سعيد: هل تقابل الزعيمان الكبيران عبدالناصر ولومومبا؟ باتريس: مرة واحدة في أكرا عام 1958. د. خالد: عايز أسمع منك موضوع الاغتيال والحامض والأسنان الذهب. وقبل أن يبدأ باتريس في الكلام يتصل د. خالد بالفريق سعد الدين الشاذلي يقول له أنا ابنك خالد جمال عبدالناصر ويخبره بوجود باتريس ويقول له: باتريس يريد أن يسلم عليك، ويؤكد على دورك فيما فعلته لأسرة لومومبا. باتريس: ازي صحة ساعدتك.. عامل ايه.. احنا بنحكي عن دورك العظيم.. لا.. لا.. اللي حصل إنهم عزمونا في بلجيكا علشان جلسة الاعتذار.. ولم نحضر. يعطي باتريس التلفون للدكتور خالد الذي يعاود الحديث مع الفريق سعد الدين الشاذلي.. ويقول له: معنا الأخ سعيد الشحات يريد أن يتحدث معك. سعيد: أهلا سيادة الفريق.. كلما قلبنا صفحات التاريخ نكتشف بطولات جديدة لك، لكنها معهودة منك. الفريق سعد الدين الشاذلي: في قضية لومومبا نحن كنا تحت راية جمال عبدالناصر.. تلك الراية التي أقلقت الاستعمار في الدول العربية والدول الافريقية. سعيد: بعد كل هذه السنوات.. ماذا تذكره الآن من قصة اغتيال لومومبا.. ومساعدة عبدالناصر له؟ كنت قائد الكتيبة العربية التابعة للأمم المتحدة في الكونغو، وكان ثلثاها من المصريين والثلث من السوريين لأننا كنا أثناء الوحدة بين مصر وسوريا.. وكان هذا أول اشتراك مصري خارج الحدود، وأثار هذا غضب أمريكا على عبدالناصر الذين رأوه أنه ينظر الى أفريقيا بأهمية تأتي من نظرته الشاملة للأمن القومي لمصر وللعرب، وكان هذا الغضب ينعكس على الكتيبة.. وممايدل على عدائهم لنا، وضعهم لنا في أقصى الشمال الغربي للكونغو، وكان بيني وبين العاصمة ألف كيلو، وهذا البعد كان مقصودا حتى لانكون بالقرب من قلب الأحداث.. وعلى الرغم من ذلك كنا نقوم ببعض الأشياء التي تصب في مصلحة الهدف الذي نقوم به صحيح أنا كنت تابعا للأمم المتحدة رسميا، لكن أنا مصري ولا أنسى مصريتي.. فقمت بدوري الذي يمكن تلخيصه في انقاذ أطفال لومومبا.وكل ما استطيع قوله انني قمت بدوري وزرتهم في منزل عبدالعزيز اسحق، كما زارني ابنه الأكبر أيام كنت في الجزائر.. ولولا وجودنا في الكونغو ماتمت عملية التهريب. ما هي الوسائل التي كانوا يحاربونكم بها؟ الفريق سعد الدين الشاذلي: استخدموا وسائل كثيرة منها قولهم ان مصر تسعى الى الهيمنة على افريقيا، وكانت هذه الدعوة مدعمة من أمريكا وبلجيكا، وكنت أحمل معي كتبا مصرية كثيرة، والقرآن الكريم، وأشياء مكتوبة باللغة الفرنسية، وكل هذه الاشياء كانت تثير القلاقل لدى الأمريكان والبلجيك، وأذكر من نماذج التحرش التي كانت تتم ضدنا. أننا كنا في منطقة مواجهة لبلدة بانجي في افريقيا الاستوائية، وكان الاستعمار الفرنسي قائما هناك.. وكان المرور بين افريقيا الاستوائية، والكونغو يمر عبر المعبر الذي توجد فيه فرقتنا كان الفرنسيون يطلقون الطائرات على ارتفاع منخفض علينا بحجة مسح المكان، وفي نفس الوقت استعراض قوة ضدنا.. وكان هذا نوعا من التحرش ضدنا نحن بالذات دون باقي الفرق الاخرى، والسبب اننا من عند جمال عبدالناصر الذي يراه الاستعمار الخطر الأول عليه. وهل امتدت هذه النظرة الى شعب الكونغو؟ سعد الدين الشاذلي، لابد أن نسلم أن الوضع هناك كان متخلفا الى أبعد مدى، فلا يوجد تعليم، ولا هياكل دولة وعلى الرغم من ذلك كانت تأتي لي الكتب ويتم توزيعها، وهناك الكثير ممن أسلموا بسبب ذلك.. واندونيسيا كانت لها كتيبة وهم مسلمون مائة في المائة، لكن على الرغم من ذلك كان التأثير يأتي من المصريين كانوا حين يجلسون امام أي فرد من الفرقة يشعرون وكأنهم امام شيخ ازهري.. هذا بالاضافة الى ما أعطاه عبدالناصر لمصر من قيمة. ماذا عن رد الفعل بعد معرفة عملية هروب أبناء لومومبا؟ الشاذلي: في المراحل الأولى.. تعاملنا وكأننا لا نعرف أي شيء عن القصة.. وبالتالي صدرنا لدى الآخرين ان الفاعل الرئيسي لم يكن معروفاً. سعيد: شكرا سيادة الفريق.. وعودة مباركة من الحج. سعيد:... ايه حكاية الاعتذار اللي تحدثت فيها مع الفريق سعد يا باتريس؟ باتريس: بلجيكا تعتذر لحكومة الكونغو وأسرة لومومبا، وقرروا يعملون مؤسسة تحمل اسم لومومبا للديمقراطية وتعطي منحا دراسية.. والصحف هنا قالت إن إحنا قبلنا الاعتذار وتنازلنا، ولكن هذا لم يحدث.. والحقيقة أن الحكومة البلجيكية وجهت لنا دعوة لحضور جلسة البرلمان التي ستناقش هذا الأمر وبعدها نقرر. أمين اسكندر: هل معنى ذلك أنكم تعتزمون مقاضاة بلجيكا.. وهل هي الطرف الوحيد؟ باتريس لم نقرر بعد الأحداث اللي حصلت كان طرفها المخابرات البلجيكية، والأمريكية حيث تم ضرب الوالد بالرصاص هو واثنين معه، وووضعوهم في حفرة، وفي اليوم الثاني لاحظ أحد أفراد الحراسة إن يدا طالعة من الحفرة فاتصل برؤسائه يسألهم فأبلغوه بضرورة اعادة حفر الحفرة واستخراج الجثث منها، وتقطيعها، ووضعها في الآسيد (المحلول) حتى يختفي كل أثر لها.. والشخصان اللذان كانا مع لومومبا هما رئيس البرلمان، ووزير في وزارته، وكانا من حزبه (الحركة الوطنية الكونغولية) وأخي يترأسه الآن. كانت المخابرات الأمريكية وحسب ما ظهر فيما بعد قد دخلت على خط اغتياله، وكانت هي التي توجه هذه العمليات، وفي مرة حاولوا اغتياله بمعجون أسنانه، حيث وضعوا فيه مادة سمية تقتله فور استخدامه.. وفشلت هذه الحكاية.. وبعدها ركزوا دعايتهم على أنه شيوعي، وكان هو يواجه ذلك بأنه حاول أن يمد يده لأمريكا طالبا المساعدة وكذلك بلجيكا، لكنهما رفضتا فهدد بالاتجاه للكتلة الشرقية. سعيد: نفس ما حدث مع عبدالناصر حين اعتزم بناء السد العالي، ورفضت أمريكا المساعدة.. باتريس: جهاز الـ C. I. A رأى أنه مع خيرات الكونغو، واعتزام لومومبا التوجه الى الكتلة الشرقية.. رأى أنه لابد من التخلص منه وبأسرع وقت ممكن، فليس من المصلحة كما قال رجل الـ C. I. A في فيلم وثائقي عن هذا الموضوع وأذاعته القناة الخامسة الفرنسية مؤخرا قال: ليس من مصلحتنا أن يظل هذا الرجل يحكم البلد ولابد من التخلص منه.. بعد عملية تهريبنا ومجيئنا الى هنا في القاهرة الوالد كان عايز يطلع من العاصمة الى بلد اسمها ستانليفيل وكان أتباعه كثيرون في هذه البلد.. بالفعل خرج كويس من العاصمة وفي الطريق الى ستانليفيل.. كانت الناس تستوقفه وهو يخطب فيهم ويشعل حماسهم هذه العملية عطلته.. وكان توقفه في كل نقطة فرصة للابلاغ عن كل تحركاته.. وعن الأماكن التي يتوقف فيها.. موبوتو لم يكن عنده طيارات فأمده الأمريكان بطيارة هليكوبتر وطائرات أخرى لنقل قواته وعملوا خطة قامت على تحديد مكان سوف يعبر منه لومومبا بواسطة «معدية» الى المكان المقابل وفي الناحيتين ستقف قوات لموبوتو بحيث أنه لو فلت من القوات من ناحية سيجد قوات من الناحية الأخرى تعتقله.. وهذا ماحدث بالفعل حيث تم القبض عليه في هذه النقطة واقتادوه الى الطائرة التي عادت به الى العاصمة، وفي العاصمة حبسوه في معسكر جيش، موبوتو ومن معه رأوا أنه من الخطر وجود لومومبا في المعسكر حيث من الممكن أن يتكلم مع الحراس ويقنعهم فيتحولوا من ضده الى معه وبالتالي من الممكن أن يهربوه من السجن.. وعلى هذا الاساس جاء التفكير بضرورة التخلص من لومومبا.. كان هذاهو تفكير تشومبي الذي تحالف معه موبوتو وكان هو العدو اللدود للوالد وأعلن انفصال اقليم كتانغا وتنصيب نفسه رئيسا له وكان حوله مستشارون بلجيكيون يضعون له الخطط وينفذ.. أخذوه من المعسكر في طائرة الى فيلا سكنية خالية.. كان هو من آثار التعذيب شبه ميت، وجاء اليه تشومبي لزيارته في نفس الوقت الذي كان يتم فيه تعذيبه.. وقرروا أن يتخلصوا منه بأسرع وقت ممكن حتى لاتحدث قلاقل في البلد، وبالفعل أخذوهم هم الثلاثة.. لومومبا.. وجوزيف أوكيتو رئيس مجلس الشيوخ، ووزير الاعلام موريس موبولو.. ضربوا بالرصاص.. وحدثت عملية الدفن، وكان الوالد له سنتين ذهب.. أخذهما الضابط البلجيكي الذي نفذ عملية القتل كذكرى على ما فعل.. وتم تقطيعهم ووضعهم في حمض كبريتيك لاذابتهم وكان الهدف إخفاء أي معالم للجثث. سعيد: أين كانت الوالدة؟ باتريس: الوالدة خرجت بعد اغتيال الوالد من العاصمة في حماية الأمم المتحدة الى ستانليفيل.. المكان الذي كان الوالد في الطريق اليه وتم القبض عليه.. كانت البلد انقسمت في هذا الوقت الى قسمين.. حكومة شرعية في ستانليفيل، وموبوتو بيعمل حكومة ثانية.. لما ذهبت الى ستانليفيل أخذت تصريحا بالخروج والمغادرة.. في نفس هذه الفترة كالي شقيقة طفلة ولدت بعد أن غادرنا الكونغو وحضرنا الى القاهرة وبالتالي لم نرها توفيت هذه الأخت وفاة طبيعية، لكن موتها سبب للوالد ضيقا شديدا.. لم يكن حزنه على موتها فقط، وإنما لعجزه عن دفنها.. الذي تحول الى أمنية حيث منعوه من ذلك وظلت جثتها معه.. تصوروا ظل لأيام ينظر الى ابنته وهو عاجز عن دفنها.. وعندما ذهبت أمي الى ستانليفيل أخذت جثتها معها لتدفنها هناك. أمين اسكندر: هذا فوق طاقة البشر. باتريس: نعم.. نعم ودفنتها الأم في ستانليفيل.. جاءت بعدها الأم الينا في مصر، وظلت تقريبا لمدة شهرين، ثم عادت مرة ثانية لستانليفيل ولم تكن تحت سيطرة موبوتو بعد.. وعادت نهائيا لتستقر معنا.. أي حد في هذا الوقت كان لديه صورة لومومبا كان يقتل. سعيد: ماذا عن عبدالناصر هناك؟ باتريس: إن قلت مصر هناك.. يقولك عبدالناصر.. فهو عمل كثير لأفريقيا.. ساعد حركات تحرر افريقيا وهو الأب الحقيقي لهذه الحركات. سعيد: على المستوى الشعبي.. هل عرفوا هناك بأمر هروبكم الى مصر. باتريس: لم يعرفوا أننا هربنا.. عرفوا أننا في مصر فقط، لم يعرفوا أي شيء عن عملية الهروب فهي ظلت سرية. سعيد: كيف تلقيتم ما حدث للوالد؟ باتريس: أبلغنا المستشار عبدالعزيز اسحق ما حدث للوالد، ولكن بأسلوب تدريجي.. لم يكن يحكي لنا تفاصيل، ولكن عموميات فهمنا منها خلاص إن الوالد مات. سعيد: هل أعقب ذلك جرعة حنان زائدة من عبدالناصر؟ باتريس: الحنان كان موجودا اصلا ومهما أقول لن أوفيه حقه. سعيد: ماذا تتذكر في ذلك؟ باتريس: كان يطلق علي اسم عتريس.. يناديني بهذا الاسم دائما.. وكثير قوي لما كنت أبات في البيت مع أبنائه.. معرفش إزاي كان بيعرف إني موجود، خاصة إن معظم وقته كان في مكتبه.. كان يسأل وقت الغداء.. عتريس فين.. اذهب اليه لأجلس بجواره.. كنا فيالمنزل باستمرار بمناسبة وغير مناسبة. د. خالد: كنا عائلة واحدة.. لا يشعر أحد منا أن الآخر غريب عنه.. اخوات يعني.. ونحن في الاسكندرية في البحر.. وفي البحر ننسى كل شيء.. فتنادي أمي الله يرحمها: يا باتريس.. يرد باتريس.. نعم يا طنط.. جوعتم ولا لسه.. ولما نتشاقى تعاقبنا جميعا.. كنا نعرف اننا إخوات.. وللأسف الشديد خدت مننا وقت علشان نعرف إحنا اخوات ليه. ينضم عبدالحميد عبدالناصر الى الجلسة ويدخل مع باتريس في عناق حار ويلتقط طرف الكلام قائلا: لما تشومبي جاء الى القاهرة لحضور مؤتمر عدم الانحياز ورفض عبدالناصر دخوله وتم حجزه في أحد القصور وبعدها بيومين ونحن على الغداء قال لباتريس ضاحكا يا عتريس مارحتش تموت تشومبي ليه. أمين اسكندر: ألم تكن تعملوا مؤامرة مع بعضكم مثل زيادة المصروف. د. خالد: أنا لما دخلت الجامعة قلت لأبويا أنا عايز مصروفي.. فقال لي اسأل زملاءك عن مصروفهم.. فسألت اسماعيل زميلي في الدراسة.. فقال لي أنه يأخذ 8 جنيهات في الشهر، عدت أنا للوالد، وقلت له بطريقة مختلفة.. قلت له أنهم يأخذون 2 جنيه في الاسبوع وذلك حتى أحصل على الفارق.. وكان أبويا يقول.. الفلوس الكتير تعلم المفسدة.. أسرة لومومبا.. كان لها المخصصات.. وظلت كما هي.. حتى تقلصت جدا في عصر السادات.. بدأوا في مضايقتهم.. لكن المخصصات عمرها ما بنت إنسان.. وعمرها ما عملت إنسان. لما جاء موبوتو لزيارة مصر أيام السادات: وهذا أحزنني كثيرا.. عملوا إقامة جبرية على الأسرة.. جلست مع عبدالحكيم وعبدالحميد مفروسين.. وقمنا بشراء وجبة طعام فاخرة لارسالها لهم حتى لا يشعروا بالتقصير، وبالمناسبة هذه المرة سببت لي ضيقا كبيرا.. أذكر وقتها إن الضابط المكلف بتنفيذ الاقامة عليهم كان يتساءل.. عن سبب وجوده في هذه المهمة. سعيد: هل انعكست حالة الهجوم على عبدالناصر والتي بدأها السادات عليكم؟ خالد: في هذه السكة كانوا بدأوا في تقليص المخصصات مثل تصغير الشقة والسيارة.. وتقليل الفلوس.. وعموما هذه القصة تدل على أن عبدالناصر ولومومبا ونكروما ومانديلا كانوا في طريقهم الى رفع الحواجز بين افريقيا. سعيد: عبدالناصر بالنسبة لافريقيا ماذا يعني؟ باتريس: زعيم سياسي.. عمل أشياء كثيرة أب لحركات التحرر الافريقية كما قلت من قبل. د. خالد: نيلسون مانديلا حضر الى مصر مرتين للأسف لم اقابله فيهما لأنني كنت خارج مصر، لكن أهم شيء كان يحرص عليه هو الذهاب الى قبر عبدالناصر. وطبعا القذافي لا يجيء إلا ويذهب الى ضريح عبدالناصر.. وكثير من العرب قالوا لي هذا الكلام. سعيد: كيف رجعتم الى الكونغو.. هل تم في اطار صفقة مصالحة؟ باتريس: عودتنا في آخر أيام موبوتو.. وكانت في ظروف اعلانه أنه سيقيم ديمقراطية في البلد وعمل شيء أشبه بمجلس الشعب هنا في مصر، وقال انه سيشرك أكبر قدر ممكن من السياسيين في البلد، ولازم يكون أولاد لومومبا في هذه المشاركة وبدأوا في الاتصال بنا للعودة كل من مكانه، وأول من عاد كان رولا والوالدة. أمين اسكندر: هل أرادوا اشراككم بمنطق التعويض النفسي لكم، أم أن لكم قوة حقيقية في الشارع؟ باتاريس: هو (موبوتو) كان يعلم أن لنا قوة في الشارع، وأول ما وصل أخي رولا، حدث له بعدها حادث يحمل دلالات كثيرة.. ففي الشارع أوقفه بسيارته جنود، وضربوا حوله رصاص، كما أطلقوا الرصاص على العربية، وقالوا له: إنت جيت ليه.. شفتم البلد.. أي أنت شفتها.. ارجع بقى مطرح ما كنت فرد أنا جيت علشان أقعد هنا.. دي بلدي زي ما هي بلدكم.. عايزين تموتوني.. موتوني.. وأخذوا السيارة.. وعاد هو الى البيت.. وبعدها بساعات أعادت المخابرات السيارة الينا.. وطبعا هم كانوا وراء الموضوع. وبالمناسبة العودة كانت في سياق زيادة المعارضة عليه.. وكثرة الأحزاب. د. خالد يحكي قصة متابعته في السي إن إن لعملية انقلاب في افريقيا وقعت منذ عامين.. وسألت المحطة الفضائية السفيرة الأمريكية في هذه البلد عما يحدث.. وكلما سألوها ترد لا أعرف.. فذهبوا الى متخصص وأكاديمي.. فرد.. إن هناك مشاكل في افريقيا كثيرة نابعة من الحكام.. وإن الدولة الوحيدة التي نجحت في عمل مؤسسات هي مصر بقيادة عبدالناصر.. وهذه مأساة افريقيا. أمين اسكندر: بلجيكا عملت ما يشبه الاعتذار بعمل مؤسسة تحمل اسمه.. أليس غريباً افناء لومومبا عبر الآسيد (الحمض) وفي نفس الوقت يتكلمون عن الديمقراطية. خالد: هذه شيمة الغرب.. الكيل بمكيالين.. يعني اسرائيل تأخذ من أمريكا 49 طائرة إف 16 في نفس الوقت تقول قبضنا على سفينة أسلحة عليها بعض مدافع كلاشينكوف في طريقها الى فلسطين.. من حق كل دولة أن تأخذ السلاح الذي تدافع به عن نفسها. سعيد: بحكم إن الجلسة يا دكتور خالد فيها طابع افريقي. خالد: لا.. لا.. يا سعيد الجلسة دي فيها طابع التحرر.. أنا اليوم لو ذهبت الى نيكاراجوا سيقولون أنا ابن زعيم تحرر.. ولو ذهبت الى بنما سيقولون ابن زعيم تحرر.. لو ذهبت الى الهند سيقولون ابن زعيم عدم الانحياز.. لو ذهبت الى باكستان هيقولون ابن زعيم اسلامي لو ذهبت الى الأرجنتين سيقولون ابن زعيم التأميم. سعيد: مدرسة. خالد:هو عمل حاجات كثيرة.. ينظر اليها كل واحد بنظرة خاصة.. رغم أنه لم يكن يقصد. سعيد: ألم تذهب لأفريقيا يا دكتور خالد؟ خالد: ذهبت الى لوساكا.. دعاني القائد معمر القذافي لزيارتها.. فذهبت اليها.. وأنا في طريقها انتظرت لفترة في نيروبي وأشعر الآن أن الخطوة المقبلة لأمريكا هي افريقيا.. وهذا شيء يشغلني. باتريس: أمريكا عمرها ما استعمرت دولة.. انجلترا.. فرنسا.. بلجيكا.. هي التي استعمرت.. وهي لم تعد قادرة على الانفاق على هذه المستعمرات وبالتالي ترغب في التخلص نهائيا من هذه الدول.. وأمريكا ترغب في أن تحل محلهم والأوروبيون في نفس الوقت لايرغبون في ذلك.. يعني الحرب التي تتم عندنا الآن في الكونغو.. يتم تمويلها منهم. د. خالد لباتريس: إنتم لما تنظروا لعبدالناصر هل تنظروا اليه على أنه مصري.. انه عربي.. إنه افريقي.. ولا بتاعنا كلنا. باتريس: بتاعنا كلنا. د. خالد: بمناسبة هذا الحديث.. هل في افريقيا يوجد اهتمام بالعالم العربي. باتريس: الاهتمام ضعيف بسبب إن الدول العربية لا تحاول معرفة مشاكل افريقيا. د. خالد: والمجهودات التي يعملها القذافي في دول الساحل والصحراء. باتريس: هو نفسه قالها.. قال هي مجهودات بدأها من زمان عبدالناصر ولومومبا ونكروما ولم يسعفهم الوقت لانجاز ما يريدونه. د. خالد: ما رأيك يا باتريس فيما يفعله القذافي من ربط العالم العربي بأفريقيا. باتريس: العالم تكتلات.. ولابد من وجود تكتل عربي افريقي.. د. خالد: أنا دائما أفكر في اهتمام عبدالناصر بدول عدم الانحياز.. وطبعا العالم العربي، أما افريقيا فكانت بالنسبة له شخصية والمؤكد أن هذا له علاقة بدور مصر وقيادتها وفي نفس الوقت القضاء على النفوذ الصهيوني فيها.. وكل هذا من أجل القضية الفلسطينية.. باتريس: الاهتمامات العربية بافريقيا لم تحدث إلا أيام عبدالناصر مع حركات التحرر.. مع زعماء لهم نفس مبادئ عبدالناصر.. الأفارقة زمان كان عندهم فكرة سيئة عن العرب.. كانوا يقولون إن العرب يأخذونا ويبعونا.. وهذا له علاقة بتاريخ العبيد.. كان العربي دائما مرتبط في ذهن الافريقي بالشخص الذي يستعبده، وللتاريخ فإن عبدالناصر هو الذي قضى على هذه الفكرة.. وخلعها من ذهن الأفارقة، وذلك باشتراكه في مشاكلهم وتدعيمه لحركات التحرر، وتدعيمه للجوانب الثقافية.. كل هذه الأشياء ساهمت في أن تذهب هذه الفكرة من ذهن الأفارقة.. لم تكن هناك دولة عربية أخرى تفعل نفس الشيء. العراق سعيد: اسمح لي يا دكتور خالد وليسمح لي الأخوة أن ننتقل الى بعض القضايا الساخنة على الساحة العربية وفي هذا السياق أسألك عن رأيك في تحركات عمرو موسى: د. خالد: عمرو موسى كفاءة عظيمة، وتحركاته في الفترة الماضية عظيمة.. خصوصا إن رحلته بدأت الى بغداد في الوقت الذي كان ماقبله يتجاهلون العراق. سعيد: ما رأيك فيما يقال عن ضرب العراق؟ د. خالد: والله أنا كنت منذ فترة في ضيافة الأستاذ محمد حسنين هيكل وسألته.. هل العراق ستضرب.. فقال لي.. ستضرب في ابريل. سعيد: ماذا لو ضربت العراق؟ خالد: سأذهب الى هناك وأتحول الى درع بشرية حتى تختلط دمائي بدماء أهله، وأدعو كل من يوافق على ذلك. عبدالحميد: العراق أساسا دولة مرت بظروف لم تمر بها أي دولة أخرى منذ الحرب العالمية الثانية، أضف الى ذلك أنها دولة من الناحية العسكرية كانت الأقوى.. هي دولة ذات حضارة وتاريخ وعراقة ثقافية واقتصادية.. أعطت للأمة العربية والاسلامية الكثيرعلى مدار تاريخها، وبالتالي لا يجب أن نغلق هذا الملف، 12 سنة وما حدث فيه من مآسي من قتل أكثر من مليون عراقي بين أطفال وشيوخ.. لا يجب أن يظل هذا الملف كما هو الآن.. ونتحدث عن الشرعية الدولية.. لازم في القمة المقبلة مع مبادرة عمرو موسى أن يكون هناك حسم للمشكلة العراقية ولأن أمريكا تعلم أن رفع الحصار سيصب في صالح القضية الفلسطينية فهي مصممة على إبقائه.. ولن يكون هناك تقدم على صعيد القضية الفلسطينية دون حل المشكلة العراقية.. من الضروري أن تنظر الأقطار العربية الى هذه القضية بعين مختلفة. خالد: الحصار على العراق ليس المقصود به أسلحة الدمار الشامل وإنما هو فن أمريكي جديد يماثل فن التعامل مع الأسرى في جوانتانامو في كوبا.. المطلوب منه هو القضاء على أشياء كثيرة أولها كسر الارادات.. كسر الارادة العراقية.. وبالتالي كسر الأمة العربية، لأن العراق محور هام في تكوين الأمة العربية.. والقضاء على العقل العراقي.. بعد أن حدث له طفرة هائلة في السنوات الأخيرة من تعليم وعلماء.. ما المطلوب من القمة العربية في هذا الخصوص؟ خالد: القمة العربية أرجو كمواطن عربي أن تؤدي الى رأب الصدع بين الدول العربية ورفع الحصار عن العراق.. والوضع بين العراق والكويت يذكرني بقصة قرأتها وأنا صغير وهي كليلة ودمنة.. عندما قال الثور لقد أُكِلْتَ عندما أُكِلَ الثور الأبيض.. هذه هي نهايتنا.. يجب أن تتفق القمة العربية على رفع الحصار عن العراق.. ورفض ما يقوله بوش هذا الأرعن المتعطش للدماء.. مصاص الدماء.. إذا لم تستطع الوصول لحل دولي شامل بخصوص العراق فعلى الأقل أن نصل الى حل عربي بسيط يتمثل في حرية التجارة مع العراق والسفر اليها ورفض التدخل الأمريكي السياسي في العراق. ما رأيك يا دكتور فيما قاله بوش عن محور الشر؟ أول ما يلفت في ذلك أن دولتين اسلاميتين هما العراق وايران في كلام بوش، ولابد من أن نفهم دلالة ذلك، أضف الى هذا، أن غطرسته، ومحاولة إذلاله لعالمنا العربي والاسلامي ذهبت الى تجاهله لاسرائيل التي هي أم الشر مع أمريكا.. وأعود وأقول ان الرد على هذه اللغة إذا أردنا الحفاظ على كرامتنا لابد أن يكون ردا عمليا، وأعود في ذلك مرة أخرى الى الحديث عن العراق فأمريكا كانت تتكلم دائما عن الاحتواء السياسي المزدوج وتعني بذلك ايران والعراق.. وأنا كأي عربي يتابع هموم أمته يقول إن الحصار ليس مجرد حصار لشعب العراق.. وإنما هو إذلال لكل العرب لو تركنا أمريكا على حريتها سيظل الحصار 50 سنة لابد أن تتخذ القمة العربية قرارا برفع الحصار.. ـ كيف ترى الوضع الفلسطيني؟ ـ أرى الآن بقايا (هدوم) مهلهلة تتمثل في السلطة الفلسطينية المحاصرة بوحشية شارون وتخاذل الحكام العرب، وفي المقابل أرى أسودا ونمورا هم الاستشهاديون.. أنا أصلي لهم ومن أجلهم، فهم الأمل.. لبنان تحررت بالمواجهة، وليس بشيء أخر.. تحررت بالمقاومة، وليس بالخضوع لأمريكا. سعيد: مارأيك فيما يقوله البعض بالعمل على عدم اعطاء الذرائع لاسرائيلي، في الهجوم على الفلسطينيين، وبالتالي تحييد البندقية الفلسطينية في المواجهة؟ بالمناسبة هذه اللغة استخدمت من قبل ضد حزب الله لمحاولة وقف بطولاته ضد اسرائيل، لكنه لم يلتفت الى هذا الكلام، حتى فرت اسرائيل مذعورة من لبنان بسبب المقاومة، وأقول ان هذا الكلام هو التفريط بعينه، اسرائيل لا تفهم غير لغة البندقية، والخوف كل الخوف ممن يعطون لنفسهم حق التحدث باسم القضية الفلسطينية في الوقت الذي يغمسون خناجرهم فيها.. مايقال عن سحب الذرائع من اسرائيل، هو في الأصل لغة أمريكية واسرائيلية، ليس فيها خوف على الشعب الفلسطيني وانما خوف على اسرائيل.. وأعود وأقول ان تحرير جنوب لبنان لم يتم بسد الذرائع، وانما بالمقاومة المسلحة، وتكبيد العدو أكبر الخسائر، وعبدالناصر لم يكن أقوى من أمريكا عسكريا، وانما كان أقوى بإيمان الشعب العربي في حياة مستقلة كريمة.. من كان يصدق أن الأمة العربية التي رأت عبدالناصر على منبر الازهر عام 1956 يعلن: سنقاتل.. سنقاتل.. هي الآن ترى وزير الخارجية القطري يقول ليس أمامنا غيرالتوسل لأمريكا.. فأي مهانة تلك.. لن يتم تحرير الارض بالتوسلات.. وانما بالمقاومة وبالسلاح. ما رأيك في مبادرة الأمير عبدالله؟ د.خالد: التطبيع مع اسرائيل الذي تضعه المبادرة كشرط لإعادة الأرض العربية المحتلة عام 67 هو مكافأة مرفوضة لاسرائيل.. التطبيع قرار شعوب وليس قرار حكام وتحربة التطبيع في مصر أثبتت أنه لا علاقة بين الشعوب العربية واسرائيل حالية أو مستقبلية. الصراع مع اسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود. ما حقيقة ما قيل من قبل عن استغاثتك بسمير رجب واستنجادك بخط 139 في صحيفة الجمهورية؟ موضوع سمير رجب وما قيل عن اتصالي بخط 139 للجمهورية للاستنجاد لاصلاح ماسورة مياه أمام منزلي. أنا لم أستنجد بأحد.. والاستنجاد من الشخصيات العامة هو نوع من استغلال النفوذ، ولم يحدث أن انفجرت ماسورة وغيره وبالنسبة لسمير رجب ككاتب هو رئيس تحرير أختلف مع كثير مما يكتبه، وأذكر مثلا أنه بعد اجرائي للعملية الجراحية سافرت الى ليبيا، بدعوة من القذافي وإذا بي أراه على غير طبيعته يشعر بأسى شديد من مصر. فسألته: ايه الحكاية يا قائد.. المصريون يحبونك.. فرد: لا.. لا.. يا خالدالجمهورية كتبت عني كلام لا يصح أن يكتبه أحد.. وقال القذافي: جاء لي بعدها البعض ليقولوا لي أنه لا يمكن أن تكون الجمهورية فعلت هذا دون أن تكون أخذت ضوءا أخضر.. وجاء لي هؤلاء بمقالات كثيرة يعتزمون نشرها ضد النظام في مصر منعت كل هذا الكلام.. وقلت لهم إن مصر هي الأخت الكبرى، فعل القذافي هذا لكنه شعر بأسى شديد.. وأوضحت له أنني كنت في العملية الجراحية ولم أعرف هذا الكلام قابلته بعد ذلك مرتين، واحدة في ليبيا، وأخرى في لوساكا.. ووجدته على نفس الحال من الضيق.. والمؤكد أن مثل هذه الأفعال تساهم في تخريب العلاقات العربية وتعرقل أي تقارب عربي. خالد: عايز تفهم مصر.. شوف الناس الغلابة في المقاهي.. في أماكن التجمعات.. كلما أشعر بالرغبة في معرفة أكثر بالناس.. أذهب إلى ميدان سيدنا الحسين.. أزور ضريحه وأرى الناس. وعن الأجيال الجديدة أرى أن هناك خلخلة وليس ضياع كما يتصورالبعض. الجيل الجديد يحتاج إلى زعامة.. يحتاج إلى تعلمهم الديمقراطية، وحرية الرأي، ويعبرون عما بداخلهم بصراحة. مع توفير حياة كريمة لهم ولا نتركهم هكذا دون عمل.. تأكلهم البطالة، وحين يراجع الشاب عمره يكتشف أنه ضاع في مجرد البحث عن فرصة عمل. أخيرا.. ما الذي تتمناه؟ د. خالد: أن يأتي اليوم الذي يرى فيه ابني وطنه العربي شامخ الرأس. كان اللقاء قد وصل الى منتهاه.. وسادت لحظات صمت، فرضها الدكتور خالد، الذي ظل يتجول في أرجاء حجرة الصالون، وهو لا يتحدث في شيء.. كان ممشوق القوام كوالده، وتوقعت للحظات أنه وهو يتنقل بخطواته يعيش حالة من التوحد مع الأب الذي رحل منذ ما يزيد على 31 عاما، وحالة أخرى من التوحد مع القائد الذي عاش لأمته وأعطى لها عمره الذي قال عنه لصديقه الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل: «من يعيش مثل حياتي كالشمعة التي تحترق من الناحيتين».. قال خالد دون أن أوجه إليه أسئلة.. ماذا سيقول التاريخ عن هذه المرحلة من تاريخ أمتنا.. شعب محاصر في العراق.. وأرض تضيع في فلسطين.. وعنجهية أمريكية.. كانت هذه الكلمات كنوع من التلغرافات.. قالها خالد وهو في طريقه الى باتريس الذي كان يستعد للخروج.. دخل الاثنان في عناق مؤثر، هو استدعاء لتفاصيل كثيرة من تاريخ مضى.. قال خالد وهو ينظر الينا وباتريس في أحضانه: باتريس أخي.. وصديقي.. ابني.. فسلام على الآباء الذين ضحوا من أجل تراب أوطانهم.. وأعطونا الفرصة لنكون كما رأيتمونا. القاهرة ـ سعيد الشحات: