الملف السياسي: يبدو للمراقب انه وفقا للتصريحات الرسمية الامريكية شديدة اللهجة ضد العراق أن هجوماً عسكرياً امريكيا ضد العراق قد بات وشيكاً جداً، الا ان حقيقة الامر تشير الى ان اي هجوم عسكري، وأي محاولة جادة للاطاحة بالنظام العراقي تتطلب تحضيراً دقيقاً قد يستغرق عدة شهور ان لم يتجاوز العام على الحد الادنى، وقد لا ينفع بالصورة التي قد يتخيلها البعض اطلاقاً. فعملية عسكرية ضد العراق تتمشى مع الخطاب الامريكي الرسمي الحالي بلا شك بحاجة الى بناء تحالف دولي متين ودعم داخلي متواصل الى جانب تهيئة الظروف العسكرية الملائمة لخوض اكثر من حرب في آن واحد. ان قيام الحكومة الامريكية بعمل عسكري ما ضد العراق باعتباره قد صُنف كأحد محاور الشر الداعمة للارهاب الدولي بلاشك اصبح مطلباً داخلياً لطرفي المعادلة، الحكومة الامريكية والشعب الامريكي. فقد ادرك الشعب الامريكي بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ان الاراضي والمدن الامريكية لم تعد آمنة من هجوم يلحق اضراراً هائلة بالأرواح والممتلكات. وبذلك فقد أيد الشعب الامريكي حكومته في مسعاها والهادف الى استخدام كافة الوسائل المتاحة للقضاء على ظاهرة الارهاب الدولي والدول التي ترعاه. وبذلك فان العراق اصبح يشكل في مخيلة الشعب الامريكي رمزاً من رموز الشر وراعياً اول للارهاب الدولي يجب مواجهته بكافة الوسائل بغض النظر عما اذا كان الشعب الامريكي محقاً في نظرته للعراق على انه احد محاور الشر والراعي الاول للارهاب الدولي. من هذا المنطلق فقد أيد الشعب الامريكي الادارة الامريكية من خلال الكونجرس في حربها ضد الارهاب الدولي بل وتقبل الشعب الامريكي فرض اجراءات امنية داخلية غير مسبوقة كان ينظر اليها من قبل على انها تشكل تعدياً صارخاً على حقوق المواطن وحرياته الدستورية لاسيما ما يتعلق منها بالاجراءات الامنية المتعلقة بالمطارات والملاحة الجوية، وحماية منشآت الحكومة الفيدرالية والمؤسسات الامنية والحيوية، لاسيما المنشآت النووية والعسكرية. على أنه يجدر القول ان مواصلة الدعم الشعبي للحرب ضد الارهاب بلا شك ترتبط بمدى نجاح العمليات العسكرية الامريكية في افغانستان والفلبين. من ناحية اخرى فانه بالرغم من التأييد الشعبي الامريكي للعمليات العسكرية في افغانستان إلا انه لم يلمس حتى الان نتيجة حاسمة للصراع تتمثل بالقاء القبض على اسامة بن لادن والملا عمر الزعيم الروحي لحركة طالبان، لذلك فان الحكومة الامريكية بلاشك تشعر بحرج امام مواطنيها، كما انها تشعر انها بحاجة الى فتح جبهات اخرى وان كانت حتى الان ذات طابع خطابي تهدف من خلالها الى إلهاء الشعب الامريكي والزج به في أتون مغامرة عسكرية اخرى تغطي فشلها في الوصول الى نهاية حاسمة في افغانستان، كما تتمكن من خلالها تبرير حجم الانفاق العسكري المتصاعد والمتمثل بزيادة هائلة في ميزانية الدفاع في عصر ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وتسابق اجهزة الحكومة العسكرية المتمثل بالبحرية الامريكية، وسلاح الجو، والجيش في التسابق في انتاج نظم عسكرية حديثة وتطوير نظم تسليحية جديدة لمواجهة اخطار المستقبل. الاعتبارات الدولية يبدو ان التحدي الذي تواجهه امريكا في مخططاتها ضد العراق يتمثل بالمجتمع الدولي ـ وان كان هذا التحدي ذا طابع خطابي شكلي ـ فالولايات المتحدة لا تحظى بالدعم الاقليمي والدولي لعملية قيصرية ضد العراق وإن كانت من الناحية النظرية لا تحتاج له بأي شكل من الاشكال. فالولايات المتحدة من منظور العلاقات الدولية تعتبر الدولة المهيمنة اي الدولة التي تستطيع بالاعتماد على مقدراتها من تنفيذ رغباتها بغض النظر عن وجهات نظر اشخاص المجتمع الدولي الاخرين سواء كانوا دولاً او منظمات او تنظيمات دولية. ويجدر القول هنا ان اختلال التوازن في العلاقات الدولية والذي نشأ بعد زوال الاتحاد السوفييتي وعدم مقدرة اوروبا والصين وروسيا على بلورة دور مواز للدور الامريكي قد منح الولايات المتحدة مكانة الدولة المهيمنة على العلاقات الدولية، صاحب ذلك من الناحية الداخلية حسم الصراع الذي نشأ بين اتجاهات الانعزالية في السياسة الخارجية ودعاة الفعالية في العلاقات الدولية بسبب احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، ان تم وضع خطاب الهيمنة حيز التنفيذ وبذلك فقد اعتمدت امريكا مبدأ الاحادية بدلاً من التعددية في اتخاذ مواقفها وصياغة سياستها الخارجية حيال قضايا المجتمع الدولي، بغض النظر عن وجهات نظر اشخاص المجتمع الدولي دولاً، وحكومات ومنظمات وتنظيمات. فأمريكا كدولة مهيمنة ليست بحاجة الى استئذان الامم المتحدة او اي دولة اخرى، او الاستعانة بالتنظيمات الدولية في اتخاذ الاجراءات المناسبة لحماية مصالحها بل وتوسيع اطار تلك المصالح عالمياً، على ان الموافقة الشكلية الدولية ايجابية لكنها ليست ضرورية لاي عمل عسكري تقوم به الدولة المهيمنة ـ امريكا ـ ضد العراق او اي دولة اخرى. المعارضة الدولية والاقليمية للهجوم الامريكي ومدى جدية تلك المعارضة فيما يتعلق بالقوى المعارضة لضرب العراق لابد من الاشارة بداية الى انها غير قادرة على اتخاذ مواقف فعالة وجوهرية تستطيع ايقاف امريكا من القيام بعمل عسكري ما، جذرياً كان، ام عملاً عسكرياً شكلياً. فمن الناحية الاقليمية، فقد أكدت دول المنطقة بما فيها الكويت على ان اراضيها لن تستخدم في ضرب اي دولة بلا غطاء وتأييد دولي من الامم المتحدة، الا ان حقيقة الامر تشير الى الحقيقة التي مؤداها انه وان كان النظام الاقليمي لا يبدو مؤيداً لضرب العراق الا ان دول المنطقة لن تشعر بالحزن على اختفاء النظام العراقي الحالي. فايران على سبيل المثال لاتزال تعاني من آثار حرب الخليج الاولى ولن تنسى ايران لصدام حسين حربه المريرة ضدها وان كانت تقود حملة المناهضة للوجود الامريكي في المنطقة، الا ان معارضتها ذات طابع شكلي غير مبدئي. اما تركيا وان كانت مستفيدة من الظرف الحالي المتمثل بالاستثمارات وفوائد النفط خارج اطار الامم المتحدة فانها ايضا لن تشعر بالاسى لفقدان النظام العراقي بسبب مشكلات الافراد، بل ان تحالفها الاستراتيجي مع اسرائيل مبني على ديمومة وانعدام الاستقرار في بلاد الجوار العربي. اما الدول العربية، فانه ليس هناك دولة عربية على الاطلاق توافق على ضرب العراق بالرغم من مواقف النظام العراقي تجاه دول الجوار، الا انها ليس لديها القدرة على الاطلاق بثني الولايات المتحدة عن مساعيها ان ارادت ضرب العراق وغزوه ميدانياً وتقسيمه. فقد اشارت امريكا مراراً الى انها لا تعبأ «بالرأي العام العربي». اما على مستوى الحكومات العربية فان امريكا تعتقد ان المعارضة الخطابية سوف تختفي وسرعان ما تدرك الدول العربية جدية السياسة الامريكية في الاطاحة بالنظام العراقي، من ناحية اخرى فانه يمكن القول ايضا ان الدول العربية المجاورة لن تشعر بالحزن على اختفاء النظام العراقي الحالي. فعلى سبيل المثال فان المملكة العربية السعودية حكومة وشعباً لن تنسى للرئيس العراقي صدام حسين ضربه للرياض بصواريخ سكود المتزامنة مع ضربه لتل ابيب حيث ساوى بين دولة شقيقة ودولة عدوة مغتصبة، وينطبق ذلك الموقف على دول الجوار والتي اثرت فيها قضية معاناة الشعب العراقي ومشكلة اللاجئين والمشردين العراقيين في الدول العربية دون ظهور أمل وشيك لانهاء معاناة الشعب العراقي. اما فيما يتعلق بالدول الاسلامية فانها وان عارضت ضرب العراق شكلياً فانها تفتقر لآليات ومقدرات توفير الامن والحماية للشعوب الاسلامية والاقليات والدول الاسلامية، والدفاع عن قضاياها العادلة في فلسطين وكشمير والفلبين والشيشان، من جهة اخرى فان الدول الاسلامية تدرك تماماً تخبط النظام العراقي ومغامراته المدمرة للعالمين العربي والاسلامي، لذلك فان التعامل على دور اسلامي لمواجهة الولايات المتحدة يبدو امراً غير واقعي. اما عن دور الحركات الاسلامية وحركة القومية العربية، فانهما لم تتمكنا اطلاقاً من حشد تقديرات الامتين في مواجهة القضايا المصيرية الاممية. ففيما يتعلق بالحركة الاسلامية عموماً فقد أيدت العراق في حرب الخليج الثانية وابدت تعاطفاً مماثلاً لتعاطف القوميين العرب مع العراق الا ان الدعم الخطابي لم ولن يرقى الى دعم حقيقي يمكن العراق من الصمود امام ضربة امريكية قيصرية تستهدف استئصال النظام. فالحركة الاسلامية وان ايدت العراق لاعتبارات تتمثل بكراهيتها لامريكا بسبب دعمها لاسرائيل، الا انها تدرك الخلاف المبدئي والايديولوجي مع النظام العراقي، من هنا فانني اشك بانها ستأسف كثيراً عن رحيل النظام العراقي. هل فعلاً أمريكا جادة في الاطاحة بالنظام العراقي ان التساؤل الذي يثير الجدل، هل فعلاً ان أمريكا جادة في التخلي عن سياستها الخارجية القائمة على خلق بؤر التوتر وديمومتها مما يؤهلها لادامة وجودها الدولي من ناحية، وسعيها لارضاء الشارع الامريكي المؤيد لمواجهة الارهاب والدول التي ترعاه. بلاشك فان النظام العراقي قد قدم خدمات جليلة للولايات المتحدة بشكل مباشر وغير مباشر اقليمياً ودولياً عجزت عن تقديمها الدول الحليفة للولايات المتحدة. فقد اسهم النظام العراقي الحالي في فترة صفاء العلاقات بين البلدين في تقدم وتوسيع اطار المصالح الامريكية في المنطقة، وعندما تعكر صفو العلاقات بين البلدين، مكن الولايات المتحدة من تحقيق اهداف استراتيجية جليلة لم تكن تحلم بها من قبل ففي وقت صفاء العلاقات بين البلدين، حظي العراق بدعم وتأييد الادارة الامريكية له في حربه ضد ايران سعيا منه لاستثمار الظروف الداخلية الايرانية عقب الثورة لتحقيق مكتسبات اقليمية وبذلك فقد استفادت الولايات المتحدة من حرب الخليج الاولى بان اجهضت المد الثوري الايراني الناجم عن انتصار الثورة الاسلامية في ايران لاسيما في منطقة الخليج العربي وعبر العالم الاسلامي. لذلك فقد حظي العراق بكافة انواع الدعم العسكري وذلك للاقتصاص من ايران بسبب الاهانة التي الحقتها بامريكا ابان ازمة الرهائن والاطاحة المريرة بحليف امريكا في المنطقة، شاه ايران وتدمير مصالح امريكا في ايران. من ناحية اخرى فقد استفادت امريكا من المبيعات العسكرية للعراق ولدول المنطقة الاخرى بسبب نمو ظاهرة إنعدام الاستقرار الاقليمي الامن الوطني لدول المنطقة. اما في فترة ما بعد حرب الخليج الاولى، فقد بدأت العلاقات بين البلدين تتدهور بسبب عدم ادراك النظام العراقي لدوره الاقليمي في مرحلة ما بعد الحرب. فقد شعرت حليفة امريكا الاولى ـ اسرائيل ـ بتهديد قوة العراق لأمنها وللتوازن الاقليمي، والذي اسهمت به العراق كثيرا لاسيما ما يتعلق بزيادة حدة التوتر مع دول الجوار العربي ـ لاسيما دولة الكويت ـ وبذلك فان غزو العراق للكويت ومحاولته فرض نظام اقليمي جديد لا يتماشى مع المصالح الامريكية ومصالح حلفائها في اوروبا والشرق الاوسط قد أزم الموقف الاقليمي واعطى امريكا فرصة ذهبية لتعزيز وجودها العسكري في منطقة الشرق الاوسط. وبذلك فقد فرض العراق على دول الجوار عبئاً أمنياً لا يمكن تجاهله، وذلك باضطرار دول الجوار العربي لاسيما المملكة العربية السعودية الى تقديم تسهيلات عسكرية بالرغم من عدم رضا المملكة المبدئي عن مثل هذا الوجود الامريكي على اراضيها، كما فرض على دول الخليج العربي عبئاً مالياً تمثل بزيادة الانفاق العسكري بدلا من تخصيص عائدات الدخل الوطني لغايات التنمية، وبذلك فقد وقعت المنطقة مرة اخرى في دوامة من الصراع وانعدام الاستقرار لم تستطع الخروج منها حتى بعد مضي احدى عشر عاماً من حرب الخليج الثانية. بل ان حدة التوتر قد زادت اقليمياً وزادت معاناة الشعب العراقي بالاخص والشعب العربي عامة حيث ان أعباء التوتر العسكري والعقوبات الاقتصادية قد دمرت اقتصاد بعض دول الجوار للعراق لاسيما الاردن، كما فرضت اعباء مالية ضخمة على الكويت والمملكة العربية السعودية وباقي دول الجوار والناجم عن زيادة الانفاق العسكري للاستجابة لاحتياجات الامن الوطني، على ان الموقف لايزال يتصاعد حدة وتوتراً، فاصبح العالمان العربي والاسلامي يعيشان حالة من الترقب وازمة نفسية حادة متمثلة بمعاناة الشعب العراقي، والتي لاتزال تشكل جرحاً يدمي قلوب الاحرار والذين يشاهدون حرائر العراق واطفاله وشيوخه يموتون بسبب الامراض الفتاكة ونقص الغذاء دون ان يتمكنوا من مد يد العون لهم بسبب العقوبات الدولية. وعليه يمكن القول ان ضرب العراق لا يشكل خياراً امثل للسياسة الامريكية في المنطقة من الناحية العقلانية حيث سيحرم امريكا من أحد أهم العوامل المحفزة لها على التواجد في المنطقة ومواصلة مسيرة استنزاف خيرات المنطقة، الا انه ليس من الضروري ان تكون قرارات السياسة الخارجية مبنية على منظور عقلاني كما علمتنا شواهد العقدين الاخيرين، لذا فان المستقبل القريب والبعيد يحمل في طياته مخططات جديدة بلاشك ستؤثر على الترتيبات الاقليمية لمنطقة الشرق الاوسط. ـ مدير مركز الدراسات السعودية ـ واشنطن