الملف السياسي: في عام 1897 كتب الرئيس الأمريكي في حينه تيودور روزفلت إلى صديق له «بكل كتمان... أرحب بأية حرب، لأني أعتقد أن البلد يحتاج إلى واحدة». ولكن هذا الرئيس ليس استثناء للتفكير الذي يسود النخبة الأمريكية، بل هو القاعدة التي لم يشذ عنها معظم الرؤساء الأمريكيين. ولا يحتاج المرء لكبير عناء أو كثير من مشقة كي يرى أن كل رئيس أمريكي خاض حربا أو غزا غزوة. فالحرب في تراث النخبة الأمريكية لها جناحان تطير بهما، جناح الضرورة وجناح الرغبة. فأما الأول فيعكس احتياجات الهيمنة والتوسع. ولقد كان ذلك ديدن السياسة الأمريكية، اقتحام في البداية لكل الحدود داخل أمريكا الشمالية حتى أصبح لهذا التوسع مؤسسته الأسطورية «التخوم الجديدة» في حقول الأدب والسياسة. ولم يكتمل النهم الأمريكي باكتمال قيام الولايات المتحدة، إذ سرعان ما تلاحقت الغارات على أراضي الأمريكتين الأخريين ضما واستعمارا. وتواصل فعل الحرب الأمريكي في القرن الماضي على امتداد القارات. أما الثاني، فيرى في الحرب استعلاء وفخارا يزيل الصدأ عن النفوس ويصقل الهمم ويحرك الطاقات الكامنة. فصور الآلاف من البشر وقد تطايرت أشلاؤهم، ومشاهد الملايين الهائمة على وجهها يقتلها الجوع والمرض، ومناظر المدن المتداعية أحياؤها المدمرة مستشفياتها ومدارسها، المخربة مصانعها ومزارعها ليست إلا أعراضا جانبية لا تستهوي إلا ذوي الأحلام الصغيرة. فالحرب ليست إلا نصرا أو هزيمة. والحرب الجارية لم تبدأ بعد الحادي عشر من سبتمبر. فالحرب ليست اسما، وليست توقيتا، وليست مكانا. فهذه تعبيرات عنها. فالحرب نية وتخطيط، وقد كانت تخطط لها الولايات المتحدة قبل وصول الإدارة الجمهورية. فمعظم من في الإدارة الحالية من المسئولين كانوا يقولون ويكتبون أنه آن الأوان كي تنفض الولايات المتحدة عن نفسها عبء التحالفات، لأنها مقيدة للتصرف ومؤدية إلى المقايضات. فأمريكا، في نظرهم قد تلكأت طويلا وأهدرت وقتا ثمينا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حينما لم تغتنم فرصاً قل نظيرها لأية دولة من قبل. أما أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقد أعطاها العنوان والتوقيت ومكان البدء. ولعل من يحسن المتابعة يرى أن الولايات المتحدة لم تكترث لدول التحالف في حربها ضد «الإرهاب» كبيرها أو صغيرها إلا بقدر ما تقدمه من خدمات. كما أنها، ولم تنته بعد من أولى مراحل حربها حتى كشفت عن سخريتها من مفهوم الإرهاب الذي ابتدعته في خطاب بوش عن دول محور الشر. فقد قالت صراحة في هذا الخطاب وما تلاه من بيانات ما لم تقله إلا مداورة في حربها في أفغانستان. وما يسمعه العالم الآن من مسئوليها يفوق فجاجة وقسوة ما ابتدعه ميكيافيلي، إذ يؤكدون علنا أن لا قيمة للأمم المتحدة وأن ما تراه الولايات المتحدة مصلحة هو القانون الدولي، فمصلحة الأمير، في هذه الحالة الولايات المتحدة، تبرر كل وسيلة وتسوغ أية جريمة. والحرب التي تتهيأ أمريكا لشنها ضد العراق مثال على التصميم المبيت والإعداد المسبق. ويظهر ذلك في أمرين. الأول أنه في عام 1988 نشر عشرة مسئولين أمريكيين سابقين استراتيجية من تسع نقاط لإسقاط نظام الحكم في العراق، وهؤلاء يتقلدون مناصب سامية في الإدارة الحالية ومن بينهم وزير الدفاع ونائبه. كما أن الحزب الجمهوري تبنى في برنامجه خطة شاملة لإزاحة صدام حسين عن السلطة. وقد تواترت الأخبار في الإعلام الأمريكي قبل أحداث نيويورك وواشنطن أن كبار المسئولين الأمريكيين كانوا يعقدون اجتماعات عديدة تبحث كيفية بناء خطة متكاملة لضرب العراق. الثاني، أن المسئولين الأمريكيين حاولوا أن يربطوا بين أحداث سبتمبر والحكومة العراقية، حتى أنهم ضغطوا على الحكومة التشيكية لتغيير معلوماتها عن اتصال أحد المتهمين بالمشاركة في تلك الأحداث بدبلوماسي عراقي. كما أنهم حاولوا حصر رسائل الجمرة الخبيثة بالعراق، حتى حينما كانت الدلائل تشير إلى أن مصادرها محلية أمريكية. ثلاثة بدائل والسؤال المهم هو، ما الذي تريد فعله حقا الولايات المتحدة؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إلا في ضوء أربعة عوامل: الأول، ما الذي تقوله الولايات المتحدة؟ الثاني: كيف تريد تحقيق ما تعلن عنه؟ هل الفرصة متاحة لفعل ذلك؟ الرابع: ما هي أهداف الولايات المتحدة؟ فما تعلنه الحكومة الأمريكية أفصح عنه «حمامة» أمريكا كولن باول في كلمة له أمام لجنة الموازنة الفرعية المنبثقة عن مجلس الشيوخ. حيث ذكر «أنه بالنسبة لإيران وكوريا الشمالية فليس هناك خطط لبدء حرب معهما» أما بالنسبة للعراق فذكر أن سياسات الحكومات الأمريكية السابقة تقوم على «تغيير الحكومة لمصلحة الشعب العراقي، ومصلحة المنطقة، ونحن ندرس مجموعة من البدائل». ثم أضاف «أنه ليس أمامه توصيات تنطوي على نزاع مسلح في الغد». فهذه التصريحات لأعقل المتطرفين الأمريكيين تعنى وجود خطة أمريكية للعدوان على العراق لكن تترك أمر توقيته لحين توفر الظروف المناسبة التي تعمل بجدية على إنشائها. وهو يؤكد أن مصلحة المنطقة، أي مصالح أمريكا، تتطلب ذلك. وكيف ستحقق أمريكا ما تعلن عنه؟ هذا أمر متروك للتكهنات التي يقوم بعضها على أساس وبعضها يستند إلى خيال جامح. وأمريكا تشجع كل التنبؤات فذلك جزء من الحرب. والتكهنات تحوم على بدائل ثلاثة، هي: الأول: قصف مدمر للعراق يصحبه تحرك للشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال، وقد ينطوي على تقسيم للعراق. ونجاح هذا المخطط دونه صعوبات محبطة له. أولها، أن تحرك الشيعة تتحكم فيه بشكل جوهري قوى تعادي الولايات المتحدة. ثانيها: أن الأكراد يسيطرون على المنطقة الكردية، وتحرك أي فصيل لوحده سيثير هواجس الفصائل الأخرى، أما تحركها جماعيا بالزحف على بغداد فمستبعد لأن كثيرا من الأكراد لا يقبلون بخوض معركة تبدو أنها ضد العرب في العراق، وبخاصة أن قوى إقليمية لها تأثيراتها المتناقضة على الساحة الكردية تجعل موقفا كرديا موحدا قليل الاحتمال، ناهيك عن التجربة المرة للأكراد مع الأمريكان. أما إعلان دولة كردية فدونه مصاعب، وحتى على افتراض حدوثه فكيف سيسقط ذلك النظام؟ بل سيزيد من متاعب تركيا وإيران وبالتالي يزيد من مشاكلهما الداخلية، وربما هذا ما تريده الولايات المتحدة. البديل الثاني، قصف يركز على القوات المسلحة العراقية، وبالذات الحرس الجمهوري، لتفتيتها ومن ثم لخلق الأجواء المناسبة لانقلاب عسكري. وهذا البديل محبب لدى الأمريكان لأنه يجنبهم متاعب البديل الأول. لكن هذا يفترض أن الأمريكان لديهم قاعدة انقلابية جاهزة للتحرك. ومعلوماتهم الأساسية ومن ثم اتصالاتهم الرئيسية تتم بدون ريب عن طريق عملائهم الهاربين من العراق. وإذا كان هؤلاء لم يستطيعوا حينما كانوا في العراق وفي أماكن هامة أن يقوموا بأي عمل يذكر فكيف بهم يدبروا أمرا بهذه الخطورة من فنادق اللهو التي ينعموا بأطايبها، وكيف يمكن التوثق من أن لديهم اتصالات أصلا، أو أن هذه الجهات التي يتم الاتصال بها لا تقوم بدور مزدوج.ثم كيف يضمن الأمريكان أن من قد يتولون السلطة بعد الحكم الحالي سيكون ولائهم للأمريكان. وفي الحقيقة فإن وصول قوة إلى السلطة ليست معهم سيزيد مشاكلهم لأن هذه القوة ستأتي حينذاك بمشروعية مضاعفة أنها أطاحت بالنظام وأزالت ذريعة للحصار، وأنها تعادي الأمريكان. البديل الثالث، قصف تدميري يصاحبه غزو أمريكي. ولا تتوافر أية مصداقية لهذا البديل. فأمريكا أصبحت نفسيا وعسكريا لا تحسن القتال إلا عن بعد أو باستخدام الآخرين. ومثل هذا البديل يحتاج إلى مشاركة فعلية عربية ليست واردة في الظروف السياسية الحالية. الحارس الوحيد لكن هل الفرصة سانحة لأمريكا للقيام بذلك؟ ثلاثة عوامل تقرر ذلك. العامل الأول، هو المسرح الأمريكي، وهو حتى هذه اللحظة مشحون بلغة الحرب ومصطلحات الثأر تلقمه وقودا مستمرا وسائل إعلام النخبة، ومع ذلك فإن صيحات الاعتراض الدولية بدأت تنادي عليه. العامل الثاني، المجتمع الدولي الفاعل، أوروبا وروسيا والصين، الذي لا يستسيغ التفرد الأمريكي لأنه إضعاف لمصالحه في المدى البعيد. العامل الثالث، الوضع العربي الرسمي الذي يرى أخطارا قادمة في الحرب الأمريكية. وأمريكا يهمها في هذه المرحلة الصمت العربي، والأفضل بعض التأييد الرسمي العربي. ومن هنا رحلة نائب الرئيس الأمريكي إلى المنطقة حتى يقطف ثمار الضغط الأمريكي على البلدان العربية. لأن الموقف العربي سيحسم إن تجانس مع الموقف الدولي المعركة على المسرح الأمريكي. حينذاك ستخشى المؤسسة الأمريكية الواسعة على مصالحها. ولكن إذا نظرنا إلى مصالح أمريكا في المنطقة، النفط وإسرائيل، فإن بديلا رابعا سيتكشف. وهو ضرب العراق ضربة موجعة تجعل المنطقة في حالة من الخوف والذعر تدفع البعض إلى التمسك بالتواجد العسكري الأمريكي أكثر من قبل خوفا من الزلزال المحتمل الذي قد يعجل به التكبر الأمريكي نفسه. كما أنه خطاب قوي للفلسطينيين والسوريين والإيرانيين. أما دعاواها حول الإطاحة بالنظام فهي كدعاواها بملاحقة بن لادن والقاعدة. فأمريكا ترى أنها نجحت في حرب أفغانستان ليس لأنها أطاحت ببن لادن وإنما لأنها كثفت وجودها العسكري في بلدان ومدته إلى بلدان أخرى، فأصبحت حارس نفط قزوين. وهذا ما تريده في المنطقة أن تكون الحارس الوحيد على موارده فلا تظن قوة أخرى أنها تستطيع أن تقاسمها إياها، ولا يظن أهل المنطقة أنهم يملكونها. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن