بيان الاربعاء: في بحث شيق وجريء عن العلاقات العربية ـ العربية: الجوار والحوار، يطلق الشيخ الدكتور ابراهيم الدعيج الصباح رصاص دعواته للاصلاح في اكثر من اتجاه فكري وسياسي، لكنه يلقي بالمسئولية الاخيرة على الفكر العربي خاصة في هذه المرحلة التي يسميها بـ «لحظات فلتان التعصب البغيض في الشرق والغرب» وقد تطرق هذا البحث، الذي قدم في جلسة بحث خاصة في كلية التربية الأساسية في الكويت إلى العديد من الملفات العربية والتحديات المطروحة. والشيخ د. ابراهيم الدعيج الصباح سبق ومثل الكويت في العديد من المؤتمرات واللقاءات في الجامعة العربية وشارك في عدد من القمم السياسية والاقتصادية. وهو حائز على شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة برمنجهام ـ بريطانيا 1999، وقد شغل العديد من المناصب الرسمية وهو منذ 1999 محافظاً وبدرجة وزير لمحافظة الفروانية، ونعرض هنا لأبرز ما جاء في بحثه: يقول د. الدعيج الصباح: نحن في الكويت لم نغفل يوماً واجبنا القومي اعلامياً ودبلوماسياً وثقافياً واقتصادياً وعسكريا، وما نقوم به تجاه الاخوة العرب هو عمل ارادي تفرضه عاطفة العروبة التي تتجلى في النفوس والنصوص. فقد اثبت هذا الولاء والانتماء في قانوننا الاساسي في الدستور حيث يقول في مادته الاولى: «الكويت دولة عربية ذات سيادة تامة. ولا يجوز النزول عن سيادتها أو التخلي عن اي جزء من اراضيها وشعب الكويت جزء من الأمة العربية». المادة 3: لغة الدولة الرسمية هي اللغة العربية. المادة 12: تصون الدولة التراث الإسلامي والعربي، وتسهم في ركب الحضارة الإنسانية. المادة 157: السلام هدف الدولة، وسلامة الوطن أمانة في عنق كل مواطن، وهي جزء من سلامة الوطن العربي الكبير. وما له مغزى خاص هو ان هذه المادة 157 هي المادة الأولى في الفرع الثالث بعنوان الشئون العسكرية مما يعني بأن مهمة الجيش الكويتي تشمل سلامة الوطن العربي الكبير. احتلال الكويت من قبل العراق والنوايا التي لا تزال في نفس الاتجاه قد خلقت تقوقعاً في نفسية العرب وخاصة في الخليج فقوي الاحساس القطري وسيبقى هذا الاحساس ما بقيت عدوانية النظام العراقي قائمة. وكان طارق عزيز واضحاً في قوله لجريدة الديار: «نحن نظام قوي وموجود وله جيشه.. ونحن كبعثيين وقوميين عرب نعتبر.. ان نصبح أمة واحدة بطريقتنا الخاصة «لذلك فالكلام في التضامن مع وجود صدام لايجد قبولاً عند الكويتيين أو الخليجيين أو الشعب العراقي المسحوق. ان مسألة التضامن العربي ليست متوقفة على التفاهم السعودي الكويتي مع العراق. انها مرتبطة بالطريقة التي يجب ان يتبعها العرب لتنمية قدراتهم. وطالما يوجد اختلاف على الهدف من تنمية القدرات فلا مجال لتفاهم فعلي. ان الأنظمة والعقليات والطموحات المشابهة تفكر بقوة الذات كالحزب أو الطغمة الحاكمة، بينما النظم الشرعية من وراثية وجمهورية تتطلع لتنمية شاملة تهدف للتخلص من المشاكل والصعوبات والأزمات وتتطلع لتزويد الشعوب بما تحتاجه نفسياً ومادياً. ان وجود أنظمة استبدادية إلى جانب الأنظمة القائمة على الشورى أو الديمقراطية يجعل الكلام في تطور العمل الوحدوي في غاية الصعوبة، وإلى جانب التسلط والاستبداد توجد درجة عالية من الفقر والجهل والمرض تؤدي لانشغال الفرد في تأمين معيشته غير ابه بالأمور العامة سواء كانت حوله في محيطه الضيق أو الاوسع فكيف بالمحيط القومي. هذا الانشغال يؤدي بداهة لتجميد التطور على أنواعه. لذا لا يمكن مع هكذا تخلف ان نترقب انشطة توحيدية. وهنا أيضاً اجدني شارحاً لامتحاملاً على تصرفات النظام العراقي الذي يبيع حليب الاطفال والأدوية ويبقى شعبه فقيراً محتاجاً ليتاجر بدمه وضعفه اعلامياً من جهته وليبقيه دائم التفكير لمعيشته بعيداً عن الانشغال بتحرير نفسه من جزاريه. فأي احساس قومي أو وطني أو انساني يمكن ان ينشأ في ظل هكذا تصرفات؟ ولابد من الخوض في التحليلات المتنوعة بحكم طبيعة المجتمعات العربية وتصنيفها اعتماداً على مجموعات من المعطيات تنتمي للحالة الاقتصادية وللاوضاع الاجتماعية وللعقائديات السياسية وللتفاوت الثقافي وما يحمله من خصائص لها اثرها في العمل السياسي. فالمسألة، مهما كانت امنياتنا التوحيدية قوية، ليست بالبساطة التي يظنها البعض. كما وانه يقول البعض اننا ندور في حلقة خبيثة بمعنى ان التخلف سيبقى مسيطراً مادمنا اقطاراً مشتتة. وسنبقى اقطاراً مشتتة لأن المتخلف لا يعمل للتوحيد. ان التوجهات التوحيدية في العالم العربي متعددة الوسائل والمبادرات والأهداف فإلى جانب الحكومات يوجد أحزاب وحركات ومجموعات من رجال الثقافة والفكر تعمل في حقل جمع شمل الاخوة العرب. المثقفون ونشاطاتهم، غالباً ما تقف عند التنظير والتبشير والدعوة كتابة أو خطابة وإلى حد ما تنظيماً، ومع تطور التنظيم يصبح النشاط حزبياً كما هي، أو كانت، الحال مع رجال الفكر منذ اوائل القرن التاسع عشر عندما قام الاديبان ناصيف اليازجي «1800 ـ 1871» وبطرس البستاني «1819 ـ 1883» بابراز مفهوم القومية العربية كتابة وعن طريق تأسيس المنتديات، ولنا في كتاب يقظة العرب لجورج انطونيوس مصدر قيم. وفي الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى عرفت بلدان المشرق العربي عدة نواد وجمعيات تطالب بالاستقلال والوحدة منها على سبيل المثال لاالحصر: المنتدى الأدبي «1909» حزب اللامركزية الإدارية العثماني، أسس في القاهرة عام 1912. الجمعية القحطانية «1909» جمعية العربية الفتاة «1911» جمعية العهد «1913». وبعد وقوع معظم الدول العربية في براثن الانتداب أو الاحتلال قامت بعض التنظيمات الوحدوية من أبرزها العروة الوثقى وحركة القوميين العرب وعصبة العمل القومي وحزب البعث. والحزب الوحيد الذي تسنى له الوصول إلى الحكم كان حزب البعث في سوريا وفي العراق. الجامعة نموذج التشتت العربي والجامعة العربية هي نتاج نشاط الحكومات العربية الذي بدأ في مصر عام 1943 وانتهى بتوقيع بروتوكول الاسكندرية فميثاق الجامعة العربية عام 1945. وهكذا قامت جامعة الدول العربية منظمة اقليمية تطورت اعمالها فشملت الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والإعلام بما يتفرع عن هذه الحقول من نشاط وعمل يتشعب ويتسع يوماً بعد يوم. ويوجد في الجامعة مجموعة من اللجان موزعة بين مختلف الاختصاصات كما وانه شكلت عدة مجالس لتعنى بالأمور الأساسية مثل المجلس الاقتصادي ومجلس الدفاع المشترك، ولكن تبقى اللجنة السياسية المؤلفة من وزراء الخارجية هي الإدارة الأهم في الجامعة. ونصت المادة «3» بأن يتكون من وزراء الخارجية والدفاع الوطني مجلس الدفاع المشترك تنبثق عنه اللجنة العسكرية الدائمة. ولسنا هنا لتقييم انجازات الجامعة لكننا بكلمة مختصرة لا نعتبرها محققة لآمال وتطلعات العرب. وقد مرت على العرب محن ونكبات ومشاكل عديدة وقفت الجامعة عاجزة امامها. ان العرب مفرقين او موحدين لم يسجلوا في القرنين التاسع عشر والعشرين انتصاراً يقودهم نحو مفاخر الجدود. وما سجل كان بمثابة ومضات متفرقة بقيت على نطاق محلي، ولعل أسوأ ما يواجهنا هو تراكم القضايا وتزايد المشاكل التي تبقى دون حل، مما احدث في عالمنا شبكة من التعقيدات. اننا أمام مجموعة من الازدواجيات نذكر منها التنافس بين العروبة والإسلام. التنافس بين القومية والقطرية، الصراع العقائدي: رأسمالية، اشتراكية، فاشية، ديمقراطية الخ. الصراع القبلي، الطبقي، المذهبي، معركة التجديد والتقليد. معركة التشدد والاعتدال وأخيراً حمل الينا سبتمبر 2001 نوعاً جديداً من الصراع بين الإرهاب والتعاون الدولي أو بين الإسلام والغرب أو بين الحرب والسلام. ولاننكر بأن هذا الصراع قد قسم العالم العربي بشكل حاد وخطير. ويجب ألا نغفل مسألة أساسية جداً في مجتمعاتنا العربية هي قوة ودور وأهداف الحركات الإسلامية، اذ ان معظمها تقول بالمرجعية الإسلامية وليس بالمرجعية العربية، وبعضها يعتبر توحيد البلدان العربية مرحلة أولى تمهد لتوحيد العالم الإسلامي. والسؤال الكبير الذي يفرض نفسه هنا وقد سبق طرحه من قبل عدد من رجال الفكر العرب ويتعلق بالاشكالية المرجعية بين العروبة والإسلام وهو: هل الإسلام قبل العروبة أم ان العروبة قبل الإسلام؟ هل العروبة مرتبطة مرجعياً بالاسلام ام ان الربط بين الاثنين هو «قضية ايديولوجية مزيفة»؟ وتبقى هذه التساؤلات بلا حسم ويبقى معها الفكر القومي العربي رهين تناقضات اساسية في غياب الاتفاق على الاطار المرجعي، ولهذا بالذات نجد مفكرين قوميين يقعون في تناقض عميق، فتارة يجعلون الاسلام مرجعية العروبة، وطوراً يفكون الارتباط بين الاثنين باعتبارهما مقولتين منفصلتين ومختلفتين. ونتساءل: هل في الفكر العربي المعاصر مرجعية اخرى عقلانية تحاول الخروج من فضاء المرجعيات العتيدة، نحو مرجعية اخرى يكون فيها الفكر الانساني هو الأساس والحكم؟ هذه المرجعية قائمة في نظرنا، وتتعزز على ايدي مفكرين عرب يتوزعون في هذا القطر العربي أو ذاك، ولكنها تجابه من جديد بالفكر الاسطوري وذهنية القرون الوسطى ومنظومات التخلف الايديولوجي والعقائدي، لكننا مع ذلك كله نصر على هذه المرجعية وندعو إلى شمولها مختلف الحقول المعرفية في ثقافتنا العربية، مرجعية تتعالى على المرجعيات من دون ان تلغيها، تتجاوزها من دون ان تنفيها، مرجعية عقلانية، انسانية، منفتحة، تتعامل بنقدية وتسامح في الوقت ذاته مع المرجعيات الأخرى كلها. هنا يصطدم الفكر التجديدي مع الفكر التقليدي. وليس اصصداماً سهلاً بل الكل ينظر إليه وكأنه تقريري مصيري، وكما نعلم جميعاً ان الحدة بلغت في بعض اقطارنا درجة حمل السلاح كما تنقل وسائل الإعلام، وكل من يتابع اخبار عالمنا العربي يجد مقاطع تقول: فالاصولية بما هي رفض للآخر، واحادية في الرؤية، وانغلاق على الذات، واعتقاد بالقطيعة الابستمولوجية بين الحضارات، واتجاه نحو التطرف والعنف، وانهيار للعقل النقدي والاجتهادي، فتشكل قهراً لحرية الفكر ولتطلعات العقل وارادة الانفتاح على الآخر، في محاولة لدفع المجتمع العربي باتجاه الانكفاء إلى القرون الوسطى وما تمثله من ركود وتقاليد بائدة تناقض روح العصر وقيمه التي ناضلت الانسانية اجيالاً من اجلها. وليس ما يجرى يومياً في انحاء كثيرة من العالم العربي، من قتل وارهاب مادي ومعنوي للمثقفين وللمفكرين وللمرأة، ومن عداء للآخر يصل إلى حد الاعتداء المباشر، سوى المظهر المأسوي الذريع لانبعاث الاستبداد الاصولي. ونجد كذلك مقاطع تقول بأن الخلاص مما نحن فيه لا يتوفر الا بالعودة إلى الاسلام وتطبيق الشريعة وتوحيد العالم الإسلامي واعادة الخلافة التي قضى عليها مصطفى كمال عام 1924. الخروج من أزمة الضياع ان ما تحتويه هذه المقاطع يمثل ازدواجية ليس من السهل التغلب عليها ولكن لابد من الخروج من أزمة الضياع بين التجديد والتقليد سواء كنا نهدف للتوحيد العربي أو التوحيد الإسلامي أو نبقى كل في قطره، واود هنا ان استعين بكاتبين معروفين وهما الدكتور محمد عمارة والدكتور مصطفى محمود. يقول د. عمارة: اما النصوص قطعية الدلالة والثبوت، والتي تعلقت بأمور دنيوية فهي من المتغيرات، المعللة بعلة غائبة، فتلك هي التي يثير الموقف منها اللبس الذي نعالجه الآن، وفي اعتقادي ان هذا اللبس قائم في نطاق «عوام الفكر الإسلامي» وحدهم، لأنه ليس له منطق أو حجة أو أساس. فالنصوص الدينية التي جاءت بها الرسالة لتحقيق مصالح العباد في المتغيرات الدنيوية ليست مقصودة لذاتها، وانما هي مرادة لعلتها وغاياتها ومقاصدها، وهي تحقيق مصالح العباد.. فهي ـ أي احكامها المستنبطة منها ـ تدور مع هذه العلة المصلحة ـ وجودا وعدما. ويشهد على ذلك اتفاق اهل الاختصاص في فكرنا الإسلامي على ضرورة الاجتهاد مع الاحكام التي ارتبطت بعلة تغيرت أو بعادة تبدلت، حتى ولو كانت هذه الاحكام مستندة إلى نص، وتم عليها اجماع في العصر الذي سبق تغير العلة وتبدل العادة. ان الاجتهاد مع وجود هذا النص، قطعي الدلالة والثبوت، المتعلق بالمتغيرات الدنيوية، ليس معناه الاجتهاد الذي يرفع وجود النص، بل وليس معناه الاجتهاد الذي يرفع الحكم المستنبط من هذا النص رفعاً دائماً ومؤبداً، فهو اجتهاد لا يتجاوز النص، فيلغيه، وانما يتجاوز الحكم المستنبط منه، وهذا التجاوز للحكم ليس موقفاً دائماً أبدياً، لأن حقيقة الاجتهاد هنا هي اجتهاد في مدى توافر الشروط اللازمة لأعمال هذا الحكم المستنبط من هذا النص، على النحو الذي يحقق حكمته وعلته والمصلحة المبتغاة منه فاذا توافرت الشروط فلا تجاوز للحكم، واذا لم تتوافر ثمار الاجتهاد حكماً جديداً دون ان يلغي النص ويعدمه ودون ان يلغي الحكم الذي تجاوزه الغاء دائماً، فاذا عادت فتوفرت شروط اعماله عاد الاجتهاد إلى نفس الحكم، بعد تجاوزه، وتجاوز عند الحكم الجديد، لافتقاره ـ في هذه الحالة ـ إلى شروط الاعمال، ويعطي عمارة مثلاً على ذلك ما قام به سيدنا عمر رضى الله عنه عندما اوقف العمل بثلاث آيات لأن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك: المؤلفة قلوبهم وارض الصوافي وقطع اليد في عام المجاعة. ويقول الدكتور مصطفى محمود: واليوم نرى الزمن قد استدار دورته ونرى الإسلام يدفع به إلى فتنة اكبر واشمل فنرى المسلم يقتل المسلم في كل مكان وحملة لواء لا إله الا الله يذبح بعضهم بعضاً في لبنان والعراق وايران وسوريا وليبيا وكل بلد عربي، وهم هنا يريدون ان يقتل بعضهم بعضاً تحت راية الشريعة وباسمها. وقديما لم يقطع عمر بن الخطاب يداً في مجاعة.. ولم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم يداً في حرب، ونحن اليوم في حرب او نكاد، وفي فتنة هوجاء اسوأ من كل الحروب. وما اسهل استئجار شهود زور لقطع يد بريء، وقد اوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام ان ندرأ الحدود بالشبهات وان نتعافى في الحدود وهل ترون عصر شبهات اكثر من عصرنا الذي يموج بالفتن. فالشريعة ليست قضية انفعال ولا مسألة هوى، بل هي مطلب حقيقي وعزيز ويجب ان تصدق فيه النيات، ويبدأ فيه الطالبون بأنفسهم وتتجاوب فيه القاعدة مع القمة ويأتي فيه الاصلاح على مكث وعلى ترو وعلى تدرج، فنحن في الظرف الذي يسميه الفقهاء « شيوع البلوى» تماماً كما كان انتشار الخمر في الجاهلية بلوى شائعة، ولذلك نزلت آيات تحريمها على مكث وتدرج واستغرقت مراحل تحريمها اكثر من اثنتي عشرة سنة. وكان هذا درساً من الله يعلمنا فيه مرونة التشريع الالهي ومناسبته لكل الظروف. تكامل العروبة والاسلام ثم هناك ولا شك قضايا فقهية وقانونية في حاجة إلى اعادة تقنين واعادة نظر مثل قضايا الرشوة والاختلاس والعمولات والسرقة من مال عام. ومثل تلك السرقات لايدخلها المشرع الإسلامي تحت بند قطع اليد لأنه يعتبر ان المال العام فيه شبهة ظلم فلا يجيز قطع اليد في سرقته. وبذلك نراه يقطع اليد في عشرة جنيهات ويعفي مختلس المليون الذي سرقها من قطاع عام. وهذه مسألة تحتاج إلى اعادة نظر لأن اخطر سرقات اليوم هي سرقات القطاع العام واعفاء مثل تلك السرقات من الحد سوف يشجع عليها وقطع يد صغار اللصوص واعفاء كبارهم سوف يكون فتنة، ان الدراسة مطلوبة وحسن الفهم عند الله شرط لتطبيق شريعته. ثم ان الشريعة ليست مجرد حدود. فالعدل شريعة والرحمة شريعة والعلم شريعة، والعمل شريعة والله امر بالعلم والعمل في اكثر من الف موضع وأمر بقطع يد السارق في موضع واحد وأول الأوامر مطلقاً كان «اقرأ باسم ربك الذي خلق». برغم هذا الامر الصريح بالقراءة وهو الأمر الذي له اولوية مطلقة في الإسلام فنحن أمة لا تقرأ ولا تعقل بل نفكر في المظاهرات والهتافات والمسيرات لنطبق الشريعة. ولكن ما هي الشريعة؟ انها هذا كله. انها العلم والعمل والعدل والرحمة ومكارم الاخلاق، وهي ليست مجرد حدود. وما الحدود الا سياج الامن والحماية الذي تضربه الشريعة حول خيمة المسلمين، ولكن الشريعة ككل أكبر من موضوع الحدود فهي قانون الرحمة العام وقانون الحب ودستور النماء والتطور للمجتمع الإسلامي. وما اقول هذا الكلام الا حباً في الشريعة وتمسكاً بها وخوفاً عليها من سوء النيات وسوء التفسير وسوء الفهم وسوء التطبيق وحرصاً عليها من متاجرة المتاجرين المتأمرين. والازدواجية الثانية بين الدين والقومية في هذا الصدد اني اميل لرأي الشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي والاساتذة محمد عمارة ومحمد سليم العوا وطارق البشري وفهمي هويدي الذين يرون تكاملاً لا تناقضاً بين العروبة والاسلام. ولنا جميعاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد كان موطنه احب ارض الله اليه كما كرر في اكثر من مناسبة بشأن مسقط رأسه مكة المكرمة بالرغم مما قاسى فيها من الاهوال والاضطهاد والحرمان ومحاولات الاغتيال، ولا ارى داعياً للتوسع في هذه النقطة في جلستنا هذه بالذات. والازدواجية الثالثة هي في الواقع ازدواجيات لأنها تتوزع بين الديمقراطية ومفهوم الحرية والمساواة والاشتراكية وبين العدالة والاخلاق الفردية والعامة كما عرفها الإسلام وكما ترسخت في اعرافنا وتقاليدنا. ان معظم الكتابات الغربية العميقة تقر بأن الديمقراطية ليست نظاماً معلباً يستورد بل افكار يؤخذ منها ما يلائم كل مجتمع بمفرده، ويلاحظ ان التطورات الديمقراطية في الغرب التي حصلت في القرنين التاسع عشر واوائل القرن العشرين ادت إلى التنمية بسبب الاقتصاد الليبرالي ولكن اليوم الأمر يختلف فالتطورات تستدعي اتخاذ خطوات اقرب منها لقفزات نظراً للتسارع التقني والإعلامي والتواصلي. فطبيعة المجتمع وطبيعة الدولة في الغرب هي غير ما عندنا. فالتنمية الشاملة التي نفتقر اليها تحتاج لتحرك اسرع مما ينتظر من تطورات ديمقراطية. أي ان ما كانت تطبقه الديمقراطيات الغربية اثناء الحروب هو ما نحن بحاجة إليه لأن الازدواجيات التي نعيشها تجعلنا في حالة جهاد دائم، ناهيك عن الاطماع الإسرائيلية واعدائنا الموزعين في اقطار العالم، دولاً كانت أم فئات بطبيعة متنوعة اقتصادياً أو ثقافياً أو دينياً. فاذا قلنا بأن الفكر القومي الوحدوي يواجه تحديات اضيق من تطلعاته أو أوسع منها فاننا نعني بصورة خاصة الفكر القطري في ضيقه والفكر الإسلامي في اتساعه. واذا تركنا الفكر المرتبط بالجغرافيا وما يتصل به من مفاهيم غير جغرافية نجد ان العقيدة السياسية تلعب دوراً في هذا الصدد نذكر على سبيل المثال لا الحصر الفكر الاشتراكي والفكر الرأسمالي والفكر العولمي. وكل من هذه المفاهيم لها احزاب ومنظمات تنطق باسمها. فالازدواجيات متشابكة متداخلة وتفهم بوضوح أكثر عند استعراض مباديء وتاريخ المؤسسات الحزبية المنوعة على مختلف الاصعدة مثل: الاخوان المسلمين «أممية اسلامية»، الحزب أو الأحزاب الشيوعية العربية «أممية لادينية بل اشتراكية مادية»، البعث العربي الاشتراكي «قومي»، قطريا توجد في معظم البلدان العربية أحزاب لا يتجاوز ولاؤها القطر ومعظمها أحزاب انتخابية وليست عقدية. سمات المجتمع العربي ان التنوع والاختلاف والامال المتضاربة هي صفات ملازمة للمجتمعات العربية. نأخذ على سبيل المثال الفروقات الاقتصادية. واستعين هنا بما يكتب حول علاقة التخلف بالاقتصاد الذي ينطبق على دول عربية ولا ينطبق على اخرى: ان ما تشير اليه الابحاث والدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تثبت كلها ان التخلف العربي مستمر، بل هو يتفاقم على كل المستويات منذ اواسط القرن المنصرم، والنتيجة، ان الانسان العربي يواجه استبداد التخلف المتمثل في الامية والفقر والتبعية مع ما يعنيه ذلك من تدهور حقوقه الانسانية وتراجعها إلى دون الحد الأدنى. ففي احدث الاحصاءات، انه لا يزال في العالم العربي حالياً، اكثر من مئة مليون امي، وأكثر من مئة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، واكثر من مئة مليون يعانون من البطالة، وان العالم العربي يستورد اكثر من 60 في المئة من حاجاته الغذائية، وينفق مئات المليارات من الدولارات سنوياً على استيراد الأسلحة والآلات والتقنيات. وما يزال العمر المتوقع للإنسان العربي متدنياً ونسبة الوفيات مرتفعة، وامكانية الحصول على المياه المأمونة لاتتجاوز الـ 70 في المئة، والمشاركة في الانتاج العلمي العالمي حسيرة ومحدودة، واستهلاك المنشورات الثقافية والعلمية ضئيلاً حتى بالنسبة إلى العالم النامي، ودعوني اشارككم بعض الأسى بنقل احصائيات اوردها العالم الفيزيائي العربي المعروف انطوان زحلان: يقول بأنه في عام 1995 كان معدل الانتاج العلمي للفرد العربي 26 وفي كوريا الجنوبية 144 وفي هولندا 1100 وفي إسرائيل 1330. ويقول ان الأبحاث التي نشرت في العالم العربي بين 1991 ـ 1995 كانت 5800 بحث مقابل 8877 لإسرائيل، ومع فارق كبير لمصلحة إسرائيل في القيمة العلمية، وذكر حسن حنفي في مقابلة مع «الأهرام العربي» «20/10/2001» بأن حال البحث العلمي في مصر والدول العربية لا تمثل إلا 0.02% من الدخل القومي بينما في الغرب 4%. وقبل ان انتهي من الكلام في صعوبات وعراقيل عمليات التوحيد أود ان اذكر بأن الفكر العربي لم يتمكن من ان يبدع فيصلح بالرغم من الجهود التي بذلها، ولا يزال، بعض المفكرين الذين دأبوا على تحليل الإنسان العربي. تنوعت التحليلات وتعددت دراسات الخطاب العربي ولكن الدراسات والابحاث بقيت جهوداً أكاديمية نظرية. وعدد من هذه الأبحاث يدعي بأن الإنسان العربي مصاب بمجموعة من العقد ولا مجال لحلها. اسماء كثيرة تتردد في هذا الصدد مع قاسم مشترك بينها بصورة عامة وهو التفكير عربياً من خلال عقائدية خاصة بالباحث يعتمدها كمقياس لمنهجيته. لدينا اسماء بارزة مثل: محمد عابد الجابري، انور عبدالملك فؤاد زكريا، حسن حنفي، هشام جعيط، برهان غليون، محمد أركون، جورج طرابيش، ادوار سعيد، صادق جلال العظم، الطيب تيزيني، مصطفى حجازي، عبدالله العروي وسميرامين وغيرهم. ما من شك في ان معظم هؤلاء المفكرين قد طلعوا بشيء ذي قيمة. انما عملياً تطبيقياً بقوا إلى حد ما بعيدين عن الحلول لأن الحلول لا تنبت من الكتب والنظريات بل من الممارسات وتطعيم هذه الممارسة بما يثري ويغني الواقع لا بما يقضي عليه. ان ما يحتاجه المفكرون العرب هو استنباط الحلول لقضايانا العربية، ومنها قضية التوحيد، من صلب ثقافتنا وقيمنا الدينية وامكاناتنا. في التراث العربي الإسلامي ثروة رائعة فلماذا لا يعتمدها الفكر العربي كنقطة انطلاق سيما وان الاخوان المسيحيين العرب يفخرون بهذا الانتماء الثقافي الموحد وعندما تصطدم مع الواقع القائم أو المستورد يؤخذ بما يؤمن المصلحة اقتباساً أو تزاوجاً أو مقارنة، وقيمة أي فكر بمقدار ما يخدم واقع القوم. وقيمة أي تراث بمقدار ما يسهم في تحسين المستقبل. ان الفكر العربي، وبالاخص الوحدوي لابد له من ابداع ينقله من القرون الوسطى للقرن الواحد والعشرين متبعاً قولاً عربياً تنطبق دلالته هنا وهو: لا تكن ليناً فتعصر ولا صلباً فتكسر. بمعنى: لا سلفية متزمتة تبقينا خارج الجغرافياً والتاريخ بواقعهما. ولا غربنة تجردنا من ذواتنا وتراثنا وقيمنا المستمدة من خلقية الإسلام. ان المطلوب هي الوسطية التي يدعونا لها ديننا الحنيف وسطية تنتج فقهاً جديداً يحقق مقاصد الشريعة مؤكداً قابلية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان. تحكيم العقل العربي كخاتمة أود ان اعبر صراحة عما يجول بخاطري وما اتمناه كموقف عربي في هذه اللحظات الحرجة، لحظات فلتان التعصب البغيض في الشرق والغرب. لقد فتح الحادي عشر من سبتمبر القمقم واخرج المارد الذي يلقي بظلاله على العالم مستخدماً كسلاح جاهز دعاة الكراهية هنا وهناك. وما لم يكبح عقلاء الشرق والغرب جماح هذه الحملة المسعورة فالعالم يسير بخطى حثيثة نحو الدمار، وبالنسبة لنا كعرب اننا مدعوون لتحكيم العقل قبل العاطفة والعودة لجذور التدين السليم القائل بأن البشر كلهم من نفس واحدة. واعداء الدين، كل دين سماوي واعداء الإنسانية بشرقها وغربها هم الأعضاء في تحالف الاضداد، اعداء الإسلام واعداء الغرب. انهم في كتلة جهنمية واحدة تهدف للقضاء على السلام العالمي. ان صديق العرب والمسلمين من سعى خيراً بينهم وبين الغرب. ان العالم بحاجة لتبادل القيم لأخذ الحسنات من هنا وهناك لصياغة نظام عالمي تبادلي يبرز خير الثقافات ويصر على ان جميع ثقافات العالم متساوية في الكرامة، وأجدر من يفقه هذه الحقيقة هو المسلم المؤمن الذي يدرك عالمية دينه. يقول الحق سبحانه «يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا». الحجرات 13وهنا أيضاً علينا ان نلجأ للفكر، للفكر العربي الذي بنى امبراطوريات وامجاد. وليس بكثير عليه ان يجد حلولاً لما نحن فيه في هذه الايام العصيبة. ومسئوليتنا نحن كمسلمين تفوق مسئولية ابناء الديانتين السماويتين الأخريين، لأننا مأمورون دينياً للتعارف والتعاون ولأن من مصلحة الإنسانية ان نشجع كل تسامح وتفاهم وتعاون