بيان الاربعاء: على الرغم من انشغال العالم بمتابعة الحرب الأمريكية ضد ما تسميه الإرهاب.. إلا أن القضية الفلسطينية لاتزال تفرض نفسها بإلحاح لا سيما مع وجود اتجاه عالمي نحو البحث عن حل للقضية التي استعصت على الحل على مدى نصف قرن، حيث طرحت مبادرات عدة ، سواء من الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي أو حتى من إسرائيل ذاتها. الأمر الذي يثير جملة من التساؤلات حول لماذا هذا العدد من المبادرات؟ وما هي جدوى هذه الرؤى؟ وهل تسفر عن إغلاق ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ بيد أن الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب تقديم عرض تحليلي لكل من هذه المبادرات والرؤى ورصد للمواقف الإسرائيلية والفلسطينية منها، ثم تقديم ملاحظات ختامية بشأنها. إن أي حديث عن الرؤية الأمريكية بشأن القضية الفلسطينية يتطلب بداية البحث عن الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى وضع القضية الفلسطينية على جدول أعمالها مجددا، وعلى الرغم من الرفض الأمريكي الرسمي لأي ربط بين هذا التغير في توجه الولايات المتحدة حيال هذه القضية وبين الحرب التي تشنها على الإرهاب ومعاقله في أفغانستان، فإن ثمة اتجاها قويا يشدد على عدم إغفال العلاقة بين هذين المتغيرين، وفي هذا الإطار وصف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق، وأحد الجمهوريين المخضرمين في السياسة الخارجية أي مقولة تنفي ربط أحداث العنف الإرهابية الأخيرة بسياسة أمريكا الخارجية «بالسذاجة السياسية الكبيرة وعدم الواقعية». ثم تبع ذلك تصاعد أصوات بعض المفكرين والإعلاميين الأمريكيين التي تبرز سلبيات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والمشاكل التي يمكن أن تنجم عنها وتلحق الضرر بالمصالح الأمريكية في المنطقة. كما تلقى الرئيس جورج بوش عشرات الرسائل والاتصالات من سياسيين ودبلوماسيين أمريكيين مخضرمين تدعوه إلى إعطاء مزيد من الاهتمام لمعالجة مشكلة الشرق الأوسط. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الولايات المتحدة كذلك تسعى إلى تحسين صورتها في العالمين العربي والإسلامي، حيث لاتزال تحتاج إلى الدعم العربي والإسلامي في حملتها ضد طالبان وتنظيم القاعدة. وفي ضوء ما سبق، يشير المراقبون إلى أن بوش الابن تولدت لديه قناعة بأن سياسته السابقة تجاه مشكلة الشرق الأوسط وامتناعه عن ممارسة الضغط على إسرائيل ودفعها لتقديم التنازلات لم تعد ممكنة. وإذا كان ما تقدم أوضح صورة عن البيئة التي أسفرت عن تغير في السياسة الأمريكية حيال هذه القضية الشائكة، فإن أهم مؤشرات هذا التغيير تمثلت في أمرين رئيسيين. أولهما: تصريحات جورج بوش نفسه في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فيما يخص الدولة الفلسطينية. وثانيهما: الخطاب الذي ألقاه كولن باول في جامعة لويزفيل. بيد أن المؤشر الثاني هو الأكثر أهمية، إذ نظر إليه البعض باعتباره يقدم الرؤية الأمريكية الجديدة لمشكلة الشرق الأوسط، حيث صرح باول بأن لدى الولايات المتحدة رؤية إيجابية إلى المنطقة تريد أن يشاركها فيها العالم العربي وإسرائيل موضحا أن رؤيته ترتكز إلى عيش العرب والإسرائيليين بسلام وأمن وكرامة. إلا أن أبرز ما جاء في خطاب باول تمثل في: ـ دعوته إسرائيل إلى أن تكون مستعدة لإنهاء الاحتلال بما يتناسب مع القرارين 242 و 338، وأن تقبل بدولة فلسطينية قابلة للحياة يستطيع فيها الفلسطينيون أن يقرروا مستقبلهم على أرضهم وأن يعيشوا بكرامة وأمن. ـ إعلانه أنه سيوفد مساعده وليام بيرنز إلى المنطقة لاستطلاع سبل إحياء عملية السلام، وكذا إعلانه تعيين الجنرال انتوني زيني القائد السابق للقوات الأمريكية في الخليج كمستشار خاص لمساعدة الطرفين على تحقيق وقف إطلاق نار دائم على أساس تطبيق خطة تينيت وتوصيات لجنة ميتشل. ـ تأكيده على أنه وجورج بوش مقتنعان بأن الصراع العربي الإسرائيلي يمكن أن يحل ولكن إذا قام كل من الفلسطينيين والإسرائيليين بمواجهة الحقائق الأساسية. ـ تأكيده أن خطابه لا يمثل طرح خطة جديدة في شأن السلام في الشرق الأوسط.. مشددا على ضرورة أن تلتزم إسرائيل وفلسطين بالبنود الواردة في خطة السلام المطروحة بالفعل لوقف إطلاق النار والتي كان قد تقدم بها السيناتور الأمريكي جورج تينيت واصفا إياها بأنها خطة رزينة. وفي خطوة تالية مثلت الانتقال بالخطاب إلى مرحلة التنفيذ، اجتمع الرئيس الأمريكي جورج بوش بالمبعوثين الأمريكيين إلى الشرق الأوسط وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية والجنرال المتقاعد انتوني زيني، حيث أصدر إليهما تعليماته بما ينبغي عليهما فعله خلال مهمتهما بالمنطقة التي بدأت هذا الأسبوع. ويشير المراقبون إلى أن اجتماع بوش بالمبعوثين منح لهما سلطة رئاسية، كما أنه يؤكد التزام الإدارة الأمريكية بنجاح مهمتها. بيد أن الإدارة الأمريكية التي تأمل أن يؤدي خطاب باول وتفعيل ما جاء فيه للحل في الشرق الأوسط، مقتنعة بأن على الطرفين أن يتخذا القرارات الصعبة. وهو ما جاء على لسان مصدر رفيع المستوى في الإدارة الأمريكية بأنه «حان وقت اتخاذ الخطوات الأساسية: فعلى الفلسطينيين مواجهة العنف والإرهاب بطريقة ثابتة وجدية ولها مصداقية، وعلى إسرائيل أن تتخذ خطوات تساعد على تثبيت مناخ يؤدي إلى استعادة الشعب الفلسطيني حياته الطبيعية وإحياء الأمل لديه». المبادرة الأمريكية أثار خطاب باول ردود فعل عديدة على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. فمن جانبه وصف نبيل شعث خطاب باول بأنه «إيجابي أكثر مما توقعنا»، معتبرا ان أهم ما ورد في الخطاب هو حديث باول عن دولة فلسطينية وربطها بإنهاء الاحتلال وتطرقه لمشكلة اللاجئين وقراري الأمم المتحدة 242و 338 والأرض مقابل السلام. وأوضح شعث أن الجديد في خطاب باول أنه جمع في إطار واضح مواقف الإدارة الأمريكية حول الحل النهائي. كما أنه ـ أي الخطاب ـ تضمن ولأول مرة مطالبة باول بإشراك مصر والأردن وسوريا، وهي أول مرة تطالب فيها الولايات المتحدة بمشاركة دولية، حيث كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتحدث عن حل أحادي الجانب، إلا أن الجانب الفلسطيني أورد بعض الانتقادات على الخطاب منها: ـ أن الخطاب افتقد لجدول زمني لتنفيذ ما جاء فيه. ـ أن الخطاب لم يتطرق إلى مسألة المراقبين الدوليين، وإنما ربط استعداد الولايات المتحدة إرسال مراقبين دوليين بموافقة الطرفين على ذلك. ـ إغفال الخطاب الإشارة إلى الجرائم التي تنفذها إسرائيل يوميا من اغتيالات وتوغل في مناطق السلطة وفي المقابل مساواة الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب الذي أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب ضده ـ حيث صرح باول بأن الانتفاضة تغوص الآن في الرمال المتحركة للعنف والإرهاب الموجهين ضد إسرائيل. وأن على الفلسطينيين أن يفهموا «أنه مهما كانت مطالبهم شرعية فلا يمكن سماعها، فضلا عن معالجتها من خلال العنف». وعلى الجانب الإسرائيلي، أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز عن ارتياح إسرائيل لمضمون الخطاب واعتبره مهما بالدرجة الأولى لأنه تضمن رؤية ومواقف والتزامات أمريكية. كما اعتبر شارون الخطاب صفعة للرئيس ياسر عرفات، وأشار الإسرائيليون إلى عدد من الفقرات المميزة في الخطاب مثل تأكيده على «إسرائيل كدولة يهودية» ومثل امتناعه عن ذكر موقف كلينتون من قضيتي القدس واللاجئين الفلسطينيين واختياره تأجيل البت فيهما إلى مرحلة لاحقة. وتشير بعض الأوساط الإسرائيلية إلى أن أفضل شيء في الخطاب هو أنه لم يطالب شارون بتقليص فترة الهدوء 7 أيام، ويذكر أن جملة حملت رفض الولايات المتحدة لشرط شارون حول وجوب مرور أسبوع كامل من دون إطلاق أي رصاصة فلسطينية (كشرط لاستئناف المفاوضات)، كانت قد أسقطت من الخطاب الأصلي. ورأت مصادر سياسية إسرائيلية أن باول منح بخطابه مجالا للمناورة ولم يلزمها بشيء في هذه المرحلة. وبالتالي فهي فرصة للائتلاف الحكومي للحفاظ على بقائه والامتناع عن تقديم أي تنازلات إقليمية. وفي المقابل فقد انتقد أعضاء المعارضة اليمينية الإسرائيلية الخطاب معتبرين إياه ضربة لإسرائيل ومطالبين شارون برفض ما جاء فيه. كما دعا مجلس المستوطنات اليهودية رئيس الوزراء إلى إدانة الانتقادات التي وجهها باول حول النشاط الاستيطاني. ثمة ملاحظات أوردها المراقبون بشأن المبادرة الأمريكية يمكن الإشارة إليها كما يلي: ـ لم تأت المبادرة الأمريكية الأخيرة متمثلة في تصريحات كولن باول بأي جديد، فإدارة بوش الابن ورثت عن إدارة بوش الأب مقررات مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 والتي أهمها مبدأ الأرض مقابل السلام وفق قراري مجلس الأمن رقمي 242 و 338، كما ورثت عن الإدارة السابقة توصيات لجنة ميتشل وخطة تينيت وهما يهدفان إلى وقف العنف بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تمهيدا لاستئناف المفاوضات بينهما. إذ الرؤية وكما يشير المراقبون ليست جديدة. ولكن الجديد فيها أنها وضعت الأزمة في إطارها الصحيح عندما أكدت أن إسرائيل هي دولة احتلال وأن الشعب الفلسطيني يخضع للاحتلال الإسرائيلي. ـ ان طرح الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان لم يقدم جديدا في المحتوى كما أشير إليه في النقطة السابقة، إلا أنه مثل تغيرا في أسلوب تعاملها مع القضية الفلسطينية. فقد كانت مشكلة السياسة الأمريكية في المنطقة في ظل الإدارة الحالية هي أن الولايات المتحدة كانت قد قررت أن يكون تدخلها في التفاعلات الجارية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي عند أدنى المستويات في ظل تصور بأن على الطرفين أن يقوما بحل مشكلاتهما بنفسيهما وأن المشكلة لن تحل أصلا إلا بهذه الطريقة. وكانت النتيجة الفعلية لهذه السياسة على حد قول الخبراء «مدمرة» لكل الأطراف. تياران أمريكيان بعبارة أخرى مثل هذا الطرح قرارا أمريكيا بالتخلي عن سياسة عدم التدخل التي سادت المرحلة السابقة. ان ثمة قيودا ترد على المبادرة الأمريكية، تتمثل في وجود انقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها بشأن القضية بين تيارين أحدهما يتجه نحو مزيد من الاعتدال في سياسة واشنطن تجاه الصراع، ويقود هذا التيار وزير الخارجية. والآخر يتمسك بالسياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل وتتزعمه مستشارة الرئيس للأمن القومي والبنتاجون ـ المقر الجديد للنفوذ اليهودي في الولايات المتحدة. ـ تضمين الخطاب الأمريكي تحاملا على الفلسطينيين، إذ خصص باول جانبا كبيرا من رؤيته لما هو مطلوب من الفلسطينيين وبلهجة لا تخلو من القسوة، إذ شدد على ضرورة أن تقوم القيادة الفلسطينية بجهد لوقف العنف والإرهاب وأن تكون هناك نتائج واضحة وليس مجرد إعلانات وكلام، وأنه يجب إيقاف الإرهابيين قبل أن يقوموا بأفعالهم وأنه على القيادة الفلسطينية أن توقف مديري العمليات الإرهابية وتحاكمهم وتعاقبهم. ـ ان الموقف الأمريكي الإيجابي اكتسب بعدا سلبيا بامتناع جورج بوش عن مقابلة الرئيس ياسر عرفات بالأمم المتحدة، ويشير البعض إلى أن هذا التناقض يمكن تفسيره في إطار منهج سياسي تقليدي تبعه عدد كبير من السياسيين في الغرب، ويتمثل في اتخاذهم لمواقف معينة وإعطائهم لتصريحات متناقضة في قضايا معينة بغية إرضاء مجموعات مختلفة من الناخبين. وبعيدا عن خطاب كولن باول الأخير، يشير المراقبون إلى أن إعلان بوش تأييده لقيام دولة فلسطينية كان مخططا من قبل، إذ أن الإدارة الأمريكية كانت ستقوم بخطوات عدة في اتجاه حل القضية الفلسطينية قبل وقوع أحداث 11 سبتمبر ومنها: ـ أن يقوم وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، خلال الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة بالإعلان عن وجهة النظر الأمريكية في حل القضية الفلسطينية، وذلك من خلال الحديث بشيء من التفصيل عن الدولة الفلسطينية ومشكلة القدس الشرقية لتكون عاصمة لدولة فلسطين مع إيجاد حل لمشكلة اللاجئين. ـ تعيين الرئيس بوش لمبعوث رئاسي شخصي في المنطقة خلفا لمنسق عملية السلام في عهد إدارة كلينتون دينيس روس هو الجنرال زيني (الذي عين مستشارا لوزير الخارجية الأمريكي لشئون الائتلاف الدولي المضاد للإرهاب). ـ يقوم وليام بيرنز، مساعد وزير الخارجية الأمريكي بجولة في المنطقة للمساعدة في تنفيذ توصيات لجنة ميتشل. ـ يتم عقد لقاء بين الرئيس بوش والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ـ تعمل الولايات المتحدة على اتخاذ بعض الإجراءات لإعادة بناء الثقة بين الطرفين حتى يمكن دعوتهم للجلوس على مائدة المفاوضات. إلا أن هذه الخطة تم تأجيلها في الوقت الحاضر، إذ ارتأت الولايات المتحدة عدم استعداد الفلسطينيين والإسرائيليين حاليا على استئناف المفاوضات، وبالتالي استعاضت عن الخطة بتقديم بعض الوعود لحل القضية على أساس الاعتراف بدولة فلسطينية وذلك بعد الانتهاء من الحرب في أفغانستان. الرؤية الأوروبية وفي موازاة المبادرة الأمريكية، كانت هناك مبادرة أوروبية في إطار جولة وفد الترويكا الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط، وتأتي جولة وفد الاتحاد الأوروبي في سياق محاولات الاتحاد لعب دور سياسي ملموس في القضايا الدولية لاسيما في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن أدركت دول الاتحاد الأوروبي أن مشكلتها الرئيسية هي غياب سياسة خارجية واضحة للاتحاد تسهم في بلورة المواقف وتمهيد الطريق أمام ممارسة الاتحاد لدور فاعل على الصعيد الدولي. وتكتسب الجولة الأوروبية أهمية خاصة كونها تأتي عقب اتصالات مكثفة أجراها الجانب الأوروبي مع الولايات المتحدة وكذا اللقاء الرباعي الذي عقد في نيويورك بين كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، كذلك سبقت هذه الجولة البيان الذي ألقاه كولن باول، والذي تمت الإشارة إليه في إطار الرؤية الأمريكية. وكان الاتحاد الأوروبي قد مهد لهذا الدور من خلال عدة خطوات تضمنت إرسال مبعوث أوروبي للشرق الأوسط وإجراء اجتماعات مع كل من عرفات وبيريز في بروكسل على هامش الاجتماعات الأورو ـ متوسطية واستهدفت كل هذه التحركات التوصل إلى تصور بشأن ما يمكن للطرفين قبوله ليفتح الطريق أمام تنفيذ توصيات تينيت وتقرير ميتشل. وعلى الرغم من أنه لم يتم الكشف عما جرى في كواليس هذه الجولة الأوسطية لوفد الترويكا، إلا أن مصادر مطلعة أفادت بأن الاتحاد الأوروبي أعد وثيقة حول الشرق الأوسط، يؤكد فيها على أن ثوابت عملية السلام والتي تشمل قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338 تشكل الأساس لحل سياسي يتضمن إقامة دولة فلسطينية وينص على حق إسرائيل في العيش في سلام وأمان وحق الدولة الفلسطينية في تملك مقومات البقاء وضرورة توفير أمن إسرائيل عن طريق تقديم ضمانات بهذا الشأن من جانب المجتمع الدولي وأيضا من جانب الدول العربية، إلا أن هذه المصادر كشفت عن أن الوثيقة الأوروبية لم يتم بعد إقرارها من كافة الدول المعنية، وأنها يمكن أن تخضع للتعديل. بيد أن جولة وفد الترويكا لم تسفر عن نتائج إيجابية واضحة، إذ واجه الوفد رفضا إسرائيليا لتفعيل الدور السياسي الأوروبي في مفاوضات السلام، واتهمت إسرائيل الاتحاد الأوروبي بأنه يقف مواقف غير متوازنة ومنحازة إلى العرب ومناهضة لها. ولعل أكبر دليل على رفض إسرائيل للدور الأوروبي ما حدث أثناء اجتماع رئيس الاتحاد الأوروبي برئيس وزراء إسرائيل، حيث قامت إسرائيل بفتح نيرانها دون أي مبرر على دورية من الشرطة الفلسطينية مكلفة بالحفاظ على الهدوء ووقف إطلاق النار شمال قطاع غزة، وهو ما أعتبره المراقبون استخفافا بالدور الأوروبي. ويمكن رصد أهم محاور الخلافات بين إسرائيل والوفد الأوروبي فيما يلي: ـ أولا: الخلاف حول مهلة السبعة أيام التي تشترطها إسرائيل قبل البدء في تطبيق قرار ميتشل، إذ يراها شارون شرط مسبق لأي استئناف للحوار مع الفلسطينيين، في حين يعتبر الأوروبيون أن الهدوء النسبي الذي يسود منذ أسبوعين كافيا لاستئناف المناقشات، وفي هذا الإطار أعرب رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية عن خيبة أمله معتبرا أن شارون كان «قاسيا جدا». ـ ثانيا: الخلاف حول دور الاتحاد الأوروبي كوسيط في النزاع حيث اعتبر شارون مجددا أن على الأوروبيين أن يكتفوا بدور المساعدة الاقتصادية للفلسطينيين داعيا إياهم إلى فرض مراقبة صارمة على هذه المساعدة، وفي هذا الإطار صرح شارون موجها كلامه لوفد الترويكا «ليس بإمكاني سوى أن أوصيكم بعدم إرسال أموال إلى السلطة الفلسطينية لأن أموالكم ستستخدم حينئذ لشراء أسلحة ومعدات عسكرية توجه ضد إسرائيل»، وفي المقابل شدد الاتحاد الأوروبي على الدور السياسي الذي يسعى إلى لعبه وشدد على أنه يسعى إلى المساهمة اقتصاديا وسياسيا في السلام. وعلى الرغم من التصريحات المتكررة لأعضاء الوفد ومحاولة الإيحاء بوجود خطة أوروبية واضحة للتحرك الدبلوماسي في المنطقة، إلا أنه يبدو واضحا أن الاتحاد الأوروبي حتى الآن يحرص على التحرك ضمن السياق العام للسياسة الأمريكية، بمعنى أن حدود الحركة وآفاق المواقف التي يحددها الاتحاد الأوروبي لنفسه إنما تتحدد وفق الهامش الذي تسمح به الولايات المتحدة، بمعنى آخر فإن الولايات المتحدة لا تزال تصر على تنحية أي تدخل من جانب أي أطراف أخرى للانفراد بضبط وإدارة عملية التسوية السياسية في الشرق الأوسط. الرؤية الأوروبية وبريطانيا وفضلا عن هذا الخلل الجوهري في الدور الأوروبي، فإن ثمة قيوداً ترد على هذا الدور سواء فيما يتعلق بلعب دور على الصعيد الدولي بوجه عام أو على صعيد قضية الشرق الأوسط بشكل خاص، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه القيود فيما يلي: ـ استمرار بعض بؤر المشكلات السياسية المعلقة بين الأطراف الأوروبية وبعض أطراف الشرق الأوسط، ومنها عقدة الذنب الألمانية تجاه اليهود، مشكلة لوكيربي، التخوف الأوروبي من الاتجاهات الإسلامية. ـ التباينات الداخلية في توجهات دول الاتحاد الأوروبي والتي تتوزع بين حرص البعض على الانغماس في أدوار جديدة بالشرق الأوسط، مقابل توجهات أخرى تهتم أساسا بمستقبل الأوضاع والترتيبات في الشرق ووسط أوروبا. ـ قوة اللوبي الصهيوني داخل مؤسسات صناعة السياسة الخارجية واتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي. ـ المشكلات الأوروبية الداخلية والحاجة إلى ترشيد استغلال الموارد لمعالجة مشكلات البطالة والجريمة والهجرة وغيرها. وعلى الرغم من هذه القيود، فإن الاتحاد الأوروبي أمامه فرص لتفعيل دوره سياسيا، فالظروف تحتم على أوروبا أن تقوم بدور فاعل لاسيما في ظل الانحياز الأمريكي لإسرائيل وفي ضوء المد والجزر في العلاقات الإسرائيلية ـ الأمريكية، كما أن أوروبا يمكنها لعب دور سياسي من منطلق الروابط التاريخية والجغرافية التي تربط أوروبا بالمنطقة. وفضلا عما سبق فإن الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية تحتم على أوروبا تفعيل دورها، إذ نصت اتفاقية برشلونة على خلق الظروف المواتية لتنمية علاقات حسن الجوار ودعم العمليات التي تستهدف تحقيق الاستقرار والأمن والرخاء والتعاون الإقليمي ودون الإقليمي والنظر في أي إجراءات لبناء الثقة والأمن بين الأطراف بهدف إنشاء منطقة للسلام والاستقرار في البحر المتوسط، ومن ثم يقدم هذا الأمر الإطار المؤسسي والقانوني للدور الأوروبي المنتظر. إلا أن الحديث عن الرؤية الأوروبية يظل منتقصا بدون الإشارة إلى بريطانيا ووجهة نظرها في هذه القضية، فقد تبنت بريطانيا موقفا مؤيدا لخطاب باول معتبرة الخطاب مساهمة كبيرة لصنع السلام في الشرق الأوسط، وقالت وزارة الخارجية البريطانية في بيان مكتوب ان «الرئيس بوش تطلع قبل أيام لليوم الذي يرى فيه دولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وضمن حدود آمنة، واليوم وضع باول رؤية الإدارة بتفاصيل أدق». ولم تكتف بريطانيا بتأييد الولايات المتحدة بل ذهبت لأبعد من ذلك بمبادرتها بالإعلان صراحة عن تأييدها لإقامة دولة فلسطينية، الأمر الذي اعتبره الكثيرون تغيرا في الموقف البريطاني من الأزمة في الشرق الأوسط، بعدما كان موقفها معارضا للدولة الفلسطينية، بل ذهبت بريطانيا إلى أبعد من ذلك وذاك بزيارة رئيس الوزراء توني بلير لسوريا التي تتهمها الولايات المتحدة بأنها دولة ترعى الإرهاب. تقييم الموقف البريطاني ويرى المراقبون أن بريطانيا إنما تهدف من وراء هذا الموقف تحقيق أهداف معينة، منها: ـ إعطاء انطباع بأن بريطانيا مستقلة في سياستها في اتخاذ قراراتها بدليل أن رئيس وزرائها قام بزيارة دولة عربية تضعها الولايات المتحدة في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ويرتبط ذلك بالصورة الأولية عن بريطانيا باعتبارها تسير تحت المظلة الأمريكية، فهي الدولة الأوروبية الوحيدة التي أعلنت صراحة وقوفها ومساندتها للولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي ترغب بريطانيا في إحلال صورتها المستقلة محل صورتها التابعة. ـ المحافظة على مكانتها في مقابل فرنسا الصاعدة، إذ تتخوف بريطانيا من احتمال أن تخسر مكانتها الأوروبية أمام المنافسة الفرنسية الصاعدة، لاسيما وأن فرنسا نموذج للسياسات المستقلة فهي الدولة الأوروبية الوحيدة التي نددت بسياسة شارون القمعية، كما اكتفت بتقديم دعم معنوي ولوجستي للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب من دون تورط مباشر في الحرب. في النهاية نخلص إلى جملة ملاحظات نوجزها فيما يلي: أنه وعلى الرغم من الاتجاه العالمي نحو البحث عن حل للقضية الفلسطينية وعلى الرغم من وجود إجماع وتوافق بين الأطراف الدولية بشأن ضرورة الحل، فإن هناك أيضا نقاط اختلاف أهمها عدم رغبة الولايات المتحدة في الربط بين الإرهاب والقضية الفلسطينية حتى لا تبدو الثانية تبريرا للأحداث الإرهابية التي وقعت على الأراضي الأمريكية، كما أن فكرة فرض السلام من المجتمع الدولي لا تزال تلقى مقاومة كبيرة داخل إسرائيل وداخل الولايات المتحدة لاسيما في الكونجرس. ـ إن المبادرات، وعلى ما فيها من رؤى وأطروحات إلا أنها جميعها تفتقد إلى بلورة آلية محددة يتم من خلالها تنفيذ القرارات الدولية التي صدرت لحق الشعب الفلسطيني من أجل تمكينه من استرداد حقوقه المسلوبة والمغتصبة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وفي هذا الإطار يجب أن يكون لتلك الآلية سقف زمني واضح ومحدد حتى لا تستغلها إسرائيل وتراوغ في تنفيذها. ـ انه لا ينبغي إعطاء التصريحات الأوروبية والأمريكية أكبر من حجمها ولا ينبغي أن يفرط الجانب العربي في التفاؤل بشأنها ما لم يواكب هذه التصريحات تحديد مفهوم المصطلح في مبادرة سياسية سليمة من كل التباس، فالدولة الفلسطينية التي تريدها إسرائيل هي دولة منتقصة السيادة، محدودة التراب، منزوعة السلاح، تكون إقامتها على مراحل، ولعل هذه المخاوف هي التي دفعت الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى التحذير من أن تتعرض المنطقة لما أسماه «نصب سياسي» في حال أعيد تحريك عملية السلام من دون أن يكون الهدف منها قيام دولة فلسطينية. ـ إن أمن إسرائيل يظل فكرة محورية سواء في المبادرة الأمريكية أو المبادرة الأوروبية، فالرئيس جورج بوش يؤكد أن «أمن إسرائيل يحتل بؤرة هذه الرؤية»، وتوني بلير يعتبر «أمن إسرائيل أولوية على ما عداها»، أما الاتحاد الأوروبي فقد وجه رسالة تطمين إلى تل أبيب مفادها أنه لا حل إذا لم يستطع الاتحاد الأوروبي أن يضمن مع المجموعة الدولية أمن إسرائيل، ويترتب على محورية أمن إسرائيل في الطروحات الأوروبية إسقاط وتراجع الأمن العربي ووضع هذا الأخير رهينة لأمن إسرائيل. ـ ومن أمثلة ذلك نفى مسئولون أمريكيون أي صلة بين الموقف الأمريكي والحملة ضد الإرهاب، مؤكدين أن واشنطن كانت دوما تمضي قدما في جهودها الدبلوماسية لإنهاء الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وكذا تأكيد بوش في مؤتمر صحفي مع توني بلير أن الحرب في أفغانستان ستنجح سواء تكللت الجهود المبذولة لإقامة السلام في الشرق الأوسط بالنجاح أم لا