من الأفضل للعراقيين ولنا العرب جميعاً اعتبار الضربة الأمريكية لما بين النهرين آتية لاريب فيها. ازاحة النظام العراقي ظل بنداً على أجندة الإدارات الأمريكية منذ عاصفة الصحراء. وحدة الاراضي العراقية ليست غاية امريكية وربما تكون وسيلة لأهداف اقليمية اخرى. ايجاد البديل العراقي لصدام ليس هماً كذلك في حد ذاته داخل البيت الأبيض. من قال ان صدام شخصياً يمثل عقبة أمام أمريكا حتى يصبح البحث عن بديل «مناسب» ملفاً ساخناً داخل المكتب البيضاوي أو على طاولات السي أي ايه. العراق بما يملك من احتياطي نفطي وثروات وقدرات وموقع جيبوليتيكي على الخارطة الاستراتيجية ذلك الذي يعني امريكا. ربما وجدت ادارة بوش الابن في الحالة التي افرزتها الحملة ضد طالبان اغراء مثيراً لازاحة نظام صدام. التصعيد الأمريكي ضد العراق من زوايا متباينة يذكر بسيناريوهات قديمة. عودة المفتشين الدوليين إلى بغداد ليست عظمة النزاع الوحيدة التي تحدد مصير الضربة الأمريكية. تحت مظلة التحالف المضاد للإرهاب حددت إدارة بوش هدفها العراقي باستبدال النظام الحاكم في بغداد. الأجهزة الأمريكية تنشط على جبهات متعددة لتحقيق هذه الغاية. ربما كان على صدام استبدال لهجته الساخرة اذ ان مسألة ضرب نظامه أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى على الأجندة الأمريكية. ربما كان النظام العراقي مطالباً باستبدال استراتيجيته العسكرية برمتها منذ ضرب إسرائيل «مفاعل تموز» في العام 1981. الغارة الإسرائيلية استهدفت كسر مفصل استراتيجي للعراق وهو طري لكنها كشفت في الوقت نفسه غفلة النظام بأكمله، عاصفة الصحراء استكملت الفضيحة وابانت كم هي الآلة العسكرية للنظام ملغومة بالدعاية الحزبية الفجة. الجهاز العسكري العراقي لم يبرأ من جراحات «عاصفة الصحراء» بعد. نظام صدام لم يدرك حقيقة استهدافه أمريكياً ولم يعترف بعمق الضربة التي تلقاها في مطلع العقد الماضي على النحو الذي يدفع للالتحام بمحيطه العربي. هذه الخطيئة عمقت احساساً عربياً رسمياً يكرس الفصل بين الشعب والنظام في العراق ومن ثم فانه يقف الآن وحيداً أعزل على الساحة الاقليمية. التناغم الاخير بين طهران وبغداد لا يصلح للرهان على ان ايران ستحمي ظهر النظام العراقي أو تمنحه عمقاً استراتيجياً عندما تقع الضربة الأمريكية. الذين يراهنون على هذا التناغم يتناسون هاجساً أكثر عمقاً لدى العراقيين أنفسهم بأن ايران ستستفيد من أي ضربة أمريكية غير مصحوبة ببديل جاهز لتثبيت وحدة الأراضي العراقية. صحيح توجد أصوات أوروبية تعلن رفضها لضرب العراق. هذه الأصوات لا تدافع واقع الأمر عن بغداد وانما تحاول كبح هيمنة أمريكا وانفرادها بادارة شئون العالم. عقب انجاز المهمة الدولية المعلنة في افغانستان شعرت بعض العواصم الغربية بضرورة تفكيك التحالف المشكل ضد الإرهاب أو على الأقل الانسحاب منه في محاولة لاستعادة مواقعها وثقلها على خارطة العالم. وبما ان ضرب العراق مطروح حالياً على الطاولة فقد أصبح محور اشتباك بين أمريكا وحلفائها لكن دوافع الخلاف ليست نابعة من بلاد الرافدين. هل فات الأوان على النظام العراقي بحيث يعيد ترتيب أوراقه من اعادة تعبئة الجماهير إلى تنظيم صفوفه العسكرية والاندغام في محيطه العربي أم لا يزال امامه فرصة؟. نهج النظام العراقي وحده يحدد الاجابة على هذا التساؤل. الاجابة لن تمنع الضربة الأمريكية ولكن ربما تؤجلها. عمر العمر