بيان الاربعاء: لا يزال الوضع في بلاد القبائل بالجزائر متوترا بعد مضي عشرة أشهر على الأحداث الأليمة التي شهدتها العام المنصرم وراح ضحيتها ما يربو عن المئة شخص معظمهم من الشباب. وتبقى الأزمة التي لم يجد لا الحكام ولا المنظمات السياسية حلولا لها مرشحة للتفاقم من جديد وأن تعرف تصعيدا خطيرا سيما بعد فشل المبادرة التي قادها رئيس الحكومة علي بن فليس لعقد مفاوضات مع ممثلي الحركة الاحتجاجية. هذه الحركة وان لم تأخذ بشكل رسمي صبغة التمرد العرقي والجهوي، إلا أن عديدا من المعطيات توحي بتوجهها نحو الانفصالية. ويتفق عدد من المتتبعين للوضع في الجزائر على ملاحظة أن العصيان في القبائل سيمتص الحركة البربرية ذات المطالب الثقافية واللغوية التي لم يبق لها في نظر هؤلاء سوى أن تركب موجت الانتفاضة وتتبنى هذا التشدد في الموقف ازاء النظام. ولعل المراقب البعيد يتساءل عن فحوى الإشكالية التي تطرحها حاليا قضية القبائل، وقد لا يتسنى استيعابها دون الإلمام بتاريخ الحركة البربرية في هذه المنطقة وبرموزها ونشاطها. فمنذ إرهاصاتها الأولى التي يرجع المؤرخون تاريخها إلى أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، مرت الحركة البربرية بثلاث مراحل أساسية هي: مرحلة السرية،عهد الديموقراطية والتعددية الحزبية وأخيرا أحداث القبائل. وكل المؤشرات توحي بأن الحركة ستعرف في مستقبل قريب تحولات جذرية يصعب التكهن بعواقبها. فمع إعلان «الحركة من أجل الاستقلال الذاتي» في خضم الأحداث، صارالمنطق الغالب يتمثل في الدعوة لتجاوز الشعوبية البربرية التي كانت تطبع ايديولوجية الحركة المؤسسة على مبدأ وحدة مصير جميع الناطقين بالبربرية (أوالأمازيغية) في كافة أقطار شمال إفريقيا، وان كانت الحركة لم تتوصل بالفعل إلى توسيع مداها الى كامل المغرب الكبير، «من واحة سيوة بمصر إلى جزر الكناري بإسبانيا»، كما يتطلع للمطرب فرحات مهني مؤسس الحركة الاستقلالية. فمن هذه الزاوية لا يمكن اعتبار حركة الاستقلال الذاتي بمثابة امتداد طبيعي للحركة الثقافية البربرية التي لها طابع مغاربي، بقدر ما يمكن اعتبارها محاولة سياسية لاستقطاب العصيان الجماهيري الذي قام في بلاد القبائل. أزمة 1949: أزمة سياسية أم أزمة قبائل؟ مع بداية تبلور النضال السياسي في الحركة الوطنية الجزائرية والأخذ نحو حتمية الكفاح المسلح كخيار وحيد للتحرر ونيل الاستقلال، بعد فشل جميع مخططات الاندماج الاستعمارية، بدأت تظهر في صفوف حزب الشعب، الذي كان يمثل التيارالوطني الثوري تحت قيادة مصالي الحاج، خلافات تنظيمية وأخرى عقائدية،أخطرها الخلاف المبطن حول أسس الهوية الوطنية التي كان يتصورها البعض عربية إسلامية في حين كان البعض الآخر يصر على إضافة عنصر البربرية. ويذكر المؤرخون أن بروز مثل هذه النزاعات في صفوف الحزب الوطني في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية يعود بالأساس الى تركيبة الحزب غير المتجانسة لاسيما حيث استفحل الصراع بين المناضلين المثقفين والمسئولين السياسيين والقادة العسكريين. وتعود بداية الأزمة إلى عام 1948 حين شكل مصالي الحاج لجنة من الطلبة والمثقفين لتحرير مذكرة بغية إيداعها لدى الأمم المتحدة في إطار النشاط الدعائي للقضية الوطنية وكان من بين من عينوا لتحرير المذكرة الصادق هجريس الطالب المتفوق في كلية الطب الذي أسس فيما بعد حزب الطليعة الاشتراكية (شيوعي) ومبروك بلحسين ورشيد علي يحيى شقيق المحامي الشهير علي يحيى عبد النور رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان حاليا. وتذكر الإحصائيات أن عدد الطلبة الجامعيين في كامل القطر آنذاك لا يزيد عن 103 طلاب. واشتغلت تلك النخبة أسابيع حول المذكرة ولما أنجزتها سلمتها لزعيم الحزب مصالي الحاج فقبلها على أن تحذف منها الفقرات التي تتحدث عن وجود الجزائر قبل الفتح الإسلامي من الفصل المتعلق بتاريخ الجزائر. وكان هذا الموقف بداية مواجهة ساخنة أدت إلى اضطرابات كبيرة في قيادة الحزب وفي قواعده شغلت المناضلين عن مهامهم مدة طويلة وتسببت فيما يشبه الشلل العام وتفشى انعدام الثقة وروح الانعزال ونشأت التكتلات وفسح المجال للمناورة وحرب المواقع وأصبحت الحركة الوطنية كلها على فوهة بركان. صعود التيار الثوري فنشطت الذهنية الانقلابية بشكل لم يسبق له مثيل وتحرك هكذا رجل قوي يدعى لمين دباغين كان يسير الحزب في سرية بمنطقة القبائل وقاد محاولة انقلاب على زعيم الحزب مصالي الحاج بالتنسيق مع وجوه بارزة في القيادة من بينهم علي بناي العضوالنافذ في اللجنة المركزية. لكن مصالي أجهض المحاولة بتجريد الانقلابيين من أهم أسلحتهم حين قرر عزل حسين ايت أحمد (زعيم جبهة القوى الاشتراكية حاليا) من منصبه كقائد عام لـ «المنظمة السرية » وهي الجناح العسكري الذي حضر ميدانيا وتقنيا ونفسيا لاندلاع ثورة التحرير عام 1954 ويؤكد المؤرخون والسياسيون أن حسين ايت أحمد التزم الحياد في ذلك الصراع لكن مصالي الحاج يرى فيه المرشح لترجيح الكفة لصالح الخصوم لكونه يجمع بين قوة سياسية بعضويته في المكتب السياسي أعلى هيئات الحزب وعسكري بقيادته الجناح المسلح فيه. ولحماية عرش زعامته المهتز عين مصالي الحاج على رأس المنظمة السرية ابن منطقته تلمسان أحمد بن بلة الذي يصبح فيما بعد أول رئيس للجمهورية الجزائرية بعد الاستقلال عام 1962 وكاد الشقاق العرقي الذي انجر عن الحادثة أن يؤدي الى تفجير الحزب. ويرى بعض المحللين والمؤرخين أن ما اصطلح على تسميته «الأزمة البربرية » لوصف ما حدث عام 1949 يعكس في حقيقة الأمر أزمة سياسية بالدرجة الأولى، وكانت إرهاصات لمرحلة جديدة دخلتها الحركة الوطنية في مسيرتها وسمحت بصعود التيار الثوري المتشدد وبإزاحة مصالي الحاج عن عرشه ما عجل باندلاع حرب التحرير عام 1954 بيد أن هذا التغيير في القيادة وفي شكل الكفاح التحرري لم يواكبه تغيير فكري بخصوص صيغ معالجة المسائل الداخلية المتميزة لحركة التحرر في الجزائر، وفعلت أزمة 1949 فعلتها في العقول ونما التعصب حتى أن فترة الثورة التحريرية شهدت موجة اغتيالات لكوادر ثورية بأيد جزائرية وطالت الموجة عام 1957 علي بناي أهم خصوم مصالي الحاج خلال تلك الأزمة. وتوالت الأحداث والمشاريع التي تسبق ـ في نظر القيادات المتعاقبة ـ الاهتمام بشئون الهوية. فكانت الأولوية للكفاح المسلح ضد العدو وعند الاستقلال كان لابد من الاهتمام أولا ببناء الدولة بما فيها من اقتصاد وإدارة ونظام تعليم وترقية اجتماعية وما إليها ومن الناحية السياسية والأيديولوجية والثقافية كانت الأولوية لتثبيت ما يوحد الأمة كلها وعرفت الدساتير المختلفة الى غاية 1996. الهوية الجزائرية بكونها عربية إسلامية نظرا لأن مسألة البربرية أوالأمازيغية لم تنل الإجماع، لكن نشطاء النزعة البربرية ظلوا يعملون واتخذ نشاطهم أشكالاعدة وفق المراحل التي مرت بها حركتهم. مرحلة السرية عند مطلع الاستقلال عام 1962 مباشرة، حدث أول تمرد مسلح قادته جبهة القوى الاشتراكية احتجاجا على موقف السلطة من الديموقراطية، وكانت السلطة قد سقطت في يد جيش الحدود بعد أن أطيح بالحكومة المؤقتة التي تشكلت في وقت الثورة. انضم الى آيت أحمد عدد من المناضلين المعارضين من الولايات الأخرى، لكن سرعان ما أحبطت المحاولة بعدما تم اعتقال زعمائها. فهذه الحركة، وان كانت ذات بعد سياسي ووطني في مطالبها وطموحاتها، الا أنها تميزت بكونها أول تنظيم سياسي يتبنى المطالب الثقافية البربرية. وفي عام 1966 أسس مثقف بربري يدعى بسعود محند أعراب (توفي الشهر الماضي بالجزائر) الأكاديمية البربرية بفرنسا وكان نشاطها يتراوح بين نشر المطبوعات بالثقافة واللغة الأمازيغية وبين العمل السياسي حيث عمل أعضاؤها على عقد لقاءات وندوات للتعريف بقضيتهم ومحاولة كسب أنصار جدد في أوساط الجالية القبائلية الكبيرة في المهجر. وكسب التأييد أيضا من الرأي العام الفرنسي والأوروبي والدولي. لكن سياسة الجزائر ودبلوماسيتها اللامعة في تلك الفترة غطت تلك المحاولات وحولتها الى مجرد نشاز في خطاب متجانس لأمة موحدة وملتفة حول قيادتها. وكان من السهل اتهام أصحاب تلك القضية بأية تهم فالجزائر شقت طريق التحرر آنذاك بما كان يسميه الرئيس الراحل «الجهاد الأكبر » بناء اقتصاد قوي ومستقل مبني على استرجاع الثروات من الاحتكارات الأجنبية، ودخلت البلاد بفضل تلك السياسة فصلا جديدا من التجنيد والتآزر شبيها بذلك الذي مرت عليه عام 1954حين أشعلت صفوة من الرجال الثورة وحملها الشعب على أكتافه حتى تحقق النصر. ولم تساعد هكذا سياسة التأميمات والخطاب الاشتراكي في عهد بومدين بروز المعارضة البربرية واكتفى أغلب أنصارها بالانضواء تحت راية حزب حسين آيت أحمد. لكن في عام 1976 عاد من جديد الحديث عن البربر عندما تمت عملية تفجير قنبلة أمام مقر صحيفة «المجاهد» الحكومية اتهم فيها أحد الطلبة الموالين لهذا التيار يدعى محمد هارون وسجن لمدة 12 سنة. كما كان النقاش الواسع حول الاختيارات الكبرى للسياسة الجزائرية وفتح ملف الهوية الوطنية بمناسبة الحوار الوطني الذي شارك فيه ملايين الجزائريين لتبني ميثاق وطني ودستور جديد، فرصة عمل أنصار القضية البربرية على استغلالها فظهر لأول مرة في تاريخ الجزائر على شاشة التلفزيون أشخاص يتحدثون عن هوية جزائرية غير عربية. وتكررت العملية وكأنما الأمر يتعلق بتنظيم حملة بالمناسبة في هذا الاتجاه ليس للتأثير في محتوى الميثاق والدستور ولكن لإقامة جسور بين أنصار الفكرة وبناء التنظيم الذي يمكن من تحقيقها. وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك. ففي ربيع عام 1980 هزت مظاهرات واضطرابات عنيفة ولايات القبائل والجزائر العاصمة. وكانت المرة الأولى التي ينزل فيها طلبة الجامعات الى الشوارع مطالبين بالاعتراف بالهوية البربرية وبحرية الرأي والتعبير. وتعاملت السلطة، التي كانت تستعد آنذاك لتطبيق برنامج التعريب الشامل للمؤسسات مع تلك المظاهرات بالعنف وأنزلت مئات من رجال الدرك وشرطة الشغب الى الشوارع. وكانت الشرارة التي أشعلت الفتيل، قرارأصدرته محافظة الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني ) بولاية تيزي وزويوم 20 أبريل 1988 يقضي بمنع محاضرة كان سيلقيها الكاتب المعروف مولود معمري بجامعة المدينة حول موضوع «الشعر البربري القديم». وفي نفس العام أسست الحركة الثقافية البربرية تتويجا لمؤتمر «ياكوران» الذي رسم التوجهات العامة للحركة في اطار ما سماه «الدفاع عن مبادئ الديموقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان ». وقد اعتبر كثير من المحللين صعود التيار البربري بعد السبعينيات في الجزائر،بالتوازي مع صعود الحركة الاسلامية المتطرفة، نوعا من البحث عن ملجأ بعداضمحلال الخطاب العروبي وسقوط أسطورة الوحدة العربية جراء نكبة عام 1967. مرحلة التعددية والانفتاح مع بداية الانفتاح الديمقراطي الذي عرفه البلد عام 1989 بموجب دستور جديد أقرحرية انشاء الأحزاب والجمعيات، خرجت الحركة البربرية مثل بقية فصائل المعارضة السرية الى العمل العلني، مع فرق أن الحركة البربرية فضلت عدم طلب الاعتمادالرسمي. وظهر تصدع في صفوفها بميلاد حزب بربري ثان باسم «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية » أسسته مجموعة من مناضلي القضية البربرية. رغم ذلك زادت شعبية الحركة اتساعا الى أن نجحت في تنظيم مظاهرة حاشدة في العاصمة عام1990 في غياب الأحزاب. أمام هذا النجاح الشعبي فطن الحزبان البربريان (جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) الى أهمية الحركة واستغلالها لمآرب سياسية حزبية وانطلق صراع شرس بينهما وحاول كل منهما فرض هيمنته عليها مما أدى الى انشطارها الى جناحين متضادين. ووصل الصراع بينهما الى ذروته في عام 1993 حين دعت الحركة الى مقاطعة الدراسة في القبائل لمدة سنة مطالبة بادخال الأمازيغية في الدستور وفي المدارس. وقد لبت الحكومة بعضا من هذه المطالب بادراج البربرية في البرامج المدرسية والجامعية في كامل اقليم القبائل، كما تم انشاء محافظة سامية للأمازيغية تحت وصاية رئيس الجمهورية مباشرة. إلا أن تدخل الأحزاب أدى الى تصدع جديد في قيادة الحركة بازاحة ناطقها الرسمي فرحات مهنى الذي كان أيضا عضوا قياديا في التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. ربيع 2001 دماء واضمحلال بقيت الأوضاع على حالها الى غاية أحداث الربيع الماضي التي انطلقت عشية الاحتفال بذكرى الربيع البربري حين أذيع خبر اغتيال شاب داخل ثكنة للدرك الوطني بمدينة بني دوالة. وكان من نتائج طغيان المطالب الاجتماعية والسياسية على الانتفاضة الشبانية تهميش دور الحركة الثقافية كاطار للنضال في المنطقة. فلم يعد لها ولا لأي حزب كان، بعد كل ما جرى، أي شرعية أونفوذ حقيقي لقيادة الانتفاضة العارمة. ولم تعد تمثل مسألة الهوية واللغة في البرنامج المطلبين للسكان سوى عنصر من بين مجموعة من العناصر. وأدى تجاوز المطلب الثقافي الى تبلور فكرة الاستقلال الذاتي التي طرحها مناضلون من الحركة البربرية ويتزعمهم فرحات مهنى والمستمدة من أطروحات الكاتب والباحث سالم شاكر الذي ألف كتابا في مطلع التسعينيات تحت عنوان «الحركة البربرية: الدروب الضيقة «تنبأ فيه بمصير الأحزاب القبائلية وقال بأنه لا يكون الا مسدودا لأن التناقض بين تواجدها الاقليمي وطموحاتها الوطنية بلغت حدودها التاريخية. ويملك البربر اليوم قناة تلفزيونية ناطقة بلغتهم تبث برامجها من باريس، خطابها يزيد من تعميق الخصوصية الاقليمية والعرقية للقبائل. ومع أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وعد بالتكفل بجميع مطالب القبائل الاجتماعية والثقافية واللغوية فإنه من المستبعد إطفاء النار التي تشتعل في المنطقة منذ أكثر من خمسين عاما وإن كانت قد خمدت في فترات متعاقبة من تاريخ البلاد. وبين عام 1949 حين قامت أول مواجهة داخل أكبر الأحزاب الوطنية المكافحة ضد الاستعمار وهددت وحدته بسبب اللغة البربرية والتاريخ القديم للجزائر، وبداية القرن الحالي حيث اختفت الأحزاب السياسية والحركة الثقافية البربرية لتفسح المجال لعروش متشددة لا سياسة في «سياستها» يبقى المطلب واحداً والوسائل عديدة وآخرها طرح موضوع الحكم الذاتي وغدا ربما يكون الانفصال ان لم تعالج الأزمة من جذورها بما يخدم وحدة الجزائر أرضا وشعبا.