بيان الاربعاء:إشكالية الشرعية والمشاركة في السلطة والثروة ظاهرة عامة في أغلب دول العالم الثالث، باكستان وهي الدولة التي ارتبط قيامها بالمشروع الإسلامي، لم يستقر فيها الحكم خلافاً لجارتها الهند، التي طورت لنفسها نظاماً ديمقراطياً مستقراً حافظ على وحدتها وعلى التداول السلمي الديمقراطي للسلطة. فالهند لم تشهد في تاريخها المعاصر أية محاولة جادة من قبل العسكريين للتدخل في العملية السياسية بل طالب العسكر الحكومة بعدم استخدام الجيش في التعامل مع الأحداث الداخلية للحيولة دون تسيسه. في باكستان الصورة مختلفة فيها لعبت القوات المسلحة الدور الأساسي في الحياة السياسية، ربما أثرت البيئة التي أحاطت بالدولة الوليدة في مسيرتها ـ الصراع المزمن مع الهند والوضع المتفجر في كشمير، التعقيدات المحيطة بالعلاقات المدنية العسكرية هشاشة الديمقراطية وفسادها إضافة لعامل آخر لعب الدور الأهم في قيام باكستان وفي كل التحولات التي حدثت فيها وهو علاقة الدين بالدولة. تسييس الدين وهي العملية التي أخذت بعداً جديداً في عهد الرئيس ضياء الحق وصلت إلى قمتها بانتصار طالبان وسيطرتها على أفغانستان. الغريب في الأمر أن باكستان بدعم أمريكي هي التي رعت ودربت المجاهدين الأفغان واستخدمتهم كخط دفاع أول ضد التمدد السوفييتي في آسيا. بعد انتهاء المهمة بانسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان وتفككه وسيطرة أكثر فصائل المجاهدين تطرفاً (طالبان) على معظم التراب الأفغاني تبدلت المواقف وتغيرت التحالفات. بقايا الاتحاد السوفييتي القديم (دول آسيا الوسطى) أصبحت هي الحليف لأمريكا من أرضها انطلقت قوات التحالف ضد الإرهاب بقيادة أمريكا لضرب من كانوا بالأمس في طليعة المقاومين للتمدد الشيوعي في أفغانستان. في هذه المرحلة تغير أيضاً الدور الباكستاني وهو دائماً متغير حسب توجه الرياح الأمريكية. تمشياً مع الجديد في المواقف قادت باكستان العمل الميداني ومحاولات تصفية الوجود الطالباني وشركائه في أفغانستان ومحاصرة مناصريه في الدولة والمجتمع الباكستاني.. لكل هذه السباب وغيرها اعتمدت باكستان في مسيرتها المتعثرة على القوات المسلحة، عملت على تسليحها بأحدث الأسلحة فالمصلحة الوطنية تخدمها قوتان: القوة الخشنة «القوات العسكرية والاقتصادية للدولة» أما الثانية فهي القوة اللينة اي «التأثير الإعلامي» والثقافي. ونتيجة لعدم شيوع ثقافة الديمقراطية واحتقان العلاقة العسكرية المدنية في باكستان تدخل الجيش في الحياة المدنية السياسية مؤكداً قدرة المؤسسة العسكرية على تطويع الإرادة المدنية خاصة. وقد ثبت بالتجربة أن القوى السياسية التي تطالب بالديمقراطية بعد كل انقلاب عسكري لم تستفد من أخطائها للدرجة التي دفعت البعض لوصف البيئة الداخلية الباكستانية تحديداً المدنية منها بأنها طاردة لثقافة الديمقراطية وغير ساعية لتدعيم أركانها داخل الفضاء المجتمعي. المهم نتيجة لكل هذه التحولات محلياً ضعف النظم الديمقراطية اقليمياً قضية كشمير والصراع مع الهند إضافة للتحولات الكبيرة التي حدثت في افغانستان بكل أبعادها الاقليمية والدولية وآثارها على بقاء باكستان كدولة بعد أن أصبحت بحكم علاقاتها المتشابكة مع طالبان وتنظيم القاعدة من أكبر مصدري الإسلام الراديكالي في العالم. لعب الجيش الدور المحوري في كل الأحداث عبر شبكة معقدة من التحالفات الاقليمية والدولية حماية لأمن باكستان وحفاظاً لقوتها النووية هكذا علل الجنرال مشرف مواقفه المؤيدة لأمريكا في افغانستان. باكستان والنموذج التركي الجديد في الساحة الباكستانية سعى الجنرال مشرف لتمرير تعديلات دستورية يتم بموجبها: إنهاء ظاهرة الانقلابات العسكرية في باكستان. تمكين القوات المسلحة من مراقبة الأداء المدني والتحكم فيه. المطلوب هو تطبيق النموذج التركي في باكستان وهو الذي تم تنفيذه بعد آخر انقلاب عسكري في تركيا قاده الجنرال كنعان أفرين. وكان أحد شروط العودة للحياة المدنية وإنهاء ظاهرة الانقلابات العسكرية هو تمكين المؤسسة العسكرية بأن تكون لها آلية تتحكم عبرها في مجرى الحياة السياسية. بتكوين مجلس الأمن القومي وهو أعلى سلطة سيادية وصانعة للقرار في الحياة السياسية التركية وله صلاحيات واسعة أبرزها حق الفيتو على القرار المدني. الآن تتكرر نفس التجربة في بلد مسلم آخر هو باكستان، في باكستان اليوم أوشك جهاز «إعادة بناء الوطن» من تكملة الدراسات لكل ما يتعلق بالتعديلات الدستورية المقترحة والتي سوف يتم رفعها للرئيس الباكستاني لإقرارها قبل عرضها على الشعب في استفتاء يسبق الانتخابات العامة. وكان ابرز ملامح التعديلات المطروحة: تشكيل مجلس الأمن القومي الغلبة فيه لجنرالات المؤسسة العسكرية ومنحه الحق في إقصاء أية حكومة مدنية. بهذه المعادلة يمكن قفل ملف الانقلابات العسكرية واخضاع الإرادة الشعبية للمؤسسة العسكرية تمشياً مع التجربة التركية التي كثر الحديث عنها في بلادنا أخيراً. السودان والخيار التركي في السنين الأولى لحكم الرئيس الحالي الفريق عمر البشير زار دبلوماسي من دولة كبرى أحد السياسيين البارزين في السودان. في تلك الزيارة تحدث الدبلوماسي عن السودان وقضاياه المعقدة وعن افتقاره لشخصية قيادية مجمع عليها !! فهم السياسي السوداني الإشارة ورد عليها بذكاء إذ قال للدبلوماسي: ما ذكرته تأكيد على وعي الشعب السوداني وديمقراطيته وعلى أن القرارات في السودان نابعة وخاضعة للإرادة الشعبية. هنا ختم الدبلوماسي لقاءه بحديث معمم عن دور القيادة العسكرية المقبولة مدنياً في دول العالم الثالث. في السودان أيضاً لم تستقر النظم الديمقراطية لأسباب بعضها مشابه لما حدث في باكستان منها الموروث من الحقبة الاستعمارية في تلك المرحلة اعتمدت الإدارة البريطانية على البرجماتية السياسية والتمايز بين الدولة الأم والمستعمرات وهي التي أدت في النهاية إلى ظهور النزعات الاثنية والاقليمية في مستعمراتها السابقة وأفضت إلى خلق مشكلات أثرت في عملية بناء الدولة في العهود الوطنية ـ لذلك واجهت هذه الدول في مرحلة ما بعد الاستقلال إشكالية بناء الدولة القومية الانجاز الاقتصادي ـ إشكالية الشرعية والمشاركة ـ الإنجاز التنموي إضافة إلى الموروث أضفنا نحن في العهود الوطنية مشاكل عقدت الأزمة التي بدأت بحادثة توريت المؤلمة 1955م. عجز النخبة عن إدارة البلاد إدارة رشيدة ـ اتساع دائرة الحرب الأهلية والفقر ـ تعددت الولاءات وتعارضها أدى إلى غلبة الانتماء والولاء للقبيلة على حساب الولاء للوطن ـ ضعف النظم الديمقراطية والمجتمع المدني فتح الأبواب أمام أصحاب التطلعات غير المشروعة لإدخال العسكر كرقم في العملية السياسية. اسلوب امريكي جديد السودان اليوم أمام خيارات صعبة بعدما دولت قضيته وضعفت إرادة مواطنيه، إنها الكارثة في عصر المتناقضات (العولمة والشرزمة ـ السلام والصراع ـ الرفاء والفقر ). في ظل هذه التناقضات برزت دعوة إلى تقليل استخدام القوة المسلحة في حل النزاعات، فيما تراجع مفهوم السيادة من السيادة المطلقة إلى السيادة المشروطة وأدخل مفهوم الظروف الاستثنائية وحق المجتمع الدولي في التدخل دبلوماسياً عن طريق الاقناع والمعونات والعقوبات أو عسكرياً باستخدام القوة في الشأن الداخلي للدول. في ظل هذا المفهوم تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في أفريقيا تحت مسمى المساعدات الإنسانية أو حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان محاولة وراثة الدور الأووبي خاصة فرنسا في أفريقيا وتبني زعامات أفريقية لها ولاء لأمريكا خاصة الذين يصلون للسلطة بمساعدة أمريكية مباشرة أو غير مباشرة لم يكتب لها النجاح. الآن تغير الأسلوب الأمريكي وفق استراتيجية هدفها الأساسي تسوية النزاعات باتباع أساليب عملية ومتدرجة تستخدم لنجاحها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. والمشروع ليس جديداً. في ثمانينيات القرن الماضي ظهرت أعمال مهمة في مجال دراسة التفاوض. أحد هذه الأعمال هو «الوصول إلى نعم» باع أكثر من مليوني نسخة. في هذا العصر اهتمت دراسة التفاوض كأداة لحل الصراعات بالممارسة والبعد العملي وهي النقطة التي ركز عليها دانفورث المبعوث الامريكي للسودان في حواراته مع مختلف أطراف الصراع في السودان عندما قدم مشروعاً عملياً محدداً ربطه بجدول وسقف زمني أقرب إلى البناء المتدرج في خطوات متلاحقة. ربما صعب علينا نحن في السودان والبلاد المشابهة استيعاب هذا الأسلوب لتعودنا على الأسلوب الفضفاض والحوارات المطولة وغير المجدية. في أمريكا ارتبط التفاوض كأداة لحل الصراع بالممارسة والجانب العملي وذلك بقيام منظمات متخصصة في حل المنازعات وأخرى تجمع بين الدراسة العملية والممارسة العملية لحل الصراعات مثل برنامج التفاوض في كلية حقوق هارفارد ومعهد الولايات المتحدة للسلام الذي أنشأته الحكومة الأمريكية لدعم البحث حول الصراعات الدولية. أما أهم المفاهيم المرتبطة بحل الصراع فتتمثل في: ـ أدوات تسوية الصراع. ـ التمييز بين تسوية الصراع (كمتغير سلوكي) وحل الصراع على مستوى أعمق يتطلب تغييراً في الاتجاهات يؤدي في النهاية إلى عدم تجدد الصراع. اهمية الاعتماد المتبادل لنجاح التفاوض والتمييز بين مدخل محاولات تعظيم المكاسب مع الاستعداد لتقديم تنازلات ومدخل المنافع المتبادلة في التفاوض. نظرياً يمكن أن يقال ان أمريكا بحكم وزنها هي الوسيط القادر على إيجاد الحلول المناسبة ولكن دور أمريكا في أي بقعة في العالم رهين بالاتي: أولاً: قدرة أصحاب المصلحة في الحل في الوقوف مع مصالح بلادهم العليا لا المصالح الذاتية أو الحزبية. ثانياً: بمصالح أمريكا ومدى توافق الحل مع استراتيجيتها على مستوى العالم. دانفورث وكرومر لذلك ارتبط التدخل الأمريكي في أي بلد بضعف قواه الداخلية. دانفورث في مقالة له قبل أيام تحدث بلهجة اللورد كرومر في زمانه عنوانه القصف الجوي ينسف وعود الحكومة جاء فيه: إن رحلتي في يناير الماضي للسودان لم تكن لطرح خطة سلام من قبل الولايات المتحدة أو اتخاذ موقف رسمي من تفاصيل السلام العادل. لقد كانت مهمتي إعداد تقرير للرئيس جورج دبليو بوش حول جدوى قيام الولايات المتحدة بمساعي حثيثة ودور مسنود لمساعدة المواطنين السودانيين للتوصل لسلام عادل في بلادهم ووقف المعاناة الحقيقية التي احتملوها من جراء الحرب الأهلية. ثم شرح دانفورث مقترحاته مركزاً على النقطة الرابعة في مشروع رباعي الأركان وهي النقطة التي اختلف حولها مع الحكومة. قال دانفورث: بينما أكد ممثلون للحكومة السودانية في الأسابيع الماضية قبولهم بنظام رقابة دولية للتحقق من حماية المدنيين، جرى يوم الأربعاء الماضي قصف بالطائرات العمودية لمقر الإغاثة التابع لبرنامج الغذاء العالمي حيث قتل 17 مواطناً. لقد أصبح هذا الأمر من موروثات تكرار الهجوم وايضاً من موروثات قول الحكومة شيء.. وفعل شيء آخر.. وكرر دانفورث ما ظل يردده كثيراً إذ قال: أنا كأحد أبناء ولاية ميسوري سبق أن كررت القول للسودانيين إنني أريد «أن أرى لا أن أسمع ». وأشار إلى الهجوم الذي راح ضحيته 17 مواطناً كمؤشر بأن الحكومة ليست جادة في عملية السلام. وأثنى دانفورث في ختام مقاله على استيضاح الإدارة الأمريكية للحكومة السودانية ومحاسبتها بتعليق الاتصالات والمباحثات لحين الحصول على تفسير مقنع حيث لن تكفي الكلمات وحدها هذه المرة ويجب اتخاذ إجراءات وقرارات تضمن عدم تكرار ذلك مرة أخرى. الضغط على حكومة السودان تعددت مصادره وأن توحد مجراه. تكتلت دول غرب أوروبا وتحدثت بخطاب موحد بدأ بتصريح للناطق باسم الخارجية الأمريكية أشار فيه لوقف مساعي واشنطن في ملف السلام في السودان لحين إبلاغها بتفسير لحادث قصف المدنيين. واستدعت أربع من العواصم الأوربية (لندن ـ بروكسيل ـ باريس ـ أسلو) سفراء السودان لاجتماع وطلب تفسير أما وزير خارجية أمريكا فقد طعن في تماسك الحكومة بقوله «لا يمكننا الاستمرار في الاتصال بحكومة يتفاوض نصفها ويزرع العراقيل نصفها الآخر». التحدي الاكبر للأسف كان رد الحكومة السودانية ضعيفاً ومهزوزاً بيان من وزارة الخارجية أقرب إلى الاعتذار. حتى الدكتور مصطفى عثمان لم يكن موفقاً في تصريحه خاصة الجملة الأخيرة التي تحدث فيها عن التنسيق والتناغم بين المؤسسة العسكرية والدبلوماسية تحت إشراف رئاسة الجمهورية. القضية اليوم أكبر من المؤسسات والأحزاب في الحكومة والمعارضة. القضية قضية وجود ومصير أمة. قضية بهذا المستوى والخطورة لا يمكن أن تترك لتدار في غرف مغلقة وفي دائرة ضيقة. وفي الطرف الآخر دول وضغوط مقالة دانفورث يشتم منها أن لأمريكا خيارات للتعامل مع السودان. بدأت بالانفراد بالنظام وخلخلة تماسكه كي تتمكن من الاتصال مباشرة بالمواطنين تحت شعار جاءت أمريكا لحمايتكم ورعايتكم وتقديم الإغاثة لكم. الآن نستطيع أن نقول ان المشروع الأمريكي قد نجح في التعامل بأكثر من وسيلة مع الحكومة والمعارضة والقبائل و في تهيئة المناخ لمرحلة جديدة يتم إعدادها تحت نار هادئة اقليمياً ودولياً. التحدي المواجه لنا جميعاً هو أن يقف الجميع مع مصلحة البلاد العليا بالتخلي ولو مرحلياً عن الانتماءات الضيقة والولاءات الفرعية يجب أن نرفع شعاراً واحداً «السودان أولاً » أما عن سؤال الدبلوماسي للسياسي السوداني عن القوات المسلحة السودانية نجيب بالآتي: تدخلت القوات المسلحة في المجال السياسي بقرارات لم تتخذها منفردة إن لم نقل بأنها مدنية بالأصالة، كل الانقلابات التي حدثت في البلاد والسودان كتاب مفتوح تم التخطيط لها خارج المؤسسة العسكرية ـ والنظم التي نتجت عنها باستثناء حكومة عبود لم تكن الغلبة فيها للعسكريين، بل على العكس تعرضت القوات المسلحة لعمليات تصفية متعمدة بهدف تسييسها وإعادة هيكلتها. لذلك يجب أن يعرف الجميع أن القوات المسلحة السودانية وطنية التكوين والتوجه ولم تخضع في تاريخها كمؤسسة لتأثير يأتي لها من خارج الحدود.