الملف السياسي: تسبب الحالة العراقية متاعب نظرية وعملية عديدة لمخططي السياسة الأمريكية، فخلال الاثني عشر عاماً الماضية لم يكف هؤلاء عن تأمل تلك الحالة العويصة بطلب ايجاد مخرج من مأزقها، فقد اكتشف الأمريكيون ان استخدام القوة حتى بالشكل الكاسح لا يحل مشاكل العلاقات الدولية، فهنالك موازين قوى لا يمكن ان تمتلك حتى الدولة العظمى المقدرة على التلاعب بها كما تشاء، وتستطيع أمريكا من الناحية العملية ان تكتسح العراق وتطيح بحكومته، ولكنها لا تمتلك القوة على ضبط الحالة بعد ذلك، ولا على كبح جماح القوى الاقليمية الأخرى التي ستتحرك حتماً حالما تغيرت أوضاع العراق بشكل جذري. لم يكن الجنرال شوارتزكوف قائد الحملة الأمريكية في حرب الخليج قادراً على تفهم كل ذلك وحاول خلال انتشائه بالنصر ان يضغط على حكومة بوش لتسمح له بتحطيم بقايا الحرس الجمهوري والزحف إلى بغداد ليتربع على سدة السلطة فيها كما فعل الجنرال ماك آرثر غداة اكتساحه اليابان في نهايات الحرب العالمية الثانية، لقد مارس شوارتزكوف ذلك الضغط بشكل علني على حكومة بوش وعبر عن استنكاره لتلكؤها في اتخاذ قرار يسمح له باكتساح بغداد، وقد تلقى الجنرال رد بوش في صورة توبيخ واضطر ازاء ذلك لتقديم اعتذار للقيادة السياسية التي افتأت عليها وتدخل في أخص شئونها التي لم يكن يحمل القدرة الذهنية على فهم مقاصدها الخفية. والآن مع سيطرة بعض الحكام النافذين في الادارة الأمريكية ممن أتوا من طوايا اليمين الديني الأمريكي، وممن يحملون عقلية صدامية حضارية «شبيهة على نحو ما بعقلية شوارتزكوف التبسيطية» فإنهم أضحوا يلحون على مبدأ اقتحام العراق والاجهاز على نظام الحكم فيه، وليكن بعد ذلك ما يكن كما عبّر أحد اقطاب اليمين الديني الأمريكي، مؤكداً استهتار تلك الطائفة بالعواقب السياسية وازدرائها لشئون التحليل العقلاني وتركيزها المبالغ فيه على العاطفة والولاء الديني ذي النزعة الصدامية العدوانية. هذا التيار قد ينتصر في النهاية ولكن انتصاره سيكون على غير المألوف وسيدخل الولايات المتحدة في مآزق متتالية يصعب الخروج منها، وقد يتجاهل قادة هذا الرأي الصعوبات التي بدأت تتكاثف الآن في أفغانستان وتشكل مأزقاً حقيقياً يحتجز أمريكا في أفغانستان لفترة طويلة غير منظورة الآن في أفغانستان حيث سيتطلب الأمر في النهاية ان تتولى أمريكا ادارة وسياسة وحراسة ذلك القطر ومنع تحوله إلى وضع الفوضى القديم الذي أفرز ما اشتكت منه من حركات الارهاب، أسوأ من تلك الحالة ما قد ينبثق في العراق على اثر اسقاط حكومته، سيتوزع امراء حرب لا حصر لهم لحكم ذلك القطر، فالعاصمة العراقية التي تبدو لن تلبث ان تتشظى، وهي لا تعدو ان تكون مجموعة شراذم تعوزها أدنى خبرة في شئون الحكم، فالحالة الافغانية هنا أفضل بكثير، فمعارضة الطاجيك التي خلفت طالبان كانت تتمتع بنوع من الخبرة بشئون الحكم قبل ان تتولاه. هذا الشأن لم تنتبه له أمريكا بخصوص العراق طوال الاثنى عشر عاماً الماضية، أو ربما اغفلته عمداً لأنها لم تفكر أبداً بشكل في الاطاحة بحكومة صدام والاتيان له ببديل من شراذم المعارضة العراقية التي لم تعتمد عليها أمريكا قط رغم انفاقها كثيرا من المال عليها، ولم تفكر في تدريبها إلا على حرب عصابات محدودة، ترهق بها حكومة بغداد، كنوع من الضغط لا غير أما في شئون الادارة المحلية، وشئون الحكم العليا، فهذه المجموعات المعارضة لا تملك فيها أي مؤهل يمكن ان تدير به شئون قطر واسع شئونه مع قدر من التعقيد كالعراق. أما على صعيد توازن القوى الاقليمي فإن الابقاء عليه بعد اي اكتساح أمريكي للعراق سيكون في عداد المحالات، حتى لو بقي العراق موحداً، وهذا مشكوك فيه إلى حد كبير، فإنه سيكون ضعيفاً بإزاء إيران، وهذا سيوجب على أمريكا ان تتدخل لاحقاً بهجوم عسكري تخفض به القوة العسكرية الايرانية للتوازى مع قوة العراق وهكذا فإن التخطيط لهجوم عسكري على العراق يستوجب منذ البدء التخطيط لهجوم عسكري آخر ضد ايران، وهذا الهجوم الأخير ستكون مخاطره أكبر بكثير من أي هجوم على العراق، فإمكانيات ايران في التصدي لأي هجوم أمريكي هي بلا شك أضخم بكثير من امكانيات العراق الضعيف الآن، وتعبئة الشعب الايراني المشربة بالكراهية العميقة لأمريكا لا تعطي أي أمل بإمكان ان تهزم أمريكا إيران، وتقيم فيها حكومة بإشرافها كما فعلت في أفغانستان. هكذا يستوجب احتلال الولايات المتحدة للعراق الهجوم على ايران كذلك، وستكون الولايات المتحدة قد احتلت بذلك ثلاثة أقطار إسلامية في وقت واحد، وليس ثمة دليل أبلغ من ذلك على ثني الادارة وتنفيذها لبرامج نظرية صراع الحضارات لهنتنجتون القريب الصلة باليمين الديني الأمريكي المتنفذ حالياً في وزارة الدفاع الأمريكية بصفة خاصة، وقد أذاع هؤلاء المنظرون من دعاة صراع الحضارات مؤخراً بيان الحرب الشاملة، ومهروه بتوقيعات ستين منهم في طليعتهم صاحب النظرية نفسه هنتنجتون بالاضافة إلى صاحب النظرية التوأم في «نهاية التاريخ» فرانسيس فوكوياما ولم يكتفوا هذه المرة بالتلويح والتحريض فقط، وإنما أشاروا صراحة إلى نفوذهم وتأثيرهم على صناع القرار قائلين ان سلطة الحكام تنبعث من الثقافة السياسية والفكر السياسي الذي افترضوا انهم هم قادته بلا منازع، وبيانهم في جملته صيغاً ليعطي التمهيد النظري المباشر للانخراط في الحرب، ولتكن المرحلة الأولى بغزو المسلمين وقد بدأ ذلك فعلاً في أفغانستان ولتتلوها العراق ثم إيران بعد ذلك يأتي الاتجاه إلى الضلع الثالث في محور الشر الموصوف بكوريا الشمالية. إن تراجع بوش عن استخدام لهجة التهديد بخصوص كوريا الشمالية في الأسبوع الماضي قد يكون مؤشراً للتراجع عما تورط فيه من اطلاق اعتباطي لأوصاف التهديد وقد يحمل على انه تراجع تكتيكي بقصد تركيز الهجوم الآن على الجبهة الاسلامية وحدها الآن، وتركيزه في نطاق الجبهة الاسلامية على العراق دون إيران، وقد يكون ذلك التراجع مجرد استرضاء أو استجابة للضغوط الآسيوية التي عبر عنها قادة كل من كوريا الجنوبية والصين واليابان، إذ ان أي هجوم أمريكي على كوريا الشمالية قد يتولد عنه رد فعل صاروخي أو ربما نووي عنيف يطال كلاً من كوريا الجنوبية والياباني. احتمالات ثلاثة هذه احتمالات ثلاثة في تفسير تصرف الرئيس الأمريكي خلال رحلته الآسيوية وإذا صح الاحتمال الأول فإن ذلك يدعم تحليلاً سابقاً أوردناه في مقال تناولنا به خطاب الرئيس في حالة الاتحاد رجحنا فيه بأن كل ما ساقه من تهديدات يندرج في خطة الاستهلاك السياسي الداخلي والدعاية الانتخابية القادمة، وهذا يعني ان الرئيس لا يزال يتبع خطط العقلانية السياسية ويحاول ان يدافع عن مستقبله السياسي، بل ويوظف ما حدث لصالح ذلك المستقبل الذي بدت عليه امارات التهديد، كما يعني ان الرئيس لم يقع بالكامل في أحابيل اليمين الديني والمنظرين العدوانيين لصراع الحضارات، وانه ما زال يغلب أساليب وحسابات التحليل العقلاني السياسي لقضايا الحرب والسلام، وفي هذه الحال فسينظر إلى عدم جدوى تغيير نظام صدام حسين. أما إذا صح أي من الاحتمالين الآخرين في تفسير تصرف الرئيس فيمكن الترجيح حينئذ انه قد بدأ يتخذ للحرب خطتها وعدتها، وانه عازم على توريط نفسه وبلاده في حرب يسهل التكهن بنتائجها الأولى، وقد يصعب ـ بل يستحيل ـ تقدير مآلاتها البعيدة، ان بإمكان أمريكا ان تخوض الحرب على انفراد ضد العراق، كما ان بامكانها ان تتجاهل كل الملاحظات والتحفظات الأوروبية على قرار الحرب، وان تتغاضى عن اعتراضات كل الأقطار العربية والإسلامية، ولكنها ستضطر في سباق التعاطي مع الواقع الاقليمي الجديد على اثر ازاحة صدام حسين لأن تتعامل مع كل تلك القوى التي تجاهلتها آنفاً، وفق حسابات جديدة يصعب السيطرة عليها أو التوفيق فيما بينها. ان استخدام القوة ليس صعباً، فأمريكا لا تعوزها القوة، ولا تعوزها القدرة على اصدار القرار بخصوص الحرب متخطية، لذلك مجلس الأمن والمجتمع الدولي أجمع، ولكن ليست هذه هي المسألة على الاطلاق فاستخدام القوة في هذه الحالة لن يحقق الأهداف المرجوة للسياسة الخارجية الأمريكية، انه قد يخلصها من صدام حسين، لكنه سيضع الولايات المتحدة أمام معضلات أكبر، تهون أمامها معضلة صدام حسين. ربما يريد الرئيس الأمريكي ان يحارب صدام حسين بسلاحه، سلاح الغي والتهور والبعد عن العقلانية والرشد، ولكن قبل ان يفعل ذلك فعليه ان يتدبر أمر صدام حسين، وما جر عليه غرور القوة من مآسٍ وبلايا لا حصر لها، وحول الرئيس مستشارون كثر لهم من الفكر والخبرة والاتزان ما يعوز الرئيس، يمكن ان يبعده الاستماع إلى نصائحهم من الانجرار في حرب العراق خصوصاً، وحرب الحضارات على العموم، كما ان حول الرئيس حشداً كبيراً من الدعاة الدينيين يحدثونه بأن الوقت الراهن هو أنسب ظرف لشن الحرب على المسلمين، ويحثونه لكي يمسك بتلابيب الفرصة السانحة عقب 11 سبتمبر، وهي الفرصة التي توفر في ظنهم كل الحيثيات اللازمة لاقتحام المسلمين. في ظل هذه الاحتمالات الثلاثة، وفي وجود تيارين أساسيين في الادارة الامريكية، تيار يحكم موازين التحليل العقلي القاصد، وتيار تتحكم به العواطف فإنه يمكن توقع حدوث الأسوأ وإن لم يكن الاحتمال الراجح، ففي منعطفات تاريخية بعينها تطغى لغة العاطفة على لغة العقل، وتنساق سياسات الدول بفعل العاطفة، وهذا ما يفسر الانحدار الذي طرأ على كثير منها، والا فكيف انهارت ألمانيا الهتلرية، وكيف انطوت صفحة الاتحاد السوفييتي السابق، وكيف حل بالعراق ما حل بها في أول التسعينيات. إن جماعات امريكية كثيرة قد أبدت انزعاجها أخيرا من انزلاق حكومتها في لغة الخطاب الديني. وقد احتجوا على ذلك كثيرا، لأن بلادهم قامت بشكل حاسم على الفصل ما بين الدين والدولة، وابعاد مؤسسة الكنيسة عن البيت الابيض، لم يشأ الآباء التأسيسيون للدولة الامريكية ان تتكرر في بلادهم سلاسل الحروب الدينية التي عانتها أوروبا كثيرا، والتي قادت خطاها لاحتلال الشرق، ولكن هاهي الكنيسة قد وجدت لها موطيء قدم مريح الآن في البيت الابيض، واحتمال تفعيل أجندتها في العلاقات الدولية غدا احتمالا واردا. ـ أستاذ العلاقات الدولية بالولايات المتحدة