بيان الاربعاء: تعود بي الذاكرة عقدين من الزمن للوراء. في قمة فاس الأولى طرح الأمير فهد بن عبد العزيز (قبل أنْ يصبح ملكاً)، ما أصبح معروفاً في الأدب السياسي العربي بمبادرة الأمير فهد والتي كانت تشكل أول اتجاه عربي، لاقرار خطة سلام تصبح الخيار الاستراتيجي العربي. في ذلك الزمان الغابر كانت الجرعة كبيرة واعترض السوريون، ولم يحضر الليبيون، ولم يتحمس الكثير من القادة العرب، الاّ ياسر عرفات الذي كان في غاية الحماس لانجاح المبادرة. لأسباب لا أعرفها حتى يومنا هذا، كان الوفد الفلسطيني المرافق لأبي عمار من العناصر الفلسطينية المتشددة، ان لم أقل المتطرفة واتخذوا موقفاً في غاية المعارضة للمبادرة. انهارت تلك المبادرة ولم تنعقد القمة وجرى تأجيلها عاماً كاملاً لتنعقد في مدينة فاس ذاتها وفي نفس القاعة. رأيت ياسر عرفات، غاضباً وعاصفاً بشكل غير مسبوق بالنسبة لي، رغم أنني رأيته قبلها متوتراً وهجومياً في مناسبات سابقة. سألت أبا عمار بعد ذلك بفترة، في حوار مسجّل بصوته عن سبب حماسه لتلك المبادرة في حينه. قال أبو عمار انه لو تم اقرار المبادرة آنذاك، لما حدث الغزو الاسرائيلي للبنان صيف العام التالي: عام 1982م، ربما كانت العملية السياسية قد سارت ونحن الفلسطينيين في قلبها، ولربما دفع ذلك ادارة ريجان لكبح جماح الثلاثي«شارون ـ بيجن ـ اتيان. في سبتمبر 1982م، انعقدت القمة العربية في فاس، بحضور الزعماء العرب وقد خرجوا جميعاً للقاء ياسر عرفات: بطل صمود بيروت، حيث كان قادماً من هناك. ربما كانوا ينفذون مقولة الشاعر العربي: فليسعد النطق ان لم تسعد الحال. اذ لم يستطيعوا أن يقدموا دعماً فعلياً لآلاف الفدائيين المحاصرين (بفتح الصاد) داخل بيروت، باستثناء دعوة «القذافي» لهم بالانتحار. وانهارت يومها جبهة الصمود والتصدي، التي أسميناها منذ أن حاصر شارون عاصمة عربية، جبهة الصموت والتصّدع. في قمة فاس الثانية أقّر العرب ما أصبح معروفاً بمبادرة أو خطة السلام العربية ذات النقاط الثماني وهي مبادرة الأمير فهد (الذي أصبح ملك المملكة العربية السعودية) في تلك القمة، مع بعض التعديلات المحدودة. احتاج الأمر الى دخول عاصمة عربية وترحيل آلاف الفدائيين عن خطوط التماس مع العدو، حتى نقبل ما رفضناه قبل ذلك بعام واحد. هكذا نحن دائماً، نقبل ما نرفضه حين تتغير الموازين ويصبح الحصول على ما قبلناه متأخراً وربما فاتت فرصته ورحل أهله». و«اللا» مقدسة في تراثنا العربي والفلسطيني. حتى لو كان بامكاننا أن نقول «نعم» ولكن ونضع مع «لكن» ألف شرط يجعل النعم مساوية لِ«اللا». فاننا نرفض ذلك. نفضل أن نقول: «لا» عريضة مستريحة، حتى نريح ونستريح. في بلادنا مثل يقول: «ان من لا يريد تزويج ابنته لطالبها فانه يرفع الَمْهر الذي لا يستطيع طالب العروس أن يدفعه». يبدو أننا نؤمن به «نعم ولكن» حين يتعلق الأمر بالزواج فقط. مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز، تأتي بعد مبادرة السلام العربية بعقدين من الزمن، تغيرت فيهما أوضاع وانهارت امبراطوريات، وسالت أنهار من الدماء العربية بفعل جاهلية حكام آخر الزمان، من بقايا الثورجيين العرب. وهي ترجمة «أمينة وصادقة لمبادرة السلام العربية ـ القديمة ـ مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات العربية الدولية: سقوط الاتحاد السوفييتي، واقفال أبواب الخيارات العسكرية باقفال من فولاذ، وابقاء مسرب صغير لثوار الفضائيات ليستمتعوا بالحديث عن القتال ـ حتى يوم القيامة ـ ، ووجود معاهدة سلام مع مصر ومع الأردن، وانفتاح حدود خيارات السلام السوري الاسرائيلي، الذي انهار على بعد «بَصْقة» من مياه بحيرة طبريا: وحدود هذا الخيار: عودة كاملة للأرض دون اقتناص بوصة واحدة واذا أراد المتنزهون الاسرائيليون أن يستمتعوا بالاسترخاء على شواطئ البحيرة الساحرة، فذلك شأن سوري، لا جدال فيه، وانفتحت حدود السلام الفلسطيني الاسرائيلي، الذي انهار رغم طرح اعادة 97% من الأرض المحتلة في الضفة والقطاع، وبقيت عقدة «اللاجئين» وعقدة «القدس» تحوم فوق رؤوس المفاوضين في كامب ديفيد وطابا وستوكهولم وكل مكان. وتأتي المبادرة السعودية لنقول بالفم المليان: انه حين اتضحت حدود القوة الذاتية الفلسطينية وحدود امكانات الانتفاضة، دون عناء أو مكابرة، فانْ العرب يقررون تحّمل مسئولياتهم، اذ حين تنتفي امكانات «الحرب» فانهم يتقدمون باغراءات السلام وهي كبيرة جداً للمواطن الاسرائيلي الذي يبحث هو الآخر، عن مخرج لمأزقه الذي لم يجد له حلاً: لا المعتدلون من أمثال بيريز وباراك وبن عامي، ولا المتطرفون أمثال شارون وأفيجدور ليبرمان. التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل هذا هو مضمون المبادرة التي ملأت الفراغ السياسي في الشرق الأوسط، بسرعة مذهلة، دليلاً على تعطش المنطقة لمبادرة توقف نزيف الماء، وتعيد للمنطقة استقراراً مفقوداً. أما المتحذلقون الذين يمتطون ظهور الفضائيات العربية، من صياح الديك حتى غياب آخر نجمة في السماء، ويتحدثون عن تنازلات موهومة فاننا نقول لهم: ان المبادرة مازالت اطاراً عاماً لسلام شامل نضجت ظروفه وانفتحت، لكل ذي عينين، مخاطر غيابه، أما اللاجئون والحدود والقدس فتلك موضوعات ستدخل في الاطار العام، بقرار عربي من قمة بيروت، وهذا ما تطالب به الرياض.