كانت الساعة الحادية عشرة صباحا، وأنا على باب منزل الدكتور خالد عبدالناصر، حسب الموعد المتفق بيننا في مكالمة هاتفية سابقة.. كان اللقاء تلبية لدعوة كريمة منه فهمت منها أن هناك شيئا هاما، يحرص على أن أكون ضمنه.. ولأنه لم يفصح عن طبيعة هذا الشيء.. أطلقت لخيالي العنان.. أي شيء مهم سيكون..؟ كانت السماء ملبدة بالغيوم، منذرة بمطر ثلجي، لكن دفء الدكتور خالد وحفاوته المعهودة بي، عوضاني عن لسعات برد الطريق.. اصطحبني الى حجرة الصالون، لأجد في ضيافته أيضا الصديق الباحث والكاتب السياسي أمين اسكندر، وشخص أسمر لا أعرفه.. دخل خالد عليه مهللا، والسعادة تنطق من وجهه.. ورنين صوته كله فرح الى درجة شعرت فيها أنه يعود لسنوات طفولته الأولى.. قال: أقدم لك يا سعيد باتريس باتريس لومومبا. فهمت على الفور أن باتريس الذي يتحدث العربية وكأنه ابن الحارة المصرية.. هو عنوان هذا اللقاء الذي تخلله ضحك وبكاء.. وهو الشيء الهام الذي حرص د. خالد على إشراكي فيه.. وتأكدت منذ اللحظة الاولى أن هناك أخوة عميقة بين باتريس وخالد وعبدالحميد الذي انضم الى جلستنا فيما تشعرك بأنها امتداد لما كان بين الآباء.. جمال عبدالناصر.. وباتريس لومومبا.. هذا البطل الافريقي الفذ.. الذي قاد الكونغو نحو الاستقلال من بلجيكا، وتم اغتياله بطريقة درامية، تحدث عنها العالم في ستينيات القرن الماضي.. وألهبت حماس الشعراء، وظلت باقية في الوجدان العربي والافريقي، واستطاع عبدالناصر في عملية مخابراتية معقدة تهريب أبناء لومومبا (فرانسوا، وباتريس، وجوليانا، رولا)... تمت عملية التهريب قبل اغتيال الأب، وجاء الأبناء ليعيشوا في القاهرة في ظل أبوة عبدالناصر، وأخوة لأبنائه هدى وخالد ومنى وعبدالحميد وعبدالحكيم. أخذت موافقة الجميع أن تكون هذه الجلسة بمثابة لقاء صحفي.. وبعد أن نبهني الدكتور خالد أن ذكرى اغتيال لومومبا كانت في فبراير، سعيت الى معرفة الجديد في قصة هذا الرجل وعلاقته بعبدالناصر، وعملية تهريب المخابرات لأبنائه، خاصة وأن الكثير من تفاصيلها غير معروف حتى الآن، وتطرقت الجلسة الى قضايا أخرى ساخنة حرص الدكتور خالد على إثارتها والذي تقمص دور الصحفي كثيرا في هذه الجلسة. وللتذكير.. قبل الانتقال الى ما دار في الجلسة.. يمكن القول ان قصة لومومبا عنوان مرحلة من تاريخنا المعاصر.. مرحلة الارادات الوطنية في مواجهة الاستعمار.. مرحلة الجهود العظمى من عبدالناصر لتأمين ظهر مصر الافريقي، وكسب القارة السمراء الى جانب القضية الفلسطينية.. اكتشف عبدالناصر أن النفوذ الصهيوني في القارة السمراء تجاوز الحدود، ويشير وزير الخارجية الراحل محمود رياض في مذكراته: الى إن الدعاية الاسرائيلية في القارة السوداء زعمت أن اسرائيل حصلت على استقلالها بعد كفاح مرير ضد الاستعمار البريطاني الذي كان يحتل أراضيها، وأنها تتعرض حاليا لتهديد الدول العربية بالقضاء عليها والاستيلاء على أرضها، ويحكي محمود رياض ومعه محمد فائق رجل عبدالناصر في افريقيا، ومهندس حركات التحرر فيها، استمعا الى قصة طريفة سمعها من جوموكينياتا أول رئيس لكينيا بعد استقلالها حول قيام بعثة صهيونية قبل الحرب العالمية الأولى بزيارة لشمال كينيا وأوغندا بدعوة بريطانية للنظر في إمكان قيام الدولة الصهيونية في هذه المنطقة وهي من أجمل المناطق الافريقية نظرا لارتفاعها، إلا أن المستعمرين البريطانيين الذين استولوا على هذه المنطقة وأقاموا فيها مشاريعهم الزراعية خافوا فأوعزوا لرجال القبائل بإثارة الذعر في قلوب بعثة الصهاينة التي جاءت لمعاينة المنطقة، وهو ما كان بالفعل، حيث خرج رجال القبائل وظلوا يرقصون بحرابهم طوال الليل حول مكان اقامة البعثة اليهودية، فغادروا المنطقة وهم في قمة الفزع ولم يعودوا اليها مرة أخرى، حتى استقر اختيارهم على فلسطين. وجد عبدالناصر كما يقول محمد حسنين هيكل في كتابه «سنوات الغليان» إن اسرائيل ذهبت في أفريقيا الى أبعد مما كان يقدر، ولهذا ركز في مؤتمر القمة الافريقية الذي عقد في الدار البيضاء عام 1961 على تطويق هذا النفوذ، وندد هذا المؤتمر باسرائيل واعتبرها أداة في خدمة الاستعمار وكان هذا القرار صدمة لاسرائيل ولأصدقائها في الغرب ويحكي هيكل أن عبدالناصر ركز جزءا من جهده لكي يزيل التباسا تاريخيا شاع وذاع، وكأنه مقصود في حد ذاته، وهو أن العرب في افريقيا كانوا هم تجار العبيد فيها.. وكان هذا الالتباس يخلق حساسيات شديدة في الوقيعة بين الأمة العربية وبين القارة الافريقية، وقد اكتشف جمال عبدالناصر على الطبيعة دور الاسلام في افريقيا، ففي إحدى المناسبات على هامش المؤتمر راح جمال عبدالناصر مع عدد من الأقطاب المشاركين فيه يتقصى الحقيقة وراء أسمائهم، فإذا أصل سيكوتوري من كلمتين: «سيك» وهي تصحيف لكلمة «شيخ» و«توري» وهي تصحيف لكلمة «طريقة» أي أن اسم سيكوتوري يعني شيخ الطريقة، ثم ظهر أيضا أن اسم «سيفولا دياللو» هو تصحيف لاسم «سيف الله ضياء الله» وأن اسم «باليوا» رئيس وزراء نيجيريا هو في الواقع تصحيف لاسم «أبوعليوة» وأن الاسم الشائع في غرب افريقيا وهو «مامادو» وهو تصحيف لاسم «محمد» وأن اسم «أمادو سردونا» هو تصحيف لاسم «المؤدب بخيت».. كان حديث بحث عن الجذور، وظهر أن هذه الجذور متلاقية في تربة افريقية متصلة. من هذه الخلفية كانت تحركات عبدالناصر تجاه حركات التحرر الافريقية، وكان للكونغو وضع خاص فهي متاخمة لجنوب السودان، وكان الوجود الاستعماري في المناطق المحيطة بها يغذي الحركة الانفصالية في السودان. قاوم لومومبا الاستعمار البلجيكي، وأسس الحركة الوطنية عام 1958، وكانت أقوى الحركات السياسية في الكونغو، وحظى لومومبا بشعبية واسعة وقاد مظاهرات ومواجهات ضد الاستعمار البلجيكي أدت الى اعتقاله لمدة ستة أشهر، وأفرج عنه لانجاح المفاوضات التي كانت تجري في بروكسل لبحث مستقبل الكونغو، ونقل من السجن الى بروكسل بالطائرة، وتم الاتفاق على استقلال الكونغو وانهاء ثمانين عاما من الاستعمار البلجيكي. أجريت انتخابات في مايو 1960 تنافس فيها أكثر من مائة حزب، وحققت الحركة الوطنية بقيادة لومومبا انتصارا، وحاولت بلجيكا التي كانت تدير البلاد اخفاء النتائج، واسناد الحكم الى حليفها جوزيف اليو، ولكن الضغط الشعبي أجبرها على تكليف لومومبا بتشكيل الحكومة، وشكلت أول حكومة كونغولية منتخبة في 23 يونيو 1960 وقام ملك بلجيكا بردوان بتسليم الحكم رسميا، وحدثت أزمة سياسية اثناء حفل التسليم، حيث القى لومومبا خطابا عنيفا أمام البلجيكيين وسمى بخطاب (الدموع والدم والنار)، تحدث فيه عن معاناة الكونغوليين وماتعرضوا له من ظلم واضطهاد. لم تنعم الكونغو بالاستقرار أكثر من أسبوعين حيث حرضت بلجيكا تشومبي حاكم اقليم كاتنجا الذي تتركز فيه ثروات الكونغو على اعلان الانفصال، فطلب لومومبا من الأمم المتحدة ارسال قوة دولية لحفظ القانون بهدف منع بلجيكا من العودة لاحتلال بلاده، واتصل بعبدالناصر ونكروما وسيكوتوري طالبا منهم المساهمة في القوات الدولية، وعندما أرسل همرشلد سكرتير عام الأمم المتحدة خطابا الى عبدالناصر يطالبه باشراك مصر في القوات الدولية لم يتردد في الموافقة على هذا وأرسل كتيبة من المظليين بقيادة سعد الدين الشاذلي العقيد وقتئذ ورئيس أركان حرب القوات المسلحة في حرب أكتوبر 1973، برتبة فريق، وتطورت الأحداث بعد ذلك حتى مقتل لومومبا على أيدي تشومبي، وتلقى عبدالناصر مساء 12 فبراير خبر مقتله، وهو الذي أكد للعالم رسميا النبأ، وأعلن أنه يضع أسرة لومومبا تحت حماية الجمهورية العربية المتحدة. ويقول هيكل: كان جمال عبدالناصر متأثرا إلى أبعد حد بقتل (لومومبا) وتبادل خطابات في هذا الموضوع مع (خورشوف) و(نهرو) و(تيتو) و(همرشلد) وكان لومه شديدا لهمرشلد فقد اعتبر ان لومومبا قتل تحت اعلام الأمم المتحدة وفي وجودها، بل أن وجودها استغل كغطاء لجريمة بشعة هزت افريقيا، وكتب اليه نكروما خطابا مؤثرا يقول فيه: (انني أقضى ليالي طويلة مع الدموع، وأشعر بالنار في قلبي كلما تذكرت أن قواتنا كانت هناك ضمن اطار الأمم المتحدة، وأن الحرية التي ذهبنا لحمايتها قد اغتيلت على مرمى حجر منا). والى ما دار في الجلسة: سعيد: كيف يرى الشعب الكونغولي الآن عملية قتل لومومبا؟ باتريس: كثير من الناس لا تعرف كيف مات.. وبأي طريقة.. أركان من البلد تقول انه مسافر وسيرجع.. مستخبي في مكان وهيرجع منه.. وفيه ناس لو قلت لهم ان لومومبا مات، من الممكن أن يقتلوك.. هؤلاء يرفضون أي حديث عن موته.. لم أصدق حب الناس الا بعد أن رأيت بعيني.. الأجيال الجديدة تسمع عنه ولا تعرف عنه.. تسمع أنه حقق الاستقلال.. لكن لا تعرف تفاصيل مثل من كان معه ومن كان ضده، ما هي المباحثات التي قام بها. «عبدالحميد يتصل تلفونيا ويبلغ باتريس أنه سيحضر لرؤيته». خالد: لم أر باتريس منذ 7 سنوات وعاش معنا في مصر 34 سنة.. وتربى في أحضان عبدالناصر. ـ وهل تتذكر يا دكتور متى رأيت أبناء لومومبا لأول مرة؟ ـ كل شيء أتذكره في هذه الحكاية كأنه حدث امبارح (أمس).. أنا فاكر إن عبدالناصر قال لنا تعالوا أنا عايزكم.. كانت الساعة الثامنة «مساء» تقريبا. متى كان هذا؟ باتريس: في عام 1961 بعد عملية تهريبنا. خالد: عملية التهريب تكتب في الكتب.. وقام فيها الفريق سعد الدين الشاذلي بمجهود قوات خاصة عظيم جدا.. وكانت عملية التهريب ستنكشف.. باتريس يحكي عنها.. هو بحكم صلتي به حكى لي أشياء منها.. وبحكم صلتي به لم يحك لي أيضا أشياء أخرى..كل هذا لأننا أصحاب.. كنت حريصا باعتبار صداقتي له أن لا أقلب عليه المواجع. أعود الى حكاية استدعاء الوالد لنا.. قال لنا تعالوا أنا عايزكم ذهبنا لنجد باتريس وفرنسوا وجوليانا ورولا.. كانوا هم يتكلمون فرنساوي.. ونحن لا نتحدث فرنساوي.. تناقشنا بلغة الأطفال.. كان عندنا سينما وقتها في المنزل.. تفرجنا على فيلم طرازان.. قال لنا روحوا شوفوا سينما يا ولاد.. ذهبنا وتفرجنا على طرازان قبل هذا أتذكر أن عبدالناصر استدعانا في الاسكندرية، وقال لنا تعالوا انزلوا تحت أتذكر أننا قابلنا في هذا اليوم مجموعة عراقية ضمت بينهم أطفالا مثلنا.. تصورنا معهم وانصرفنا ولم أقابلهم بعد ذلك.. وحين استدعانا الوالد لمقابلة باتريس وأخوته.. ظننت أن هذا اللقاء سيكون كلقاء العراقيين.. بعد ذلك عرفت أنهم أخذوا شقة في الزمالك وذهبوا الى مدرسة فرنسية.. لم يكن وقتها توجد مدرسة لغات.. والمعروف أن عبدالناصر وقتها كان اتخذ عددا من الخطوات في مجال التعليم، منها أن كل واحد يتعلم الدين في مدرسته وليس في بيته، واللي قاومه جدا الجيزويت.. وزود اللغة العربية فيها في هذه المدارس.. فاتت سنة واثنتان وكان باتريس ابتدأ تعليم اللغة العربية وفي يوم من الأيام سألنا الوالد. انتم مبتسألوش ليه عن أولاد لومومبا؟. وطلب محمد أحمد ليجيء بهم ونلعب الكرة، ولما كنا نذهب الى الاسكندرية في المعمورة..يأتي معنا باتريس وفرنسوا وجوليانا.. ورولا.. عائلة واحدة.. ويوم وفاة الزعيم جاء باتريس ليعيش معي شهرا كاملا.. لم يتركني لحظة واحدة.. كنت في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وهو في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. وكنا نتقابل باستمرار. كان عبدالناصر يقول لنا ان لومومبا الأب قال لي وصيتك أولادي (أنا أفضل أن يتحدث في هذه النقطة باتريس).. تفضل يا باتريس. باتريس: كان بعث له جواب.. قال له.. أنا. د. خالد: مين باعت لمين.. لعلمكم هذه قصة اسمعها لأول مرة.. أنا سمعتها متفرقات.. لأننا زي ما قلت أصدقاء.. لا نحب استدعاء النكد.. لكن الآن.. باتريس يتكلم. باتريس: الوالد بعث جواب لعبدالناصر. خالد: امتى ده يا باتريس. باتريس: قبل ما نصل للقاهرة عام 1961. قال له في الخطاب.. أنا باعت لك ولادي.. دول ولادك.. انت تكفل بهم.. كان البيت محاصرا في الكونغو. خالد: بعت له الخطاب إزاي. باتريس: عن طريق السفارة المصرية في الكونغو كان موجود محمد عبدالعزيز اسحق.. مكانش فيه سفير.. كان هو مستشار.. ويقوم بعمل السفير كما أنه كان صديق الوالد.. وأرسل الوالد خطابه الى عبدالناصر عن طريقه.. بعد ذلك حدث تنفيذ سيناريو تهريبنا الى مصر. سعيد: قبل الحديث عن كيفية تنفيذ هذا السيناريو، أذكر أن الأستاذ هيكل جاء بعدد من الخطابات الى عبدالناصر في هذا الموضوع في كتابه «سنوات الغليان». « يأتي خالد بالكتاب.. ويقلب صفحاته ويقرأ في صفحة 499 برقية من نائب لومومبا نصها كما يلي: «لقد علمنا من مصدر موثوق به أن رئيس وزرائنا لومومبا سيقتل هو والوزير موبولو، والرئيس كاناث أكينو، كما علمنا أن فرقتين من جنود المظلات الأمريكيين على استعداد للحضور ومحاصرة العاصمة للقضاء أيضا على أعضاء الحكومة، ومما يؤيد صدق ذلك حضور قنصل أمريكا متخفيا يوم 4 فبراير، وكذا تحليق طائرة مجهولة.. إن الخطر وشيك الوقوع، والحكومة الشرعية تفضل اندلاع حرب عالمية على أن تقتل غدرا.. إننا نحتج بشدة على مؤامرات أمريكا الاستعمارية، وحلفائها بحجة حماية مواطنيها في حالة قيام الشعب الكونغولي بثورة عندما يعلم بقتل لومومبا، والشخصيات الأخرى تطالبكم باتخاذ موقف حازم حتى يكون العالم على علم بمايجري. ينتقل خالد الى الخطاب الثاني الذي تلقاه عبدالناصر وكان من شقيق لومومبا يقول فيه: يا صاحب الفخامة: إذا كان خطابي هذا لا يحمل جميع معاني الاحترام الواجب تقديمها لشخصكم، فأرجو ألا يفسر ذلك بقلة العناية، ولكن بأنني أتعامل معكم كشقيق وراع ورجل افريقي لم يتنازل عن روحه الافريقية، إن وقوفكم معنا ضربة لكل من أرادوا أن يوقعوا بيننا وبينكم حينما أرادوا اقناعنا أن العربي هو عدو الأسود.. وأن العرب كانوا أصل فكرة الاتجار ببني البشر في تجارة الرقيق.. ولقد تأكدنا أن ذلك غير صحيح، ونحن نرى أمامنا أن البرتغاليين وهم شعب مسيحي كانوا هم تجار الرقيق في بلادنا وكانوا يقومون بذلك بأمر من ملوكهم. إمضاء لويس لومومبا أما الخطاب الأخير فكان من السيدة بولين زوجة لومومبا تقول فيه: إنني امرأة لم تتعلم لأن الاستعماريين البلجيكيين حرمونا من فرصة الحصول عليه، لكني مع ادراكي البسيط أفهم مثل كل امرأة وطنية في افريقيا أنكم أوفى الأصدقاء لشعوبنا.. إنني بلسان امرأة، والمرأة هي موضع أسرار الرجل، أؤكد لكم أننا عرفنا الآن أصدقاءنا الحقيقيين، والله معك. إمضاء بولين لومومبا فرضت قراءة هذه الخطابات حالة من الشجن والتأثر.. بدت على وجه وصوت خالد، وهو يقول.. ياه على سنوات المجد والعزة والكرامة». وسألت باتريس.. كيف تم تنفيذ سيناريو تهريبكم الى مصر؟ في يوم ونحن في المنزل جاء محمد عبدالعزيز اسحق بسيارة جيب تابعة للأمم المتحدة.. وكان معه الضابط مصطفى حنفي (السفير فيمابعد).. وكان ضمن قوات الأمم المتحدة.. وكان الفريق سعد الدين الشاذلي موجود. خالد: كان وضع سعد الدين الشاذلي إيه يا باتريس. باتريس: كان قائد الفرقة المصرية في قوة حفظ السلام، لكن كان عنده أوامر من عبدالناصر بحماية لومومبا.. يعني كانوا هما جوه البيت.. عمل سعد الدين الشاذلي ومحمد عبدالعزيز اسحق خطة تهريبنا.. وصلا في يوم الساعة ستة ونصف أو سبعة بسيارة جيب، ووضعوا «شنطنا» في السيارة التابعة للأمم المتحدة.. كان عمري 9 سنوات ووضعونا في السيارة أنا وفرنسوا وجوليانا كل في مكانه والشنطة بجواره بطريقة لا تكشفنا وتضمن خروجنا من المنزل ومن كردون الحراسة الذي كان يحاصر المنزل دون أن يكتشف أحد أمرنا. أمين اسكندر: من كان يحاصر البيت؟ باتريس: البيت كان محاصرا من قوات موبوتو.. وجاءت وحدة المظلات ووحدة الصاعقة، وحاصروا المربع كله الذي يقع فيه البيت.. وفي الليل وهم مش واخدين بالهم، وضعونا في السيارة الجيب.. كانت مصر لها مبنى وهو الآن مستشفى.. وضعونا في هذا المبنى وقضينا ليلة.. وفي اليوم التالي استخرج السفير عبدالعزيز اسحق جواز سفر على أنه متزوج من افريقية ونحن أولاده، ويأخذهم لتسفيرهم الى القاهرة وأطلق علينا أسماء عربية.. وأنا كان اسمي عمر.. وفي المطار أخذ سعد الدين الشاذلي فرقتين صاعقة ووضعهم في المطار.. وقال لهم.. إذا لم يطلعوا بسهولة يطلعوا بأي وسيلة.. والمعروف أن الطائرات تطلع من الكونغو الى أوروبا وتكون مساء.. قالوا لنا اعملوا نائمين.. وحملونا كل واحد منا الى الطائرة وظلوا.. وفجأة سمعنا من المضيفة أن الطائرة ستقلع. خالد: أنت مرة قلت لي ياباتريس أنك كنتم هتنكشفوا في السكة.. باتريس: آه فعلا.. كانت الحكاية دي في المطار.. واحد من الموظفين في المطار.. كان بيشوف دائما صورنا مع الوالد.. وحين عرضت عليه صورنا الشخصية الملحقة بجواز سفر عبدالعزيز اسحق.. قال.. لا أصحاب الصور مش ممكن يكونوا أولاد هذا الرجل (يقصدعبدالعزيز اسحق).. كانت صورنا مهزوزة، وكان هذا مقصودا حتى لا يتم كشف حقيقتها، وعلى الرغم من ذلك شك الموظف فيها.. وقال لابد من رؤية هؤلاء الأولاد قبل صعودهم الى الطائرة وصمم على ذلك.. فرد عليه عبدالعزيز اسحق: الأولاد صغار وناموا.. وبعدين أنا دبلوماسي.. وازاي تصحي الأولاد وتشوفهم.. هذا كلام غير مضبوط، وليس منطقياً.. كان هناك ضباط مصريون حول عبدالعزيز اسحق مما ساعد في ارباك الموظف.. وهو تقريبا حسبها وقال خلاص أنا أعمل أزمة ليه. أمين اسكندر: كان المطار خاضع لقوات موبوتو؟ باتريس: خاضع لقوات موبوتو والأمم المتحدة. سعيد: أعود الى ما قلته عن اعلان المضيفة أن الطائرة ستقلع. باتريس: نزل كل الضباط والجنود من الطائرة.. وفور أن بدأت الطائرة في الصعود.. أحسسنا بالأمان، واستيقظنا.. أو بالأدق أنهينا تمثيلية النوم التي بدأنا في تنفيذها منذ أن دخلنا المطار.. استمرت الرحلة فترة طويلة نزلنا في الجزائر ترانزيت ساعتين.. ومن هناك الى برشلونة ترانزيت لمدة يوم.. ثم الى سويسرا يومين أو ثلاثة.. وذهبنا الى سويسرا لنأخذ الطائرة المصرية. د. خالد: كل ده من غير فيز. باتريس: كل الأوراق كانت جاهزة، وطبعا احنا خارجين من الكونغو على أساس أن إحنا أولاد عبدالعزيز اسحق من زوجته الافريقية. أمين اسكندر: واضح إن طول زمن الرحلة بهذا الشكل والأماكن التي نزلتم فيها كان متعمدا.. باتريس: طبعا.. كان متعمدا حتى لا يعرفوا أين نحن بالضبط.. سعيد: ألم يشعروا بعدم وجودكم بعد هروبكم مباشرة. باتريس: لم يشعروا بعدم وجودنا ومن صباح اليوم الثاني، لفت نظرهم أنهم لم يشاهدونا في حديقة المنزل، كما تعودوا كل يوم، كما لم يشاهدوا أحدا يدخل المنزل أو يخرج منه.. لكنهم ظنوا أننا التزمنا البيت خوفا، خاصة أن الوالد كان في البيت حتى هذه اللحظات.. وبعدها بأسبوع تقريبا وصلنا الى مطار القاهرة.. وكان فيه صحفيون ينتظروننا في المطار.. وتم اعلان وصولنا الى مصر.. وحتى هذه اللحظة.. لم يكن أحد يعرف أين نحن.. وهل تم تهريبنا أم لا؟ د. خالد: معلهش يا جماعة أنا كل ما اسمع القصة دي تدمع عيني.. وعلى فكرة في أشياء حين يقولها باتريس سأترككم وأخرج. سعيد: هل كانت الأسرة بالكامل.. خاصة أنك لم تذكر شيئا عن الأم.. وأين كانت؟ باتريس: الوالدة انضمت الينا بعد سنة هي ورولا.. ولما قبض على الوالد كانت هي معاه ورولا كان عنده سنتين تقريبا.. ولما اتقبض على الوالد ضربه عسكري بسنكي البندقية وأحدث جرحا شديدا بجانب أذنه.. على الرغم من أن عمره كان سنتين فقط. سعيد: من كان في استقبالكم في مصر؟ باتريس: صحفيون، ومندوبون من رئاسة الجمهورية.. وتوجهنا على الفور الى منزل عبدالعزيز اسحق باعتبارنا لا نعرف عربي، ولانعرف أحدا في مصر، وفضل الرئيس عبدالناصر أن نذهب عنده حتى نتعلم العربية، وطبعا هو كان صديق الوالد. أمين اسكندر: كان ايه عمل اسحق بالضبط؟ باتريس: هو كان عامل الرابطة الافريقية الموجودة في الزمالك.. كما أنه كان يسافر كثيرا الى افريقيا.. كانت علاقته قوية بزعماء حركات التحرر الافريقية.. وفي الفترة التي قضيناها معه في المنزل.. رأيت زعماء تحرر أفارقة كثيرين يأتون اليه أذكر منهم جوش نكومو.. وبعدين الرابطة الافريقية كانت تلم كل حركات التحرر الافريقية الطامحة في استقلال بلادها.. كان من هذه الحركات عشرات اللاجئين السياسيين يعيشون في مصر وكانوا يذهبوا الى الرابطة ويلتقون اسحق.. والرئيس عبدالناصر عمل لهم إذاعة موجهة يلقون فيها بيانات.. بقينا عامين عند اسحق.. حتى أخذ لنا الرئيس عبدالناصر فيلا مستقلة نقلنا فيها. سعيد: كيف عاملكم عبدالناصر؟ باتريس: أب يعامل أبناءه.. هو كان معنا كده موجودين في البيت.. يسألنا عن كل شيء.. يقولوا لنا روحوا اتفرجو على سينما..العبوا كرة.. وبالمناسبة أخي الأكبر فرنسوا لعب الكرة في فريق الزمالك مع جيل فاروق جعفر لكنه لم يستمر.. معاملة أب.. كان دائما يتابعنا في دراستنا.. واحد منا مثلا ضعيف في اللغة العربية.. فيأتي بمدرس على الفور أو أي مادة أخرى.. كل هذا دون أن يحس أحد بشيء.. كان يرسل من يسأل عنا.. وكيف يتعامل معنا الناس.. سعيد: ما هي الأشياء الأخرى التي لم تذكرها في قصة هروبكم؟ بتأثر شديد، وصوت مخنوق.. قال باتريس: طبعا هناك أشياء مؤلمة.. مثل وداع الوالد.. واحنا ماشيين.. كنا ماشيين ولا نعرف ايه اللي بيحصل في البلد.. الوالدة حتى تهريبنا.. لم تكن تعرف إن إحنا مسافرين. كيف ودعكم؟ مسكنا بَسْنا (قبلنا).. وقال: خلوا بالكم من بعضكم وانتم رايحين لأبوكم وهو هيخلي باله منكم.. بس انتم ادرسوا.. لازم تخلصوا دراستكم.. أخذنا في حضنه مرة أخرى.. وذهب معنا حتى السيارة.. وبعد أن ركبنا.. ردد أكثر من مرة.. خلي بالكم من بعضكم..خلي بالكم من بعضكم.. كلمات وداع ظل يرددها حتى خرجت السيارة.. لم أكن أعرف أو أحد من اخواتي أنها آخر مرة نراه فيها،والمؤكد أنه كان يعلم ذلك. أمين اسكندر: كنتم عايشين ازاي؟ ناس عاديين.. أب يعيش مع أبنائه.. كان مكتبه في نفس المنزل الذي كنا نعيش فيه.. في وقت الغداء نراه.. بعد ذلك لا نراه.. دائما في مقابلات في اجتماعات.. بعد العشاء ربما يأتي سريعا للاطمئنان. يلاحظ الدكتور خالد التأثر على باتريس فيقول: أنا رأيي تكملوا هذه القصة المحزنة حتى أستطيع العودة للجلوس معكم. باتريس بتأثر شديد وصوت مخنوق.. خلاص يا خالد.. خالد: والنبي تكملها يا باتريس.. هي مهمة للتاريخ والقضية مثارة الآن في أوروبا.. وأنا عارف إن طلبي يمكن يكون تقيل عليك..لكن معلهش دي رواية للتاريخ.. وأنا ممكن أمسك إيدك. باتريس يرد بصعوبة: بالنسبة لنا وكما عرفت فيما بعد إن الوالد كان يعرف إنهم لو مسكوه واحنا موجودين.. كانوا هيدبحونا واحد واحد.. تصفية جماعية لنا.. كان هذا أكثر ما يشغله ويؤلمه.. وكان تصوره أنهم من الممكن أن ينفذوا ذبحنا أمامه وعلى فكرة كان فيه اقتراح بأن يتم توزيع كل واحد فينا الى زعيم افريقي مثل نكروما وسيكوتوري.. أي كان كل واحد في الأسرة سيذهب الى بلد ليعيش فيه.. وفي آخر لحظة، رفض هو هذه الفكرة وقال: كلهم يذهبون الى جمال عبدالناصر هو سيكون والدهم بالفعل.. وجئنا الى جمال عبدالناصر لنعيش في مصر 34 عاما.