الملف السياسي: تطورات مذهلة ومتسارعة تشهدها الساحة الدولية هذه الايام وتؤشر في مجملها الى أن مسألة توجيه ضربة للعراق اجتازت اطار المشاورات والمناقشات واصبحت أشبه بقرار أمريكي متخذ، لكنه لا يزال برسم التنفيذ وجاء الخطاب الرئاسي الامريكي بمناسبة يوم الاتحاد، والذي حدد فيه ما يعرف بدول «محور الشر» «كوريا الشمالية وايران والعراق»، وخطورته على المصالح الامريكية والعالم الحر، وترددت اصداؤه بقوة من كافة عواصم بلدان العالم معربة عن قلقها الشديد من أجواء التصعيد الامريكي وتأثير ذلك على الأمن والاستقرار في العالم وخطورته على المصالح الحيوية لكافة الدول، وخاصة الدول الكبرى ناهيك عن الخطر الحقيقي على الدول الثلاث المعنية بهذا التهديد. ثم تلا ذلك تراجع واضح من جانب ادارة الرئيس بوش حيال كل من ايران وكوريا الشمالية الى تلك «المنظومة المفترضة» استنادا لحسابات اخرى تتعلق بعلاقة كل من البلدين بالاوضاع الاقليمية والدولية، مع الابقاء على صلابة الموقف تجاه العراق الأمر الذي يؤكد ان المحاور سيتم اختزالها الى واحد فقط، وان المحور الحقيقي الذي يسكن في مخيلة مخططي البنتاجون هو «ضرب العراق» وعبر عن ذلك كولن باول وزير الخارجية ان العراق هو «محور قائم بذاته» وقد بدا واضحا للادارة الامريكية انها لابد ان تكون حريصة على انتهاز الفرصة الحالية لتحقيق تدمير العراق واخراجه نهائيا من معادلة القوة في الشرق الاوسط، فرغم الحصار المفروض عليه ورغم القصف الجوي المستمر منذ عام 1991 للبنية الاساسية الاقتصادية والعسكرية ورغم الحظر الجوي والغارات التي تشن من حين لآخر مازال العراق قادرا على ان يكون طرفا فاعلا فيما يدور في الشرق الاوسط، وايضا مازال في الاعتقاد انه يملك امكانيات عسكرية تخشى منها اسرائيل وبالتالي اصبح الهدف الامريكي ـ الصهيوني العاجل لتدميره والاجهاز على ما يملكه من قوة عسكرية وما يمتلكه من ارادة للصمود. واشنطن خلال اكثر من عشر سنوات مضت لم تخفف في موقعها تجاه العراق، وكعادتها عندما لا تتوافر لها الحجج والذرائع الجديدة تلجأ الى الحجج والذرائع القديمة، وذريعة المفتشين للبحث عن الاسلحة متوافرة دوما هي موضوعة في حساب «تحت الطلب»، فالتفتيش الذي تطالب به الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا ليس سوى الذريعة التي يستظل بها العدوان الامريكي وهو ما يشير اليه المراقبون عندما اعتبروا ان مسألة التفتيش لا تبرر القصف والحرب بل ينبغي افساح المجال واعطاء فرصة كافية للامين العام للامم المتحدة لكي يتواصل مع الحكومة العراقية الى صيغة سياسية لايفاد فرق التفتيش للتحقيق في ذلك. وقد ورد هذا العرض من خلال رسالة نقلها امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى الى امين عام الامم المتحدة كوفي عنان، ولكن هذا العرض ـ كما يبدو ـ كان سابقا للتطورات الاخيرة ولم تثمر نتائجه سواء في خطاب الرئيس الامريكي جورج بوش او في تصريحات مستشارته الدبلوماسية كونداليزارايس وهي التطورات التي اسقطت كل الحسابات التي كانت واردة في اعتبارات العراق عندما وجهت الرسالة والتي كانت جزءاً من حملة دبلوماسية شملت العالم العربي وبعض الدول الصديقة والتي اعقبت زيارة امين عام الجامعة لبغداد. ورغم كل ما كان يقال عن مسألة ضرب العراق وما كان يدور من جدل حول ما اذا كانت الادارة الامريكية جادة في توجيه مثل هذه الضربة ام لا، كذلك البحث في توقيت مناسب لتلك الهجمة، فقد تعود بوادرها كما يرى المحللون الى ما كان يجري الحديث عنه قبل اكثر من عام عندما كانت الحملات الانتخابية الامريكية على أشدها، في ذلك الوقت ركز المتابعون لتلك الحملة على أحد بنودها بالنسبة الى الرئيس بوش الذي كان مرشحا وقتها للرئاسة حيث ادخل الملف العراقي ضمن حملته مما يعني ان هذا الموضوع يمثل الاولوية القصوى بالنسبة اليه، ويبدو ان الرئيس بوش الذي دخل عامه الثاني في الحكم اصبح حريصا على تنفيذ ذلك البرنامج خصوصا ما يتعلق بهذا البند الذي يرتبط معه بجملة من عوامل الجذب الشخصية والعامة ولا سيما ما يتعلق بارتباطه بأزمة الخليج بشخص بوش الاب وتطور حالة العداء مع العراق الى التركيز على البعد الشخصي بشكل قوي. خطة الهجوم جاهزة ويبدو ان التطورات الاخيرة قطعت الشك باليقين لجهة ان احداث سبتمبر الماضي اسهمت في ارجاء تنفيذ هذا البند من برنامج بوش بمعنى ان القرار كان متخذا من قبل ولو في قرارة نفسه لكن احداث سبتمبر الماضي اعادت ترتيب الاولويات ودفعت بالقضية الافغانية الى الواجهة لتخلص الى النتيجة التي هي عليها اليوم، وبهذا فان اول ما فكر به الرئيس بوش عقب بلوغ الحملة ضد طالبان مداها، العودة الى «الملف العراقي» رغم اعتراف المسئولين الامريكيين وصناع القرار في العالم بعدم وجود ما يربط بينها وبين موضوع الارهاب الذي يجري التعامل معه من قبل جميع دول العالم وفق المنظور الامريكي حين عجزت كل الدوائر وكما هو معروف عن اثبات العلاقة بين العراق وتلك الاحداث وانحصرت الاتهامات في زاويتين احداهما زاوية رفض بغداد عودة المفتشين الدوليين التابعين للامم المتحدة والذي كلفوا فيه البحث عن اسلحة الدمار الشامل و«الثانية» زاوية الشك بأن بغداد تعمل على تطوير قدراتها في مجال اسلحة الدمار الشامل سواء النووية او الجرثومية والكيميائية وهي شكوك فقط وفي غير محلها خصوصا وان بغداد تنفي ذلك ولا يوجد بجانب ذلك من يملك الدليل على اثبات تلك التهمة. ورغم ان المفتشين الدوليين الذين حرثوا العراق بحثا عن الاسلحة وتدميرا لها شهدوا في اكثر من مرة انه لم يعد العراق يملك اي سلاح من اسلحة الدمار الشامل، فتصر واشنطن على عودة المفتشين الدوليين واكدت ان العراق سيتعرض لضربة عسكرية واسعة سواء قبل بعودة المفتشين ام لم يقبل. ومستشارة الرئيس بوش للامن القومي كوندوليزا رايس اكدت ايضا ان الباب مفتوح امام احتمال ان يكون العراق هو الهدف التالي على اللائحة الامريكية في الحرب ضد الارهاب، ويأتي التهديد الاخير للرئيس بوش ليكمل الصورة ويعفي الجميع من الاجتهاد واكثر من ذلك يبدو ان الخطة العسكرية للهجوم على العراق اصبحت جاهزة لدى المخططين الاستراتيجيين الامريكيين ولا تنتظر الا الاعتماد وتحديد ومباشرة التنفيذ، فواشنطن قررت ذلك وهي لا ترى نفسها ملزمة تجاه اي جهة عالمية او اتجاه العالم بأسره بأن تقدم اسبابا ومبررات بل وتعلن صراحة انها عازمة ايضا على تغيير نظام الحكم فيه وبالقوة، بعدما نجحت تجربتها في هذا المجال في افغانستان مما يعني انها بداية لمرحلة مختلفة تماما وهي مرحلة امكانية ان تقوم واشنطن مباشرة وبالقوة العسكرية بتغيير انظمة الحكم وتوجهات الدول وحتى ثقافات الشعوب بعدما كانت تقوم بذلك خفية او بواسطة اجهزة الاستخبارات والمؤسسات الاقتصادية ووسائل الدعاية الدولية التي تحتكر السيطرة عليها. اسرائيل المستفيدة ومهما تنوعت التصنيفات الامريكية في طابعها المعقول واللا معقول فان المؤشرات واضحة الى اندفاع وهجوم امريكي مرتقب على بغداد، الا ان ذلك ليس بالسهولة التي اقترن بها سقوط النظام الطالباني رغم ما تقوم به الادارة الامريكية من جهد لتحقيق ذلك، فثمة اجماع في اوساط خبراء الدفاع على ان العمليات الجوية لا تؤدي الى تحقيق الاحداث المنشودة لواشنطن وان ما حدث من نجاحات في منطقة افغانستان لا يحقق نجاحات على ارض الواقع في العراق الذي تنعدم فيه المماثلة مع الحالة الافغانية تماما. وبعد جولة الرئيس بوش الاسيوية والتي تحمل في بعض آفاقها بناء تحالف ظرفي جديد لتسهيل الحملة العسكرية الجديدة على العراق يقوم نائبه «ديك تشيني» بجولة اخرى في المنطقة تشمل زيارة ثماني دول عربية واسرائيل ثم يزور تركيا وبريطانيا، وتوقيت الجولة تأتي متزامنة مع تصاعد التهديدات الامريكية بضرب العراق واجتياح اراضيه وهو ما يعني ان للزيارة علاقة وثيقة بالهجوم المرتقب، وما يزيد من اهمية الزيارة تلك التصريحات العربية التي تحولت الى تحفظ على الضربة في بعض الدول والى اعتراض صريح عليها من دول اخرى، عليه فجولة ديك تشيني تأتي في توقيت حرج بالنسبة للاستعدادات الامريكية لتوجيه الهجوم للعراق ففي الوقت الذي تتواصل فيه التدريبات الجوية المشتركة بين كل من اسرائيل والولايات المتحدة وتركيا راحت «اوروبا» تظهر اعتراضها على انفراد واشنطن بتوسيع نطاق الحرب ضد ما يعرف بالارهاب، فالمواقف الاخيرة للاتحاد الاوروبي والانتقادات اللاذعة التي وجهت لاسرائيل وشارون وتفرد بوش بحملته تلك قد شجعت الدول العربية على التمسك بضرورة استمرار اوروبا في القيام بدور فاعل في الشرق الاوسط سواء على صعيد الاوضاع في الاراضي الفلسطينية والمحتلة او على مستوى تداعيات التهديدات الامريكية بتوجيه ضربة للعراق وهو ما يعكس ايضا قدرا كبيرا من التكهن بخلاف بين وجهتي النظر الامريكية والأوروبية لا سيما عقب رفض واشنطن للمبادرة الفرنسية، ويبدو ان الانحياز الاعمى للتطرف الاسرائيلي قد اغضب أوروبا التي رأت في هذا الانحياز اضرارا بمصالحها وعلاقاتها في المنطقة العربية ومن ثم فإن هناك سباقا خفيا بين الطرفين للوصول الى صيغة تفاهم مشترك مع الاطراف العربية الرئيسية والفاعلة وهو ما يعكسه تزامن جولتي (ديك تشيني وفيشر) وان كان هذا التسابق دون مرحلة التصادم بين الخطط الامريكية والمساعي الأوروبية، ويبدو ذلك قد دفع وزير الخارجية الألماني فيشر لتحذير واشنطن من التفرد في الحملة الدولية ضد الارهاب وانتقد صراحة محاولات الادارة الامريكية اتخاذ خطوة ما في حق العراق معتبرا انه ليس في المعقول تنفيذ امر ما دون اثباتات دامغة لان ذلك سيؤدي الى التصرف بطريقة احادية الجانب، كما لوح ايضا الى ان التحالف الدولي ضد الارهاب لن يكون بمقدوره الاستمرار بنفس صيغته الحالية اذا ما عزمت واشنطن على مهاجمة العراق لان هذا التحالف على حد تعبيره لم يقم على الاساس الذي يسمح باتخاذ خطوات معينة ضد بلد معين وبصورة انفرادية. وباسم الاتحاد الاوروبي ايضا اعلنت اسبانيا رئيس الدورة الحالية فيه أنه سوف يستمر العمل وستتخذ القرارات التي يراها الاتحاد مناسبة بمعزل عن تصريحات الرئيس الامريكي، واضافت فرنسا على لسان وزير خارجيتها (هوبير فيدرين) بأنها ستحتفظ بحرية التقدير حيال ما يجب القيام به من افعال والوسائل الواجب استخدامها ذلك ان مكافحة الارهاب يجب ان لا تعتمد على الوسائل العسكرية فحسب، واعتبر مقر الاليزية خطاب بوش موجها للداخل الامريكي مطالبا الامم المتحدة بدور امثل وبالتشاور بين الحلفاء لتسوية مشكلات العالم، وموقف الرئيس شيراك هذا يستبطن رفضاً للاحادية الامريكية ومطالبة الشرعية الدولية بالتحرك. كذلك نددت بكين باللغة والمفردات التي يستخدمها بوش في العلاقات الدولية، وبدوره اعتبر الرئيس بوتين ان (كل نموذج علاقات دولية يقوم على هيمنة قوة واحدة لا مستقبل له). واذا كان الرئيس بوش يود التأكيد على احتفاظه لنفسه بحق استخدام القوة وتوجيه ضربة لبغداد رغم كل المناورات الجارية لثنيه عن ذلك، فإن من شأن موقفه هذا ان يفتح فجوة عميقة في علاقاته مع الدول الاوروبية وكذلك العربية والاسلامية ومعها روسيا والصين. وكذلك يكمن عامل القوة في الموقف الامريكي في منطقتنا العربية في الوضع العربي غير المتماسك، وغير القوى، وغير المتوجه نحو تقوية الذات القومية، والتفكير المستقل عن الآخر، لذلك فإن على الدول العربية ان تتجاوز حالة الاطمئنان الزائف وتغادر حالة الانتظار لاتخاذ موقف عربي موحد لا سيما وان عقد القمة العربية التي ستعقد في العاصمة اللبنانية في نهاية شهر مارس المقبل تفرض الا يكون هناك اي تحرك امريكي لضرب العراق أو اية دولة عربية اخرى حتى لا يتعرض الانعقاد لحرج بالغ قد يدفع الى اتخاذ مواقف رسمية لا تتفق وضرورات الحوار مع الادارة الامريكية، فالموقف العربي القوي الموحد المتوافر له كل عناصر الصدق والجدية يملك من المصداقية والقدرة على اقناع واشنطن باعادة النظر او على الاقل بالتفكير جيدا قبل الاقدام على خطوة كالتي تتحدث عنها الادارة الامريكية، وعوامل الصمود العربية تكمن في تحديث البنية السياسية للدول العربية بتحقيق الديمقراطية والمشاركة الشعبية الحقيقية وتقوية العلاقات بين هذه الدول في مختلف الميادين وتغليب التناقض الاساسي على التعارضات الثانوية. ـ كاتبة عراقية