يستمد هذا الكتاب أهميته من انه يوضح لنا جانباً من أسرار السلوك السياسي الامريكي الراهن الذي يبدو للبعض لغزاً تكتنفه الأسرار، ويلقي الضوء على مجموعة مهمة من الحقائق أبرزها ان التحرك الأمريكي، الذي سبق 11 سبتمبر بسنوات لم يكن الا انسياقا وراء النزوع الى التسلط الامبراطوري مع الحرص على التملص من المسئوليات التي يفرضها الحكم الامبراطوري بحسب التجربة التاريخية على امتداد قرون طويلة. ومؤلفا الكتاب روبرت تكر أستاذ السياسة الخارجية في جامعة جونز هوبكنز، وديفيد هندركسون استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو، يعدان من الكتّاب الاكاديميين البارزين في الولايات المتحدة، ونقد أولهما لمعطيات الفكر الماركسي وطروحاته الأساسية أشهر من ان يعرف به، كما ان مساهمات ثانيهما في اطلاق العديد من الافكار وبالونات الاختبار الامريكية لا يغفل عنها أحد من متابعي التداخل بين الفكر والحركة الامريكيين. في بداية الفصل الثالث من الكتاب الذي نناقشه هنا يتحدث المؤلفان عن العدوان والأمن الجماعي ويوضحان أن الفكر السياسي الأمريكي درج على أن يضفي مسئوليات خاصة على أمريكا التي يتعين عليها القيام بدور قيادي ولكن في اطار تحالفات جماعية من أجل اقرار السلامة واستتباب الأمن في النظام الدولي. في هذا الخصوص يقول الكتاب: إن دور القيادة يفرض مسئوليات خاصة لا يتحمل بها الآخرون، ولكنه يكفل (لامريكا) درجة من الحرية (في التصرف والاجراءات) لا يتمتع بها الآخرون وبهذه الطريقة ـ يضيف مؤلفا الكتاب ـ فإن قبولنا لمبدأ التعددية مرهون بقدرتنا المستندة الى حق نطالب به لممارسة مبدأ الانفرادية، ذلك لأن الافتراض بأن منع العداوات وكفالة السلام في المجتمع الدولي يسير في خطوط متوازية مع منع الاعتداء واقرار السلام في المجتمع المحلي الأمريكي وهو افتراض مستكن ومستقر لفترة طويلة في الضمير الأمريكي. والمعنى ـ كما نتصور ـ ان شعار التعددية تطرحه أمريكا وتترجمه إلى سلوكيات دولية شتى: ما بين انشاء احلاف دائمة (الناتو في غرب اوروبا أو منظمة الدول الأمريكية في نصف الكرة الغربي) أو تحالفات مرحلية (كما في حرب الخليج التسعينية ضد العراق أو في أولى حروب الالفية الثالثة في افغانستان ضد تنظيم القاعدة، والبقية تأتي فمن يدري؟) أو سواء جاءت هذه السلوكيات السياسية الدولية على شكل استخدام منظمة الأمم المتحدة ـ وخاصة مجلس الأمن الدولي ـ أدوات لاضفاء تغطية جماعية تعددية على انماط السلوك الامبراطوري لواشنطن ـ دع عنك الاحتجاج بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتحدث عن استخدام الوسائل الأخرى من أجل اقرار السلم والأمن الدوليين . سواء كان الأمر هذا أو ذاك ـ فالحاصل أن القرار الأمريكي يظل قرارا انفراديا والسلوك الأمريكي يظل من جانب واحد بمعنى انه لا يصدر عن حكاية التعددية اللهم الا في حيز الشعار المطروح من جهة، بل يكاد يصدر عن الروح الامبراطوري الذي يتطرق اليه الكتاب بالعرض والتحليل من جهة أخرى. نلمح في هذا الصدد أيضا الافتراض الفلسفي الذي يصدر عنه القرار الأمريكي (الامبراطوري كما اسميناه) في صدد التعامل مع العدوان، أي عدوان. يشير الكتاب الى تلك الفكرة التي تقول بأن العدوان يأتي نتيجة خطأ في الحساب من جانب المعتدين الذين يرون في المجني عليهم قوما ينقصهم العزم والتصميم على رد العدوان ودفع غائلته، وتلك فكرة ـ يقول الكتاب ـ لا ترى في العدوان (شرا) فحسب، بل تراه (شرا لا مبرر أصلا لوجوده). الشر وحكايته عمدنا الى وضع مصطلح الشر (بين علامات التنصيص) اشارة الى انه مصطلح أصبح مشتركا وربما كان شائعا من دون ان ندري في قاموس السياسة الأمريكية وعلاوة على استخدامه في متن هذا الكتاب فقد عمد إلى استخدامه بالأمس القريب الرئيس جورج دبليو بوش في اشارة الى محور الشر الذي ينتظم في رأيه عدة دول يراها من منظور واشنطن تشكل خطرا على مصالحها أو تضم في رأيه أيضا مواقع لتشجيع الارهاب. واننا نلمح في سطور الكتاب عرضا لمبادئ السياسة الأمريكية التي سبق اتباعها في الماضي فنعجب من السلوك الذي تتبعه واشنطن في الوقت الحالي حين تمضي منفردة الى توصيف هذه الدولة أو تلك بانها راعية للارهاب ومن ثم لا تتردد ـ منفردة كذلك ـ في اطلاق انذارات الوعيد بان الدولة التعيسة المذكورة ينتظرها عمل عسكري من جانب قوة القطب المحوري الوحيد في العالم المعاصر. أين ذلك مما يعرضه كتابنا من سوابق السلوك السياسي للولايات المتحدة حين يقول المؤلفان: أيا كانت الاسباب فليس هناك مسوغ يبرر المبادرة الى استعمال القوة العسكرية الغاشمة ومهما بلغت صنوف الأذى التي تلحق بدولة ما فإنها لا تبيح العدوان هذا المبدأ الذي يعود ـ كما يقول الكتاب ـ إلى أيام وطروحات الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون (1856 ـ 1924) ظلت تعتنقه الإدارة الأمريكية وظل يشكل المبدأ المحوري في ادانة الحرب العدوانية وسيلة لتسوية المنازعات بين الدول وهو المبدأ الذي كان بدوره حجر الاساس لإدانة أمريكا (في عهد ايزنهاور) للاجراءات التي اتخذتها بريطانيا العظمى وفرنسا ضد مصر في عام 1956 (يقصد معارك السويس بعد تأميم عبدالناصر للقناة وتعرف طبعا في حوليات السياسة المصرية ـ العربية باسم العدوان الثلاثي حيث انضمت اليهما اسرائيل). مع ذلك يعود كتابنا ليوضح ـ بالادق يعترف في أمانة علمية ـ ان هذه المبادئ القويمة التي تدين العدوان وترفض المبادرة الى استعمال القوة الغاشمة سبيلا لحل النزاعات بين الدول والشعوب ـ هذه المبادئ رفيعة وراقية وانسانية، عندما تظل في حيز الشعار المطروح وربما عندما يتم اللجوء اليها في هذه الواقعة أو ذلك الظرف (كما في موقف الرئيس ايزنهاور الايجابي الرافض لعدوان 1956 على مصر) ـ الا ان هذه المبادئ كثيرا ما تلقى مصير التجاهل أو النسيان واحيانا المخالفة والانتهاك وتتحطم قواعدها المحترمة على مذبح المصالح المادية والذرائع السياسية وضرورات صونها وحمايتها. هنا يضرب الكتاب مثلا معاصرا من السلوك السياسي ـ الامبراطوري بمعنى الصادر عن انفراد الهيمنة حينما قررت ادارة الرئيس بوش الأب أن تنفذ عملية عسكرية، في جارتها الجنوبية الصغيرة، بنما. يومها تناسى القوم حكاية مبادئ عدم استعمال القوة التي طالما رفعوا راياتها، يومها قرر جورج بوش ـ الأب ان يرسل قواته المسلحة في حملة عسكرية اطلق عليها دهاقنة الاعلام والعلاقات العامة في واشنطن اسما يجمع بين الطرافة والنفاق في آن واحد وهو: القضية.. العادلة. يومها أيضا خطب الرئيس قائلا انه يفعل ذلك من أجل حماية قناة بنما (هي حجج انطوني ايدن الانجليزي وجي موليه الفرنسي نفسها متذرعين بحماية قناة السويس في عدوان 56، طبعا امام الملاحة الدولية)!ثم أضاف الرئيس الأمريكي سببا اخر هو حماية الرعايا الأمريكان المقيمين في دولة بنما.ومرة أخرى يسوق الاسباب نفسها التي طالما تذرعت بها أو تمحكت فيها تاريخيا بريطانيا العظمى ابان احتلالها الاستعماري لمصر فيما كان يعرف بحكاية حماية الرعايا الاجانب. على هذه الاسباب ـ الذرائع يعلق مؤلفا الكتاب بالتالي: هذه الاسباب رؤيت بشكل عام على انها مجرد تبرير شكلي ليس الا يغطي أو يموه السبب الرئيسي للحملة الأمريكية العسكرية، على بنما وهو ازاحة ديكتاتور كان قد تحدى واشنطن مرارا وتكرارا (طبعا الاشارة هنا الى دانييل نورييجا الذي كان جنرالا يلعب دور رجل بنما القوي وكان ـ كما تؤكد المصادر الأمريكية رجل أمريكا في ذلك البلد ولما خرج على السيناريو الذي يخطط له دورا مرسوما في اطار منظومة المصالح الأمريكية في بنما ومنطقة أمريكا الوسطى، كان لابد من الاطاحة به بل ولابد من (اكتشاف) مزاولته دورا في الاتجار بالمخدرات ومن ثم كان القبض عليه وتحويله من جنرال الى متهم يقضي عقوبة محكوما بها في أحد السجون بولاية فلوريدا جنوبي الولايات المتحدة). تضيف سطور كتابنا: انطلقت عملية (القضية العادلة في بنما على أساس سلوك منفرد وقرار من جانب واحد ولأسباب لم يكن لتقرها من قريب أو بعيد منظمة الأمم المتحدة ولا منظمة الدول الأمريكية، وعليه نفذت العملية العسكرية التي قضى بها البيت الأمريكي الأبيض دون ان تشكل سابقة مشروعة ولا ارهاصا يعتد به يلائم التبشير ـ في عقد التسعينيات بقيام نظام دولي جديد (يقوم كما قال دعاته على أساس مبدأ الشراكة والسلوك الجماعي أو عقد التحالفات الدولية من أجل اقرار السلم والعدل وحقوق الإنسان).وربما لم يكن القوم يصدرون هنا عن معايير مزدوجة أو عن نمط متعمد من انماط النفاق السياسي، بقدر ماكانوا يصدرون عن مبدأ سياسي مزروع في اجرومية السلوك الأمريكي في مجال السياسة الداخلية والخارجية على السواء. اسمه مبدأ ريجان ويقضي ببساطة بمشروعية التدخل من جانب أمريكا وتحديدا بحق التدخل لواشنطن أيام صراعها مع خصمها السوفييتي الذي كان، وبتحديد أكثر هو حق التدخل ضد الحكومات اللاديمقراطية وبالذات الحكومات الماركسية ـ اللينينية ـ الشيوعية بطبيعة الحال). تجاوز الحدود يسهب كتابنا في هذه النقطة من التفكير الامبراطوري الأمريكي حين يضيف قائلا: ان مبدأ ريجان تجاوز حدود التدخل الذي يمكن ان تجيزه الاعراف والممارسات المرعية بين الدول: لقد اعلنت أمريكا بمقتضاه انه حتى عندما لا تكون مصالح دولة ما مهددة بخطر ما، يمكن تبرير التدخل من أجل الاطاحة بالحكومات غير الشرعية لأن هذا النمط من الحكومات ليس له حق في البقاء أو الاستمرار! حيث ان الشرعية يتم تعريفها على أساس مدى توافقها مع العملية الديمقراطية. وطبعا لنا أن نضع عديدا من علامات التعجب من مقولات وطروحات مثل هذا المبدأ الذي سبق إلى اعلانه رونالد ريجان الذي يصفون سنوات ولايته الثماني بأنها علامة فارقة على حكم قوى اليمين المحافظ في واشنطن، وبدلا من علامات الاستغراب علينا ان ننظر الى تلك المقولات على انها التجسيد الحي المعبر عن النزعة الامبراطورية ـ التي نتناولها مع فصول الكتاب الذي بين أيدينا ـ نزعة الهيمنة والتصرف من جانب واحد، وهي نزعة توجيه الاتهام ونصب المحاكمة، واصدار الاحكام ثم الشروع ـ من جانب واحد ايضا ـ في وضعها موضع التنفيذ. يمضى الفصل الرابع من الكتاب ليقول: هكذا فإن مبدأ ريجان يصوغ الدولة في دور لا يقضي وحسب بالدفاع عن الحرية بل يقضي أصلا بجعلها الدولة (الامريكية) هي مانح هذه الحرية تقوم من جانبها باسباغها على سائر الدول والشعوب. ليس صدفة اذن ـ كما يضيف كتابنا ـ ان علاقة ادارة ريجان مع منظمة الأمم المتحدة بلغت أدنى قاع لها في سنوات تلك الادارة التي استطالت معظم سنوات عقد الثمانينيات من القرن الماضي. وما كان لها سوى ان تصل الى هذا القاع في ضوء التعارض بالضرورة بين مفهومين ومنطلقين: الأمم المتحدة وتجسد التعددية والشراكة في التعامل مع الشأن الدولي. ادارة ريجان كانت من خلال المبدأ المذكور بكل تداعياته تجسد الانفرادية والتصرف من جانب واحد والوصاية السياسية باصدار احكام على الآخرين بل وضع نفسها في موقع الخصم والحكم (بفتح الكاف) في آن واحد وهو ما نعود ـ مع الكتاب ـ الى تسميته باسم النزعة الامبراطورية في التعامل مع ذلك الشأن الدولي. أكثر من هذا، يوضح الكتاب (ص54) كيف ان هذه النزعة من الوصاية الامبراطورية كانت تتعامل مع منظمة الأمم المتحدة (وهي بداهة مجمع الدول وبرلمانها العالمي) من منطلق الاستهانة بل والازدراء. وربما كان الأمر راجعا ـ في رأي مؤلفي الكتاب ـ الى ان المنظمة العالمية المذكورة ظلت تضم في عضويتها دولا يتسع نفوذها داخل الأمم المتحدة بينما كانت هذه الدول معادية لمصالح أمريكا والمقاصد التي تتوخى واشنطن تحقيقها. وعلى الرغم من ان الكتاب لا يوضح المقصود بهذا العداء ولا بنوعية تلك الدول ـ الا أن قراءاتنا العديدة ومتابعتنا الطويلة عن كثب لمجريات ومسارات السياسة الأمريكية تجاه الأمم المتحدة تطلعنا ـ اجتهادا من جانبنا ـ على ان المقصود هو زيادة عضوية دول العالم الثالث في المنظمة الدولية ومن ثم أصبح لتلك الدول صوت مسموع ولا سيما ضمن اطار الجمعية العامة للأمم المتحدة وهي أعلى مستوى في المنظمة لانها تمثل ـ شأن أي جمعية عمومية ـ السلطة التشريعية فيها فيما يمثل مجلس الأمن ـ بكل سلطاته ـ الجهاز التنفيذي الذي يعمل ـ ولو نظريا أو بحكم الميثاق ـ في خدمتها وفي ظل التوجهات الصادرة عنها. لا غرو ان اصطنعت الأدبيات الأمريكية وقتها مصطلح (الأغلبية الطاغية) أو (طغيان الأغلبية) وهي تلك الغالبية العظمى من الدول الحديثة الاستقلال التي دخلت، بمصادفة تاريخية أو في اطار توافق ظرفي في المصالح ضمن تحالفات مرحلية مع دول المعسكر الاشتراكي وتضامن الطرفان على التنديد بالسلوك الانفرادي الأمريكي على الساحة الدولية وانعكس هذا التنديد في قرارات عديدة صادرة عن الجمعية العامة كان لها بحكم الواقع صدى أدبي أو اثر معنوي ولكنها احاطت حركة السياسة الأمريكية بسياج من الرفض والعزل على الساحة الدولية. اجتذاب «الغلابة» ولما كانت الجمعية العامة، وكانت الاجهزة والدوائر والادارات والوكالات الاخرى التي تضمها منظومة الأمم المتحدة تعد بمثابة ساحات أو منابر لمساءلة الدول عن سلوكها في المضمار الدولي، ولما كانت النزعة الامبراطورية ـ الانفرادية قد شابت السلوك الأمريكي ولاسيما في عهد رونالد ريجان فقد كان الصدام محتوما بين الطرفين حتى ولو جاء مغلفا تحت أوراق السلوفان الدبلوماسية أحيانا، ومع ذلك فقد كاد ينفجر في أحيان كثيرة ويتبدى على شكل اهانات متكررة وربما مقذعة طالما وجهتها الى المنظمة الدولية جين كيرباتريك يوم ان كانت سفيرة الرئيس ريجان ـ مندوبة دائمة لأمريكا لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك. والحق ان كتابنا يرى ان هذه النظرة التي رأيناها غريبة وربما غير منطقية الى الامم المتحدة ـ كانت نظرة طبيعية وربما متوقعة من جانب واشنطن. ان الكتاب يؤكد ان الذين دعوا الى انشاء الأمم المتحدة بعد عام 1945 لم يروا فيها منظمة للأمن الجماعي ولا ساحة للحلول الجماعية القائمة على الشراكة المتكافئة لمشكلات الدول في العالم. ان الكتاب يعترف بأن الامم المتحدة جاء انشاؤها أقرب ما تكون الى نقابة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وكان في مقدمتهم بطبيعة الحال الفائز الأكبر بجوائز ذلك الاقتصاد، الولايات المتحدة. ان حكاية الأمن الجماعي والسلامة المشتركة طرحت الاسم ليس الا، بمعنى أنها كانت شعارا لا أكثر ولا أقل، براقا نعم ـ خلابا وجذابا لقوى الغلابة وحائط مبكى للمستضعفين معقول، لكنها في الحقيقة والجوهر ـ كما يراها الكتاب كان يقصد بها وقت قيامها أن تشكل محالفة موجهة ـ كما يحدد الكتاب ـ الى عدم تجدد أو انبعاث التهديد الذي كانت تجسده كل من ألمانيا واليابان (في اطار المحور الذي حارب الحلفاء على امتداد النصف الأول من عقد الاربعينيات) صحيح ان تطور أحداث الخمسينيات وما بعدها اضفى على الأمم المتحدة مزيدا من المصداقية في الفكر وفي السلوك الواقعي الا أن أهم ما سعت الولايات المتحدة الى ارسائه وترسيخه ـ كما يؤكد كتابنا (ص61) كان يتعلق بالمدى الذي تتحقق معه السيادة والتفوق الذي لا يبارى للدول العظمى، وكانت تلك الدول عند منتصف القرن تعد على أصابع يد واحدة، ولكنها ما لبثت أن أصبحت مع نهاية القرن تعد على أصبع واحد فقط لا غير، اسمه أمريكا، الكيان الذي يحاكي ما سبق وعايشه العالم والحضارة من ممالك كبرى وامبراطوريات.