رغم دعاوى التقدم العسكري ورغم الدعم الأمريكي الاوتوماتيكي للكيان الصهيوني لم يعد الكثيرون في إسرائيل يؤمنون بأن هناك مستقبلاً للصهاينة، على أرض فلسطين ولعل نبوءة أن آخر من سيغادر مطار بن جوريون يستعد الآن لاطفاء الأنوار قبل أن يرحل باتت أقرب مما نتخيل. تدهور الأوضاع وتأرجح الصهاينة بين الرحيل أو تكبد المزيد من الخسائر طرحه أحد كبار كتاب معاريف في عدد الصحيفة الأسبوعي الأخير في نوبة صراحة تنطلق على كل ما يبدو من كفاح الانتفاضة وصمود المرابطين الفلسطينيين. التقرير استهل سطوره بتأكيده على أن الأوضاع في إسرائيل لا يمكن قياسها أو النظر اليها على اعتبار أن لها نصف كوب مملوءاً ونصف كوب فارغاً مؤكدا أن القسم الخالي تجاوز النصف بكثير ،بل أن الكوب نفسه بدأ يتصدع ويسرب ما تبقى داخله فالمشاكل تبدأ من نقص المياه العذبة في بحيرة «طبريا» و«الكنيرت» في شمال إسرائيل وتتجلى بشكل خطر في ظواهر من أمثال تهرب أعداد متزايدة من الخدمة في الجيش سواء القوات النظامية أم قوات الاحتياط ، وتزعزع الأوضاع الأمنية وتزايد ايقاع عمليات التفجير الفلسطينية داخل المدن الإسرائيلية والتي تحولت لموجة لا تنتهى منذ عام ونصف وحصدت 260 قتيلا . وما يضاعف اليأس أن هناك انهياراً سياسياً موازياً للأنهيار الأمني نجم عنه فشل تلو الآخر على الأصعدة الأقتصادية والأجتماعية والاستسلام لجماعات الضغط واصحاب المصالح على حساب المجتمع ككل. وبشكل موازٍ صدأ السلام في مخزن الأحلام المستعملة والمهملة بعد أن فشلت الحكومات الإسرائيلية وافلست تماما في التعامل مع الفلسطينيين ومع الأراضي المحتلة والمستوطنات في المقابل والغريب أننا لا نستطيع أن نبلع السلام وكذلك لا نستطيع أن نتقيأه. وفي الاطار نفسه تعاني إسرائيل من عشرات السنين من بيروقراطية مميتة ومن تعنت موظفو وزارة المالية في تخصيص الميزانيات وتدبير الاموال الضرورية للأمور الحياتية الأساسية الأمر الذي أدى لتركم مشاكل لا حصر لها الحكومة الإسرائيلية ،والكلام لا يزال لتقرير معاريف ، تقدم أسوأ خدمات وتسرف في مواضع كثيرة بلا طائل ففي إسرائيل توجد مناطق كثيرة من المحظور شرب المياه من الحنفيات في المنازل ليس بسبب اكتسابها روائح كريهة بل لأن المياه فيها تسبب السرطان هل هناك ما هو أكثر من ذلك حتى نقتنع بأن الوضع في إسرائيل سوداوي تماما ؟! ولذلك لا عجب أن أعداداً متزايدة من الإسرائيليين اصبحوا يرون أن هناك شيئا فاسداً ولايمكن إصلاحه في هذه الدولة . وابرز دليل على تصدع المجتمع ارسال الاثرياء وكبار المسئولين في اسرائيل لابنائهم للإقامة خارج إسرائيل ناهيك عن الأموال التي يتم وضعها في بنوك خارجية وشراء شقق سكنية في أوروبا خوفا من يوم (عاصف) متوقع . والمشكلة في إسرائيل حاليا وفق التقرير نفسه أن الإسرائيليين يدركون أن هناك مشاكل يتعرض لها اليهود في فرنسا وأمريكا نفسها لكن تبقى حقيقة أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي يستيقظ فيها اليهود في الصباح ليقرأوا في الصحف أن هناك دولا مجاورة توجه صواريخ ذات رؤوس غير تقليدية نحوهم وزعماؤها يتحدثون علانية وبحرية عن ضرورة تدمير إسرائيل. ونقل التقرير عن خبراء يهود تأكيدهم أن نافذة السلام اغلقت تماما ولم يعد يتعلق بمقبضها سوى شيمون بيريز ويوسي بيلين في حين أن الحرب العالمية الرابعة على الأبواب (يعتبر الخبير اليهودي أن الحرب العالمية الثالثة هي الحرب الباردة والتي انتهت بانتصار الولايات المتحدة على المعسكر الشرقي) وهذه الحرب تتطلب شرق أوسط جديداً ليس على طريقة شيمون بيريز بل من خلال إعادة ترسيم حدود الدول بالمنطقة والتي تم ترسيمها بواسطة البريطانيين والفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية ناهيك عن سيطرة أمريكية على منابع البترول وفرض الديمقراطية على شعوب المنطقة. ويستمر التقرير في حديثه التحريضي قائلا قد يخرج علينا أحدهم برأي مفاده أنه لا يمكن فرض الديمقراطية على المنطقة لانها لم تألف هذا النظام ولذا سرعان ما ستنهار المحاولة وهذا مردود عليه وفقا للتقرير حيث فرضت أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية نظم ديمقراطية على اليابان والمانيا.وما يشجعنا على هذه النبوءات أن أمريكا اتخذت خطوات بالفعل تجاه العراق ومن بعدها إيران وربما سوريا ولبنان وهلم جرا الأمر الذي قد يستدعى منا البقاء لفترة -كإسرائيليين- في المخابيء ،لكن في النهاية ستصفو السماء تماما . لكن في المقابل لا يجب أن ننسي إننا أفسدنا أرض إسرائيل وسممنا مياهها وهوائهها . إن وضعنا حاليا يشبه وضع قصة تتكرر كثيرا في أفلام الرعب الأمريكية حيث يتعرض سكان أحد المنازل المبنية فوق مقابر الهنود الحمر للكوابيس وهنا في إسرائيل الوضع أكثر خطورة فنحن نرى كوابيس بسبب ظلمنا للفلسطينيين وطردنا لهم من منازلهم وقراهم التي محوناها.