في ضحى يوم حار من أيام شهر اكتوبر عام 2000 تسلل رجلان على متن قارب صيد صغير وانطلقا مبحرين بجانب المدمرة الامريكية «كول» التي كانت تتزود بالوقود قبالة مدينة عدن ولوح الرجلان مبتسمين، ثم قاما بتفجير نفسيهما، مما ادى الى مقتل 17 بحاراً امريكياً كانوا على متن المدمرة في ذلك اليوم واصابة 39 غيرهم. واشاد اسامة بن لادن بهذه الهجمة، وتذهب مصادر من اجهزة المخابرات الأمريكية الى القول ان لديها دليلاً دامغاً على ان ابن لادن هو ممول هذه العملية غير ان تقديم المسئولين عن الهجوم الى العدالة كان امراً اكتنفته الصعوبات منذ البداية فلم تظهر الا القليل من الردود المحدودة والملموسة حول الحادث من قبل السلطات اليمنية وهو الامر الذي كان يعزى في احد جوانبه الى العلاقة التي يمكن وصفها بأنها كانت أقل من متعاونة حينذاك بين الولايات المتحدة والمسئولين اليمنيين الذين كلفوا بمباشرة التحريات الخاصة بعملية التفجير. غير ان الحكومة اليمنية بدأت الآن بمد يد المساعدة، كجزء من نطاق تعاون أوسع مع امريكا ضد الارهاب، ومع توافد المعلومات من اسرى تنظيم القاعدة في افغانستان، اصبح لدى المسئولين الامريكيين قدر من الثقة المشوبة بالحذر من انهم ربما في النهاية سيكونون في طريقهم نحو التوصل الى اغلاق القضية. وصرح مسئول غربي رفض الافصاح عن هويته بأنه في الحادي عشر من سبتمبر قرر الرئيس اليمني علي عبدالله صالح ان يسلك الطريق الصحيح، فهو اختار الطريق الخاطئ في حرب الخليج الثانية (وذلك في اشارة من المسئول نفسه الى قرار الرئيس اليمني الوقوف بجانب العراق في ذلك الوقت) والآن عندما آن الاوان لأن يأخذ جانب أحد الاطراف مرة اخرى، لم يرد ان يكرر الخطأ نفسه. فمنذ احداث سبتمبر ساد شعور بتغيير يحدث مع تقديم اليمنيين وثائق مهمة حول الحادث للأمريكيين كان قد تم منعها من قبلهم في السابق غير ان هناك معلومات محددة حول التحقيقات في الحادث لم يتم بشكل رسمي تقديمها لوسائل الاعلام. يعتقد ان هناك ارهابيين على الأقل في اليمن، وهما سالم الحارثي، ومحمد حمدي الأهدل وهما مطلوبان من الأمم المتحدة لتورطهما في عملية الهجوم. وزاد الضوء الملقى على العلاقات اليمنية الامريكية مؤخراً بشكل مكثف بعد اعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي ان هجمة «ربما تقع في الولايات المتحدة او ضد مصالح امريكية في البلاد او في اليمن».ورداً على هذا التهديد، تم تكثيف الاجراءات الأمنية حول السفارة الامريكية في صنعاء، وقامت الولايات المتحدة بتوزيع نشرة للأمريكيين المقيمين في اليمن تطالبهم فيها بأن يتوخوا الحذر بشكل اكبر من المعتاد في الفترة الحالية.وحذرت كل من امريكا وبريطانيا اليمن من ان شخصاً يدعى فواز يحيى الربيعي وهو يمني مولود في السعودية، ربما يدخل الاراضي اليمنية قادماً من افغانستان لتنفيذ هجمات وجاء التحذير على لسان مسئول نقلت تصريحاته وكالة الأنباء اليمنية سبأ.وبدأت تتوافد معلومات مرتبطة بقضية المدمرة كول من مصدر آخر وهو اعضاء القاعدة المعتقلون في افغانستان، فقد افصح ابن الشيخ الليبي الذي كان يتولى رئاسة معسكرات تدريب القاعدة واحد مساعدي اسامة بن لادن، عن معلومات قيمة اثناء التحقيق معه في قندهار الشهر الماضي، وافصح عن خطط لتفجير السفارة الامريكية في صنعاء. ويتم الآن التحقيق في امكانية وجود صلة بين هذه الخطط وبين تدمير المدمرة «كول» وقد اسفرت تحقيقات اخرى مع معتقلي تنظيم القاعدة عن التوصل الى معلومات بشأن متهم يعتقد انه موجود باليمن ويدعى محمد حمدي الأهدل، وهناك شكوك بتورطه مع القاعدة وبأن له صلة بتفجير المدمرة كول وقد واصل الرئيس اليمني تأكيده انه ليس هناك دلائل كافية على ان هناك صلة لابن لادن بتفجير المدمرة «كول» ولكنه وعد بأن يتابع الامر على كل الاصعدة. وفي أواخر الشهر الماضي اكد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت مولير ان الولايات المتحدة واليمن يعملان كشريكين وقال: «قمنا بكشف النقاب عن قدر عظيم من المعلومات المهمة والكثير من الخيوط الجديدة فمحاربة الارهاب تصب في مصلحة اليمن، وامريكا جاهزة لتقديم المساعدة». الا ان الامور ليست كذلك دائماً فرد الفعل الاول للحكومة اليمنية تجاه الاتهامات الامريكية بالارهاب في قصة «كول» كان الانكار ببساطة فقد ذهبت الحكومة اليمنية الى ان التفجير جاء من السفينة نفسها ويقول احد الدبلوماسيين الامريكيين الذي رفض الافصاح عن هويته، معلقاً على الامر: «بعد ذلك عدلوا قولهم، كان من الواضح ان التفجير قد قلب الامور رأساً على عقب». منذ بداية التحقيقات كان الغموض يشوب التعاون بين امريكا واليمن فقد أعلن فريق مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي طار الى عدن برئاسة جون اونيل انه لم يتلق المساعدة اللازمة لاتمام عمله بشكل مناسب. وكما ذكر اعضاء هذا الفريق، فإنه لم يسمح لهم بأن يجمعوا اقوال شهود العيان التي قام الفريق بالحصول عليها ولا التحقيق مع المتهمين الذين اتى بهم اليمنيون بشكل خاص او على انفراد ولم يسمح لهم ايضاً بالاطلاع على ملفات مهمة. وقضوا، كما قال الطاقم الامني اليمني الذي كان مهمته حمايتهم اثناء اقامتهم في البلاد وقتاً اكثر مما ارادوا في فندق جولد موهور، غير قادرين على فعل سوى لعب الكرة الطائرة. غير ان اليمنيين يرون الامر بشكل مختلف، حيث يقول المسئولون اليمنيون ان الفريق الامريكي تصرف بشكل متغطرس فقد جاءوا بفريق قوامه 300 من المحققين والموظفين المساعدين لهم معظمهم لا يتكلم العربية، وذهبوا الى المطار من دون ان تكون لديهم تأشيرة دخول، ثم ذهبوا الى الفندق متخذين اياه حصناً لهم، حيث وضعوا كلاب حراسة امام الباب الامامي للفندق ورفضوا الحديث مع الآخرين. ويقول احد مسئولي الحكومة اليمنية والذي رفض الافصاح عن اسمه: «كان هناك تضارب في الاسلوب بيننا وبينهم، لقد جاءوا مثل رعاة البقر غير ان اليمن ليس ارضاً من اراضي الغرب المتوحش ولا يمكن ان يتم الامر هكذا، لقد بدا الامر وكأنهم على وشك ان يشنوا حرباً ضد اليمن، لم يكن لديهم اي شعور بالاستحياء، فنحن دولة ذات سيادة ولها دستورها فلا يمكنك ان تقحم نفسك هكذا من دون التشاور مع الحكومة بشكل مناسب».وقبل اسبوع من احداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي مقابلة مع قناة الجزيرة اعترف الرئيس علي عبدالله صالح انه رفض ان يسمح لفريق مكتب التحقيقات الفيدرالي ان يقيم في اليمن او ان يسيطر على التحقيقات. الامر الذي لم يساعد الامريكيين ايضاً كان وجود خلافات بينهم وبالتحديد بين اونيل والسفيرة الامريكية لدى اليمن حينذاك بربارة بودين فطبقاً لآراء الملاحظين فإن السفيرة كانت مثل اليمنيين انفسهم تشعر بالضيق من الاسلوب الفظ لفريق التحقيقات وكانت قلقة من ان يجرح هذا الاسلوب اليمنيين ويؤدي الى اعاقة مسار التحقيقات ومنذ ذلك الحين طلبت امريكا من اليمن ألا تمضي قدماً في اي محاكمات بسبب عدم كفاية الأدلة.الآن يبدو ان الاوقات المحرجة التي انطوت عليها الاشهر السابقة قد انتهت ويعتقد ان هناك على الأقل اثنين من اعضاء الخلية المشتبه في تورطهما في تفجير المدمرة «كول» لهما علاقة ايضاً بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ويقول احد المصادر ان اليمن لديه بعض المعلومات عن هؤلاء الارهابيين لم يتبادلها مع الامريكيين وان تلك المعلومات ذات قيمة كبيرة ويقول احد المسئولين الامريكيين: «لا نستطيع ان نعيد عقارب الساعة الى الوراء ولكننا نتحرك الى الامام ويمكن ان نتوقع نتائج». عن «كريستيان ساينس مونيتور»