة في الساحة العالمية في عملية السلام حتى تكون قرارات الشرعية الدولية هي المرجعية في التحرك وتوفر الضمانات اللازمة لكل الاطراف وتكسر احتكار الرعاية الأحادية لواشنطن التي ما انفكت تمارس انحيازها الأعمى عبر كل مراحل التفاوض بين العرب واسرائيل.