الملف السياسي: الشعارات الوطنية تتغيّر مع الظروف لتتلاءم مع المستجدات، من بين هذه الشعارات المبتكرة ما طرحه حاكم مدينة نيويورك السابق جولياني، عندما قال مخاطباً أهل المدينة بعد كارثة 11 سبتمبر: «اخرجوا و.. تسوّقوا». وأوضح جولياني « ان الارهاب يسعى إلى ان يقطع علينا حياتنا الطبيعية وهو لن ينجح في ذلك، اننا وفي عطلات نهاية الأسبوع ما زلنا نخرج ونتسوّق» وهكذا فإن المدينة الجريحة حوّلت أحزانها إلى مهرجان للتسوق في مواجهة الارهاب. صنع في أمريكا والتسوّق هو شعار مألوف في الغرب الصناعي، ولكنه غالباً ما كان يدغدغ مشاعر المواطنين بالدعوة إلى شراء الانتاج الوطني والمحلي، وفي عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريجان ومع اشتداد المنافسة مع اليابان كان «أنكل سام» بلحيته البيضاء والعلم الأمريكي يغطي قبعته يطل على شاشات التلفزيون ويهتف: كلما خطر لك ان تتسوق لا تنس قراءة العبارة: صنع في أمريكا. وكان هذا الشعار يكتسب أبعاداً سياسية وأيديولوجية في الأزمات، فعندما أسقط الاتحاد السوفييتي الطائرة الكورية الجنوبية التي كانت تحوم فوق قواعده العسكرية استغل الرئيس ريجان مشاعر التعاطف مع ضحايا الطائرة وهم من المدنيين فجدد في خطاب حماسي حملته على امبراطورية الشر، وخرج بعد الخطاب آلاف الأمريكيين في مظاهرات كانوا خلالها يحملون زجاجات الفودكا الروسية ويقذفونها على الأرض أو الجدران لتتناثر حطاماً بينما عدسات التلفزيون تلتقط في الوقت نفسه صوراً لأنواع من الفودكا يرفعها المتظاهرون كتب عليها صنع في أمريكا، وكانوا يرشفون منها حتى الثمالة، ولم يكن صعباً الاستنتاج بأن شراء الفودكا الأمريكية رغم انها رديئة مقارنة مع الروسية، هو واجب قومي. أنا لا أخون أحداً ولكن جولياني حاكم مدينة نيويورك السابق عندما طرح شعاره للخروج والتسوق لم يذكر أهل مدينته بعبارة صنع في أمريكا، ولعل السبب هو انه في عصر العولمة، والشركات متعددة الجنسيات، فإن الصناعة الوطنية فقدت بريقها وقدرتها على التأثير، وصار يصعب على المستهلك ان يصدّق بأن حذاءه الرياضي من ماركة «نايكي» مثلاً صنع في أمريكا، بينما المصانع الرئيسية تقوم بإنتاج الحذاء في اندونيسيا، ومثله السيارات الأمريكية التي نقلت مراكز الانتاج والتجميع إلى المكسيك، وهو ما أشار إليه تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 22 الشهر الماضي، تحت عنوان: «صنع في بريطانيا .. شعار لم يعد يثير الحماسة». وفي التقرير الذي كتبه مراسل الصحيفة في مدينة مالسم بيري في انجلترا ينقل عن جيمس دايسون صاحب مصانع دايسون قوله «لقد استثمرت 40 مليون جنيه استرليني من أموالي في هذا العمل، في محاولة لأن أقيم صناعة ناجحة هنا، ولكن عليّ ان آخذ في الاعتبار قوانين الاقتصاد، فإذا رغبت في الاستمرار فإن عليّ الانتقال إلى مناطق تقدم فيها هذه الصناعة مردوداً أكبر، وعندما أفعل هذا فإنني لا أخون أحداً». وقد قرر دايسون ـ 54 عاماً ـ الانتقال إلى آسيا، حيث الأيدي العاملة متوفرة بأسعار رخيصة، على الرغم من انه حقق في عام2000 أرباحاً بلغت 316 مليون جنيه استرليني، وزادت قيمة موجوداته على 700 مليون استرليني وعندما استخدم دايسون عبارة: انني لا أخون أحداً، فقد كان يمشي على خطى حفيد البطل الألماني رومل، عندما قرر ان ينقل معظم إنتاج شركة «مرسيدس بنز» خارج ألمانيا، ما استدعى غضب المستشار الألماني السابق هيلموت كول الذي صرخ: ان المارك لم يصنع ألمانيا، في اشارة إلى ان الصناعة لم تعد تملك وطناً بل هي عابرة للقارات تنتشر حيث تحقق الأرباح. .. فإن خراجك يعود لي ومن هنا فإن شعار «اخرج وتسوق» ومن دون تحديد هوية ما سوف تتسوقه يتلاءم مع مستجدات السوق في عالم لم تعد تحكمه الصناعة بل الخدمات، ففي بريطانيا مثلاً وهي مهد الثورة الصناعية فإن الصناعة التقليدية صرفت 150 ألف عامل في العام الماضي، بينما صناعة الخدمات والاتصالات نجحت في تأمين 230 ألف وظيفة جديدة. وصناعة الخدمات ينطبق عليها ما قاله الخليفة هارون الرشيد، عندما عبرت غيمة في سمائه قال: «اذهبي أيتها الغيمة وامطري حيث شئت، فإن خراجك يعود إليّ» ولعل هذا ما قصده حاكم مدينة نيويورك السابق جولياني.