مرت ذكرى قيام أول تجربة وحدوية عربية مرور الكرام، وكأنها حدث بات مطلوباً من العرب ان يتجاهلوا وينسوا للأبد يوم 21 فبراير عندما اعلن عن قيام الوحدة المصرية السورية عام 1958. وكأن تلك التجربة الوحدوية رغم عمرها القصير «ثلاث سنوات» احتلت موقعاً متميزاً في قائمة المنغصات السياسية لصناع القرار في العواصم الغربية، تجعلهم يتحسسون جيوبهم بحثاً عن مفاتيح آلات الحرب وخطط اثارة الفتن بين العرب. واغراقهم في احاديث الافك والشعوذة السياسية. ويبدو ان ذكرى قيام الوحدة المصرية السورية باتت مدعاة لحرج النظام العربي القائم، المتداعية أركانه، ليس بفعل ضراوة الهجمة الصهيونية الغربية، بقدر ما هي نتاج لغياب الارادة، وضبابية الرؤية. صحيح ان دورة الزمان فعلت فعلها، وضاعت تجربة الوحدة، وغيب الموت معظم صناعها، جنبا إلى جنب مدبري الانفصال، مع فارق بسيط ان صناع الوحدة خلدهم ضميرنا الشعبي، فيما ذهب صناع الانفصال إلي «مزبلة» التاريخ كمتآمرين ودمى تلاعب بها الغرب. وبعد مرور قرابة 43 عاماً لم يتبق من بنيان تجربة الوحدة سوى الاطلال، والذكرى، ومجموعة نادرة من الاغاني والاناشيد التي مجدت وحدة «ما يغلبها غلاب» ومشاهد سينمائية وفيلم «احلام مدينة» واسماء تزينت بها بعض الميادين في الاقليمين الشمالي والجنوبي كما كان يطلق على سوريا ومصر وقتها. وتتيح ثقافة الوحدة العربية، التي فاضت في نهرنا العربي خلال تلك السنوات، تحصين شبابنا ضد فيروس الاقليمية والتجزئة، فهي شاهد لا يمكن اغفاله على ان «الوحدة» قدر أمتنا، ومآلها الطبيعي، وما عداها عارض أو مرض مكتسب، إلى زوال عندما تتعافى الأمة من المرجفين وفاقدي الارادة. ولمن لا يدرك قيمة «الوحدة» كقدر ومصير عربيين، ان يرجع إلى تلك الفترة ويقارن حال العرب وقتها وحالهم الذي لا يسر حبيباً وقد يرضي العدو اليوم، وسيعرف ان جغرافيا العرب وتاريخهم لم يجتمعا على شيء قدر الاتفاق على قدر الوحدة. عندها سنعرف لماذا يجتمع الغرب والصهاينة على معاداة تجربة الوحدة المصرية السورية لدرجة السعي لمحوها من الذاكرة، وسنعرف نحن ان تلك التجربة الوحدوية لن تصبح «بيضة الديك». سيد زهران