بيان الاربعاء: مازال حلم الوحدة العربية كامناً في الوجدان والعقل العربي، ما أن يحل شهر فبراير حتى يتلون الأفق، ويستدعي لحظة اعلان الوحدة المصرية السورية، كأول تجربة وحدوية عربية في القرن الماضي، والتي لم تدم سوى ثلاث سنوات عندما وقع الانفصال، ليكرس قطيعة مع الوحدة. ورغم مرور أكثر من 42 عاماً على قيام الوحدة في 21 فبراير 1958، إلا ان ذكرياتها مازالت حية، ودروسها لا تنتهي.«بيان الأربعاء» حاور الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية للشئون السياسية محمد زكريا إسماعيل واحد من أبرز الدبلوماسيين العرب، عمل في المجال الدبلوماسي بسوريا منذ تخرجه في العام 1947، واستمر حتى الآن متنقلا في المهام الدبلوماسية. عاش تجربة الوحدة المصرية السورية حين اندمجت وزارتا الخارجية في البلدين بوزارة واحدة، وتولى منصب مدير مكتب وكيل الوزير في الديوان العام لخارجية الجمهورية العربية المتحدة بالقاهرة، وكان هو المسئول السوري الذي وقع على وثيقة قبول قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، وعاش تفاصيل مدريد لحظة بلحظة وكان في منصب نائب رئيس الوفد السوري في المفاوضات.. وهكذا استمرت رحلة الرجل حين اختاره الرئيس السوري حافظ الأسد ليمثل سوريا في الأمانة العامة للجامعة بعد ان اصبح منصب الامين العام المساعد شاغرا بعودة عدنان عمران ـ وزير الإعلام السوري الحالي ـ إلى دمشق لتولي مهام جديدة.. وفيما يلي نص الحوار: يتحدث السفير محمد زكريا اسماعيل عن بداية رحلته قائلا: ـ بدأت في وزارة الخارجية عام 1947 عقب تخرجي مباشرة، ولم أعمل إطلاقا إلا في السلك الدبلوماسي ويعود ذلك لأنني تخرجت من كلية الحقوق وكانت هناك فرصة عبارة عن مسابقة نجحت فيها، وبعد ممارسة العمل في وزارة الخارجية السورية تم إيفادي إلى جامعة باريس لأحصل على الدكتوراة التي حصلت عليها بالفعل في العلوم السياسية والاقتصادية وعدت إلى دمشق لأمارس العمل في وزارة الخارجية حتى أحلت إلى التقاعد أي أنني تسلقت السلم الدبلوماسي حتى أعلاه. ـ في أي عام أنهيتم عملكم في الخارجية؟ ـ أنهيت عملي في وزارة الخارجية السورية عام 1974 ثم عملت مع الأمم المتحدة لمدة عشر سنوات بدرجة تساوي درجة سفير، ثم استدعيت للعمل في وزارة الخارجية السورية سنة (1984) وظللت بهذه الصفة إلى أن ذهبت برفقة وزير الخارجية السوري فاروق الشرع لاستلام رسالة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب لاستلام الدعوة لحضور مؤتمر مدريد. ثم كنت نائب رئيس الوفد السوري في مؤتمر مدريد واستمررت بهذه الصفة للتفاوض مع الإسرائيليين حتى 13 أبريل 1993 حين تم اتفاق أوسلو وأوقفت سوريا المفاوضات، ثم عدت إلى سوريا واستمررت أعمل في وزارة الخارجية إلى أن شغلت هذا المنصب، وأنا الآن ابدأ السنة الخامسة في عملي في الجامعة العربية.. وأيضا كنت رئيس الوفد السوري في مجلس الأمن عام 1973، وأنا الذي قبلت قرار مجلس الأمن رقم 338 باسم بلادي والذي دعا إلى التفاوض بين الأطراف المعنية لإقرار السلام فيما بين الأطراف العربية وإسرائيل ولست انسى ان هذا القبول كان بتحفظين من قبل سوريا هما أن مفهوم سوريا لقرار مجلس الأمن 242 هو انه يعني انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة في 1967، والثاني أن مفهومنا لنص القرار 242 انه يعني حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة خاصة بناء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس، بالطبع في الحدود التي كانت للشعب الفلسطيني قبل حرب 1967، هذان التحفظان اللذان سجلتهما بنفسي لسكرتير عام مجلس الامن واقرهما أمام المجلس في ذلك الحين. ثورة يوليو والوحدة ـ من خلال عملك الدبلوماسي اندلعت الثورة المصرية 1952 كيف استقبلت الخارجية السورية هذا الحدث؟ ـ بالتأكيد كان الإقرار المطلق لثورة 1952 لدى الشعب المصري الحبيب لأن هذه الثورة تستطيع أن تقوي أواصر التعاون بين القطرين، بدليل ان المفاهيم التي تبنتها الثورة المصرية هي نفسها المفاهيم التي تبنتها الدبلوماسية السورية. ـ بعد سنوات قليلة من ثورة 52 قامت الوحدة بين القطرين المصري والسوري، فكيف كان التمهيد لهذه الوحدة؟ ـ الشعب السوري معروف بتعلقه القوي بالقومية العربية، فإذا كان هناك تسابق من جهتين نحو القومية العربية فلن يكون سوى من الشعب السوري والحكومة السورية والشعب السوري كان قوة ضاغطة لدفع الأمور نحو الوحدة مع مصر ومن ثم فما فعلته الحكومة السورية كان استجابة للضغط الجماهيري السوري، وهذا ما يفسر حينما جاء الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى سوريا قوبل بحماس منقطع النظير، وبعض المراقبين قال ان عبدالناصر لم يلق هذا الحماس حتى في مصر. ـ كيف كان الترتيب لقيام هذه الوحدة من النواحي الدبلوماسية؟ ـ في ذلك الحين كنت مستشارا في السفارة السورية في روما، ودمجنا السفارة المصرية بالسفارة السورية وكان سفير مصر هو ثروت عكاشة وكان لي الشرف بالعمل معه وكان يسميني مستشار السفير لشئون الإقليم الشمالي وكان معنا دبلوماسياً باسم أحمد ماهر ولا أعرف ان كان هو الوزير الحالي أم لا، وكان عكاشة يقول له أنت مستشاري لشئون الإقليم الجنوبي.. كانت الحماسة في اتجاه الوحدة حين اندمج الجهازان السوري والمصري قوية، وأشهد أني ما من طلب طلبته من عكاشة لتسهيل أمور الطلاب والمواطنين السوريين في إيطاليا إلا وكان يلقى الترحيب ومن بعده حسن رجب كان على نفس الخط.. أريد أن أقول أنني لاحظت بعض الصعوبة في بعض القضايا وكنت أقول مثلا كلام الرئيس جمال عبد الناصر أنه لا يرغب في أن تكون الوحدة بين مصر وسوريا سبباً للإجحاف بحقوق السوريين وعندما كنت أستند بهذا القول كنت أنال كل ما اطلب ولو كان غير ميسور أو متاح بالنسبة لثروت عكاشة، ولا يمكن أن يعقل أن الوحدة سوف تكون سبباً لا ضرار بمواطن سوري كان ينال حقوقه في زمن الانفصال ولا يمكن أن يكون التناقض بين النظامين قبل الوحدة سبباً لإنقاص بعض السوريين حقوقهم بعد الوحدة. تصفية جيوب الانفصال ـ انهارت الوحدة بعد ثلاث سنوات عام1961 فكيف استقبلت هذا الحدث؟ ـ من حسن حظي أني حين نقلت من روما إلى الديوان العام في القاهرة أثناء الوحدة تم اختياري كدبلوماسي سوري لموقع ذي تأثير هذا الموقع هو مدير مكتب وكيل وزارة الخارجية د. مراد غالب» كنت في وزارة الخارجية، وكنت اطلع على ملفات ذات قيمة سياسية وحين وقع الانفصال كنت قد نقلت كمبعوث لمكتب الأمم المتحدة في جنيف وقد صدمت بالحدث فهو كارثة لكل مواطن عربي مؤمن بالمنافع التى لا تحصى ولا تعد بالوحدة القومية وهذا ما أصاب الشعب السوري إلا انه رأى أن هناك قوى تعمل ضد تيار الوحدة واستطاعت في هذا الزمن القصير ان تحقق هذا الانتصار وحتى الآن نعانى من النتائج السلبية على كلا القطريين المصري والسوري و الأمة العربية، حدث ما حدث ولسوء حظي تم اختياري وكيلاً لوزارة الخارجية السورية فكنت كلما أجيء إلى مصر على أن أصفى جيوب الانفصال وكان نظيري في هذه المهمة إسماعيل فهمي وكيل وزارة الخارجية المصرية حينها ومن قبل كنا نتعاون معاً في فيينا إعلاميا لمقاومة نفوذ الصهيونية. حلم الوحدة قائم وتحقيقها على مراحل ـ بعد مرور كل هذه السنين وأنت مساعد لأمين عام الجامعة العربية فهل تعتقد أن بإمكان المواطن العربي أن يحلم بالوحدة مرة أخرى؟ ـ من موقعي حين كنت مديراً لمكتب وزير الخارجية كانت تمر على ملفات للقطرين الشمالي والجنوبي وكانت لي صداقات مع الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب رحمه الله وكان صديقاً وزميلاً في كلية الاقتصاد والحقوق في باريس، وما حدث في 1958 كان رغبة جماهيرية ثم جاءت الأحداث لتبرهن أن الحلم كان جميلاً لكنه متسرعاً، فالمسئولون لم يأخذوا بعين الاعتبار الخصوصية بين القطريين مما وفر المناخ للذين «اصطادوا في الماء العكر» سواء بتحريض او دوافع أو مواقف قطرية ضيقة، الآن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن السعي نحو الوحدة لابد أن يكون سعياً متدرجاً يأخذ في الاعتبار الخصوصيات القطرية من اجل أن تكون الوحدة قوية لا تتعرض إلى هزات كتلك السابقة وما يجري الآن في جامعة الدول العربية من سعي لقيام المنطقة الحرة أو أسواق عربية مشتركة عمل جيد، و أريد أن اعبر عن أمنياتي بأن الاتفاق الرباعي الموقع بين مصر وسوريا والعراق والأردن يخرج إلى حيز التنفيذ في وقت قريب جداً وما يدفعنا إلى ذلك هو منظمة التجارة العالمية التي لا ترحم، وحتى نحمي أنفسنا في هذا الاقتصاد العالمي الجديد وهذا أمر جيد وعقلاني. المطلوب وحدة اقتصادية أولاً ـ مازال المواطن العربي يحلم بشكل ما من الوحدة سواءً فيدرالية أو كونفدرالية أو غيرها من الأشكال، فما هي الحدود الدنيا الممكنة الآن من هذه الوحدة؟ ـ نعم ـ بالطبع أريد أن اذكر لك خطاب ولي عهد المملكة العربية السعودية مؤخراً وما قاله عن إمكانية التعاون الاقتصادي وكيف أنحي باللائمة على الدول العربية التي تعرقل هذا الأتفاق، إنني أميل إلى التفاؤل لأن تجاربنا تزيد كل يوم، تجاربنا مع العدو الصهيوني تذكرنا دائماً بالتعاون خاصة في ظل واقع التطور الصهيوني والتطور الاقتصادي العالمي، ولابد أمام هذه التحديات من أن يستيقظ العالم العربي وهنا يكون التوحد بشكله الاقتصادي ثم السياسي، ولا أقول الوحدة الفيدرالية التامة ولكن نبدأ أولاً بالوحدة الاقتصادية، فالاتحاد الأوروبي الذي بدأ منذ أكثر من 50 عاماً حتى وصل إلى ما هو الآن اصبح قوة تستطيع أن تقف في وجه القوة الأمريكية، وتحدث الآن حرب سوق بينهما فهي الآن 15 دولة وسوف تنضم إليها 12 دولة فتصير 27 دولة، إنها قوى عظمى ذات قدرة اقتصادية وعسكرية، وقد اتفقت الآن على إنشاء قوة تدخل سريع بواقع 60 ألف جندي، إذن التوجه نحو التوحد أمر مطروح ولا مفر منه لمواجهة التحديات التي تواجهنا في ظل النظام الاقتصادي والدولي الجديد. ـ ربما تكون الوحدة في نهاية الأمر اتحاداً فيدرالياً فما ردك على هذا؟ ـ نعم، فأمريكا اتحاد فيدرالي والاتحاد السوفييتي السابق اتحاد فيدرالي ما معنى الاتحاد الفيدرالي. هو الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الفردية للكيانات السياسية، ونحن نسعى إلى ذلك فليس ضروري أن يكون هناك إدماج. ـ نحن نقوم بإطلالة على عام 1967 فأين كنت؟ ـ كنت في روما وفجعت مثلما فجع أي عربي مما أصابنا في اقتصادنا وصناعتنا، في 67 كان العرب غير مستعدين وتم جرهم غصباً بتدبير من إسرائيل وقد اعترف بعض الجنرالات الإسرائيليين بذلك في مذكراتهم فيما بعد، نحن لانزال كعرب نعاني من هذه الحرب ففي سوريا الجولان محتل، مصر أقامت اتفاقية سلام، الأردن أقامت اتفاقية سلام، أقول ان هذه الشرذمة في العالم العربي أضرت كثيراً بهم، فلو كان العرب متحدون في مواجهة إسرائيل كانوا قد حصلوا على معاهدة بها كل الحقوق والنتائج افضل بكثير مما حصلت عليها مصر والأردن لكن هذا ما حدث وعلينا أن نستفيد من الدرس ونعود إلى المكاشفة والتضامن وأن يكون كلامنا في السر مثلما هو في العلن. ـ الإجراءات الدبلوماسية التي كانت آنذاك وأنت في روما كيف تعاملت معها على المستوى المهني؟ ـ أنا في ذلك الوقت كنت في سفارة بلدي في روما وكنت بعيداً عن اتخاذ القرار ومن ثم أصبت بإحباط فالكارثة كانت فوق حدود التصور. حرب أكتوبر حدث فائق الحدود ـ مضت بعد 67 ست سنوات وحدثت حرب 73، كيف استقبلت الحدث؟ ـ لو كان في التاريخ الحديث شيء مشرف فهو حرب 1973، فما جرى من تخطيط بين سوريا ومصر كان فائقا للحدود، فقد استطاع العرب ان يثبتوا انهم قادرون على حفظ السر، ثانيا كسب معركة التمويه، وكل الكتاب الذين كتبوا سواء في أمريكا أو إسرائيل قالوا بأن العرب قادرون على الإتيان بأعمال بطولية كبيرة كونهم استطاعوا أن يفاجئوا إسرائيل والمخابرات الأمريكية هذا حدث كبير وعظيم جدا، أنا كنت حينذاك وكيل وزارة الخارجية السورية وكان وزير الخارجية آنذاك عبد الحليم خدام، كنا نحضر دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة وإذ بمندوب روسيا في نيويورك يأتي ويهمس في أذن مندوب سوريا فينقل المندوب السوري في إذن وزير الخارجية السوري نفس الكلام فيقوم وزير الخارجية ويقول اتبعوني إلى السفارة وفي الطريق أسر لي في أذني أن الحرب قد وقعت بين سوريا وإسرائيل وكلفني بمتابعة الأحداث، في ذلك الحين استطعنا في الأيام الأولى أن نحقق إنجازات عظيمة في الحرب جعلتنا نلقن العدو دروسا حقيقية. وأنا بوصفي نائب رئيس الوفد السوري كانت تأتيني التهاني من جميع الأقطار العربية والأفريقية شمالها وجنوبها، الانتصارات تجعلنا نتلاحم خاصة بين مصر وسوريا. التفاوض بعد أكتوبر ـ كيف تم التنسيق السوري المصري على المستوى الدبلوماسي؟ ـ كنت رئيس الوفد السوري في مجلس الأمن حينذاك، وكان نظيري رئيس الوفد المصري الصديق المرحوم حسن الزيات كنا على تواصل وتعاون وتنسيق وكان هناك مندوب دائم لمصر هو الدكتور عصمت عبد المجيد، وكنا على تواصل دائم، اذكر ان الإدارة الأمريكية كانت تعرقل اتصالاتي بالهاتف مع وزارة الخارجية السورية وشكوت أمري إلى المرحوم حسن الزيات وقال لي تعال إلى البعثة المصرية وتحدث من هناك إلى وزارة الخارجية السورية، فقلت نعم وذهبت معه إلى مقر المندوبية الدائمة في نيويورك فأعطوني المخابرة فورا. وحين وضعت الحرب أوزارها وقبلت الأطراف قرار 338 ومن ضمن نصه قبول القرار 242 وكنا كسوريين لا نقبل قبل تطبيق القرار 338 تطبيق القرار رقم 242 لان نص القرار يقول تنفيذ قرار 242 فورا فالقضية المطروحة في ذلك الحين هي وضع الجيش المصري المحاصر في سيناء وكانت إسرائيل تمنع عنه الماء والغذاء. في ذلك الوقت كانت العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وأمريكا مقطوعة وبعد أن قبلت سوريا القرار 338 أراد وزير خارجية أمريكا كيسنجر آنذاك أن يعيد الاتصال مع سوريا فطلب مني الذهاب لمقابلته، فاستأذنت من حكومتي فأذنت لي وذهبت إلى مقابلته وكان محصول المقابلة معه هو مناقشة وضع الجيش المصري وكان بطبيعة الحال يدعوني لدعم الموقف المصري وإنهاء هذه الحالة الشاذة فأريد أن أؤكد على فكرة أساسية لدى كيسنجر قال: انتم العرب بعد ان قمتم بهذه الحرب (1973) غسلتم السمعة السيئة التي حدثت لكم في عام 1967 واستطعتم ان تقفوا في وجه إسرائيل موقف الند للند ولذلك يحق لكم ان تجلسوا إلى مائدة المفاوضات وتتفاوضوا مع إسرائيل.. قبل 73 كان الأمر صعبا فقد كانت إسرائيل متغطرسة ومتبجحة، أما الآن فقد عاد التوازن إلى كفة الميزان، ولذلك نحن نريد لكم ان تجلسوا على مائدة المفاوضات معهم. بالطبع كنت في ذلك الوقت حسب تعليمات حكومتي ملتزما بالصمت وعدم إبداء رأي بالسلب أو الإيجاب، وكيسنجر كان يسعى في هذا اللقاء التحرك وان يثبت للرأي العام العالمي انه حتى سوريا جاءت عندنا فيجب أن نكون القوة الفاعلة في ترتيب المفاوضات والسلام، فكان علي أن انقل هذه الفكرة إلى الرأي العام وبالفعل حينما خرجت من مكتب كيسنجر استدعيت الصحفيين في وزارة الخارجية الأمريكية وقلت لهم أريد ان أقول لكم عشر كلمات فقط، لم آت إلى مكتب كيسنجر بأوامر من حكومتي ولكن بطلب من كيسنجر فهو الذي طلبني وقد أتيت لاستمع إليه، وقد حملني رسالة سوف انقلها إلى حكومتي، وحاولوا كثيرا إثنائي لكن رسالتي التي حاولت إرسالها إلى الرأي العام كانت قد وصلت وهي أنني لم آت إليه ولكنه هو الذي استدعاني. تلقائية الدعم العربي ـ كيف تم التنسيق بين مصر وسوريا خاصة والمجموعة العربية عامة للمساندة في هذه الحرب الكبرى؟ ـ لم يكن هناك شيء مخطط فالوفود العربية جاءت تلقائيا حين بدأ ميزان الحرب يتحول إلى صالح إسرائيل ووجد العرب أن عليهم أن يخاطبوا الأمريكيين من اجل أن يكون لهم دور في وقف هذا المد العسكري الإسرائيلي الذي كانت تمده أمريكا بجميع أنواع الأسلحة والعتاد وغيره، وتشكل وفد من وزراء الخارجية العرب برئاسة وزير الخارجية السعودي عمر السقاف وذهبوا لمقابلة الرئيس الأمريكي فكلمهم كلاما عاما ثم حولهم إلى كيسنجر فذهبوا إلى كيسنجر وهو بالطبع في صف إسرائيل لأنه يهودي وصهيوني، فلم يحصلوا منه على أي تأييد أو مساعدة، وعاد الوفد إلينا، وكنت ممن ينتظرون هذا الوفد في مبنى الأمم المتحدة واجتمعنا في قاعة وقال لنا رئيس الوفد عمر السقاف: يا اخوان لن تجدوا أي تأييد لا من إسرائيل ولا أمريكا، علينا أن نعتمد على أنفسنا فقط هذا هو الدرس الذي حمله إلينا عمر السقاف من نتيجة مقابلته مع الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته كيسنجر، وعلى العرب أن يبدأوا من جديد وأن يتذكروا من جديد رئيس الوفد وزير المملكة العربية السعودية آنذاك، وأنا أريد أن اعقد مقارنة بين هذا الدرس وما عاد به ولي العهد السعودي في خطابه أمام مؤتمر قمة مجلس التعاون الخليجي، علينا أن نعود إلى جهودنا وإلى أنفسنا وان نعمل بالنصوص التي بين أيدينا من التضامن والتآخي في مواجهة من يريدون الشر بأمتنا العربية ومستقبلنا العربي. يقظة الأسد ـ في هذه الفترة قرر العرب قطع البترول عن العالم، كيف واجه العالم القرار العربي وتعامل معه؟ ـ الإنسان المتضرر من الحدث لا بد وان يكون موقفه سلبي، لكن هذا نبه العالم إلى أن العرب في أيديهم سلاح قوي يستطيعون به أن يضغطوا على العالم ومن يريد بهم شرا. هذه التجربة جعلت الأمريكيين ينتبهون إلى حقيقة ما كانوا يعونها من قبل، وبالتالي كان عليهم اتخاذ الإجراءات التي تمنع العرب من استخدام هذا السلاح. من هنا أتت فكرة الاحتياطي في أمريكا وأوروبا، ومن هنا حين نسمع عن أزمة البترول في الغرب نقرأ الجرائد تقول انخفض الاحتياطي الأمريكي بالمليون، هذا الاحتياطي هو بوليصة التأمين بمعنى انه إذا توقف إمداد الغرب بالبترول يكون لديهم احتياطي يكفيهم لمدة ثلاثة شهور حتى يكونوا قد حلوا هذه المشكلة ويعودون إلى استيراد النفط، ولا ينعكس هذا بشكل سلبي كبير على اقتصادهم، ومن ثم فالاحتياطي هو بوليصة التأمين التي لا يجدون في وجودها أزمة اقتصادية طارئة بعد ذلك تركت الخارجية السورية لمدة 10 سنوات في الأمم المتحدة شهدت هذه السنوات تحركات هامة بالتحديد من 74 إلى 84 للحركات الصهيونية لإفراز هذه المنظمات الخاصة بحقوق الإنسان والجمعيات الأهلية بغرض التدخل في الشئون الداخلية للدول؟ نحن في جامعة الدول العربية تبنينا حقوق المجتمع المدني، وعمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية سيعين مفوضا رسميا لحقوق المجتمع المدني من وجهة النظر العربية، دع الصهاينة يفكرون كما يشاءون ويقولون ما يشاءون، ونحن بنفس أسلحتهم سنقول لهم تعالوا نتحاسب في حقوق الإنسان.. أين هي حقوق الفلسطينيين؟ وماذا يسمى ما تفعلونه فيهم الآن؟ نحن نرفض الكيل بمكيالين، علينا ان نتذكر ان المفوضية العليا لحقوق الإنسان هي التي كانت قد دعت إلى اجتماع الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة التي تتكلم عن حقوق المدنيين في زمن الحرب.. هذا القرار يؤيد حقوق الفلسطينيين، نحن لا نرفض التوجه نحو حقوق الإنسان لكن لا نقبل أبدا أن يطرح هذا الفكر حقوق الإنسان» للتدخل في الشئون الداخلية والوفود العربية التي شاركت الجانب الغربي في صياغة هذه الحقوق تقف دائما حجر عثرة في وجه التوجه الغربي للتدخل في الشئون الداخلية العربية والاعتداء على سيادتنا فنحن مع المبدأ وضد التدخل. ـ وماذا عن مدريد؟ ـ مدريد قبل أن تبدأ جرى قبلها حوار طويل جدا وأنا باعتباري في ذلك الحين مستشار وزير الخارجية، ولي شرف المشاركة في هذا الحوار بين سوريا من جانب والولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، فمثلاً كان يأتي للتحاور حول موضوع مدريد دينس روس المكلف بقضية السلام من جانب أمريكا ويأتينا وان كيرتزر الذي كان سفيراً للولايات المتحدة هنا في القاهرة ونقل سفيراً في إسرائيل، كان يأتينا ارون ميللر الذي يرافق الآن زينى، الثلاثة يهود ميللر يهودي، روس يهودي، كيرتزر يهودي كنا نعانى كثيراً من أن المكلفين بعملية السلام كلهم يهود، وكان الرئيس السوري حافظ الأسد رحمه الله متنبهاً لكل مطب» يمكن أن يأتى به الأمريكيون عندما تقرر أن تقبله سوريا لمؤتمر مدريد بعد أن كانت قد تسلمت كتاب الدعوة الموقع من بوش وكان لي شرف أن أذهب إلى ليشبونه وأن أتسلم الدعوة برفقة فاروق الشرع وزير خارجية سوريا.. كنا نمضى الليالي في وزارة الخارجية لنضع كل الضوابط ولنقلل المحاذير والمطبات» ومنها مثلاً: ألا تبدأ المفاوضات متعددة الأطراف ألا بعد أن تكون المفاوضات على كل المسارات قد حققت نجاحاً ملموساً» هذه عبارة قضينا الليالي نصوغها ونفاوض الأمريكيين لكي يقبلوها، فالسوريون بذلوا مجهودات جبارة بقيادة الرئيس حافظ الأسد لتخفيف المحاذير والمطبات التي قد تنطوي عليها شروط الاتفاقية. شامير الإرهابي ـ كلنا نذكر الصورة التي رفعها فاروق الشرع في مدريد لشامير وكتب عليها أنه «مطلوب»؟ ـ نعم أنا شاهدت هذا الموقف وكنت موجوداً خلف فاروق الشرع حينما قام لإلقاء كلمته، أريد أن اذكر حقيقة تاريخية، حينما جاء بوش إلى مدريد ليلقي كلمته كان هناك مسعى سوري قوي ليجعل بوش يقول في كلمته أن المفاوضات تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام وقبل بوش بذلك ولكنه حينما جاء إلى خطابه لم يقل ذلك بسبب أن الدبلوماسية الإسرائيلية استطاعت أن تجعله يحجب هذه الجملة من خطابه لكننا خرجنا مجددا وجعلنا إسرائيل تقول أبدأ معكم المفاوضات على أساس قرار 244 و338 لكن لم يأت ذلك في خطاب الرئيس الأمريكي ولا في خطاب الدعوة. ـ حينما رفع فاروق الشرع صورة شامير المكتوب عليها مطلوب بالإنجليزي بالقطع كانت هناك قصة وراء ذلك فما هي؟ ـ ما نعرفه أنه عندما انطلق الوفد من دمشق ذاهباً إلى مدريد لم يكن في حوزة الوفد صورة ولم يكن في فكرنا عرض صورة أو غيرها تم تسألنا عن كيف تكون قد وجدت فلا أدرى لكن شاء الله أن تكون وأن يحدث ما حدث من ضجيج عالمي. ـ كيف تم اختيارك لمنصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية؟ ـ كان يشغل من قبلي زميل سوري ثم شغر المنصب وكان التوجه أن يكون هذا المنصب لسوري فاختارني الرئيس حافظ الأسد لذلك ولم يكن ذلك بخلدي على الإطلاق فتوليت المنصب. ـ ماذا تقول بعد هذه السنوات الخمس في جامعة الدول العربية؟ ـ الآن هناك محاولة جادة لجعل هذه المؤسسة مؤسسة فاعلة وقادرة على المواجهة، أنا اعتقد أن مجيء عمرو موسى إلى هنا خطوة موفقة وإيجابية لتحقيق هذا الغرض، هذا الرجل كفء اثبت جدارته كوزير خارجية اثبت جدارته أمام الرأي العام العربي والعالمي ولذا سوف يحظى بالتأييد والاحترام، حتى من الأعداء والإسرائيليين أنفسهم وبقية التأييد العالمي، حتى الآن حدث التأييد، فتعينه كان بالإجماع وهناك كانت ردود فعل مؤيدة ومتفائلة بوجوده في هذا المنصب وهو في سبيل إعادة الهيكلة وسوف يحدث ومن أهم شروط هذا النجاح التمويل وأن تكون الدولة العربية موافقة ومتحمسة لتفعيل الوضع العربي العام.