بيان الاربعاء: قدم المفكر العربى دكتور عبد الله علي كلمة فى المنتدى الثقافى لمهرجان الشباب العربي في الخرطوم في نوفمبر 1987 عنوانها «العروبة والاسلام فى السودان بين الرعاة والدعاة» جاء فيها: من اوضح المقولات شيوعا عن الجماعة العربية الاسلامية، فى السودان انها رأس الجسر بين العرب وافريقيا، وقد ترتب على هذا المقال ان اصبحت الجماعة فى السودان ملزمة قوميا ودينيا بنشرالعربية مبتدئة بجيرانها من الافريقيين فى جنوب السودان. يجب ان نعترف اولا ان الدور المرسوم للجماعة العربية الاسلامية فى السودان دور مرهق جدا، فقد كان بإمكان هذه الجماعة ان تنعم بوقوعها على هامش مضخات الحركة والتجدد فى الثقافة العربية الاسلامية مثلها مثل اى جماعة اخرى لولا وقوعها كـ (ثغر) او (راباط) بالمصطلح الجهادي في تماسها مع جماعات افريقية يظن حملة الاديان الكتابية بما فى ذلك الاسلام انها خالية من العقيدة.. لقد ترتب على هذا الوضع ما يلى: ـ 1 ـ انتباه العرب بقضية نشر الاسلام فى افريقيا. 2 ـ ترتب على استعداد الجماعة العربية الاسلامية فى السودان للقيام بدورها المرسوم ان تعاملت مع الجماعات الافريقية المساكنة لها فى الوطن ( السودان ) كرجرجة بلا ثقافة ولا دين. اتهمت لغتها بالعجمة ودينهم بالوثنية واتصلت دعوتها الفكرية المدعومة باجراءات الدولة الوطنية لكسر المقومات الدينية واللغوية لهذه الجماعات الافريقية لتستبدل لغتها باللغة الصواب (العربية) والدين بالدين الصحيح (الاسلام). نتيجة لهذا الموقف نشأ سوء تفاهم بين الجماعة العربية الاسلامية والجماعات الافريقية فى السودان وهو سوء التفاهم الذى تفجر فى حرب اهلية مازالت مستمرة. 3 ـ يجب الاقرار ان الجماعة العربية الاسلامية بفضل مهمة الدعوة الموكلة اليها قد انتهت الى منهج خاطيء حيال ديمقراطية التساكن القومى بالسودان. سياسة العزل وفيما يلي أجمل انواع الكساد والبوار التي ترتبت على ذلك: ـ ادت وظيفة الدعوة موضوع النقاش الى تشويهين كبيرين فى بناء الدولةٍ السودانية هما: ـ (أ ) فى اكثر الاحوال لا ينبثق المطلب لارساء الدولة المسلمة فى السودان من حاجة باطنية للمسلمين تجسد اشواقهم للتقوى والعدل الاجتماعى فقد كان دائما لحاجات الجهاد والتبشير الخارجية اعتبار عظيم فى هذا المطلب. (ب) أصبح من الصعب عند الكثيرين ممن تشربوا وظيفة الدعوة القومية العربية الاسلامية ان يوازنوا بين مهمتهم كرجال دولة مسئولين عن جماعات وطنية متباينة الثقافات وبين مهمتهم كدعاة كثيرا ما تغلب الداعية على رجل الدولة وهذا ما يفسر التوتر بل الاخفاق الذى لازم بناء الدولة السودانية. هناك اسباب اخرى ادت الى تصاعد حدة النزاعات فى السودان وما تبعها من عدم استقرار سياسى ومجتمعى منها: 1 ـ فى فترة الحكم الاستعمارى نفذت الادارة البريطانية عملية هندسية اجتماعية هدفها تعميق الفجوة بين شمال السودان وجنوبه تحت مسمى المناطق المقفولة او المعزولة عن بقية اجزاء القطر شملت هذه المناطق جنوب السودان ومناطق فى الشمال منها منطقة جبال النوبة. 2 ـ الضعف التاريخى للدولة السودانية وتخليها عن الدور الاجتماعى والاقتصادى فى مرحلة ما بعد الاستقلال بدور عجز الدولة عن القيام بدورها يمكن اجماله في الاتي: ـ أ ـ ضعف المشاركة السياسية ب ـ الاخفاق التنموي ـ اقصاء الخصوصيات فى الاطراف (المناطق المهمشه) 3 ـ تخلف الحركة السياسية عموما وضعف المجتمع المدنى له ايضا اسبابه: أ ـ الفردية (ضمور روح العمل الجماعى) خاصة عند النخبة. ب ـ الجمود والدوران حول قضايا لم تعد مجالا للجدل في كل انحاء العالم (الهوية كعلاقة الدين بالدولة والديمقراطية كاحترام حقوق الانسان) ج ـ غياب الرؤى الاستراتيجية وغلبة التفكير الآني على طرح رؤى لها ابعاد مستقبلية. د ـ محدودية القدرة على التكيف والتعامل السلس مع المتغيرات المحلية والاقليمية والدولية. ه ـ تضخيم الذات ونفي الآخر واتباع اساليب ملتوية فى العمل السياسي (المكايدة والتآمر والخضوع وبطريقة مكشوفة للاجنبى وقبول ان تكون له الكلمة الفاصلة ). س ـ غياب المشروع الوطنى والاحزاب القومية ادى الى غلبة الانتماءات الاولية على الانتماء والولاء للهوية الجامعه ( الوطن ) 4 ـ المتغيرات الاقليمية: الطابع الايديولوجى للنظام الحاكم فى السودان وتبنيه لاستراتيجية تصدير الثورة لدول الجوار في بداية التسعينيات أديا الى عزلته اقليميا ودخول هذه الدول طرفا فى صراعاته الداخلية السودان اليوم معرض للتفكك والانقسام نتيجة للاستقطاب العربى الافريقي. 5 ـ المتغيرات العالمية: نتيجة للتطورات التي حدثت فى هيكل النظام الدولى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي اتسعت دائرة اهتمام الاسرة الدولية لتشمل قضايا كانت فى مرحلة ما مقدسة التدخل فى الشأن الداخلى للدول بعد ان اصبح لحقوق الانسان بعدا عالميا، اهتمت الاسرة الدولية بالانتخابات خاصة في الدولة المتهمة بعدم احترام حقوق الانسان، والرقابة على نزاهتها، وبحماية الاقليات، انشاء مناطق آمنة، الاشراف على نزع السلاح من مختلف الفرقاء في الحرب الاهلية، ضمان وصول الامدادات الغذائية والمساعدات الانسانية الى مستحقيها في المناطق التي تعانى من كوارث طبيعية او صراعات داخلية، الاسهام فى اعادة بناء هياكل الدولة ومؤسساتها بعد انتهاء الحرب الاهلية. البنود السابق ذكرها وارتباطها باعادة بناء هياكل الدولة فى البلاد التى يحدث فيها تدخل مباشر عبر مايسمى بالشرعية الدولية او الحلف الاقليمى كما حدث في كوسوفو او تحالف الراغبين وهو التدخل الذي تم في تيمور الشرقية العامل المشترك فى كل هذه التداخلات هو الدور الامريكي النشط فهو المحرك الرئيسى والمرجعية الاساسية رغم التخفى فى تحالف فضفاض ( التحالف ضد الارهاب ) او التحرك تحت مظلة الامم المتحدة وحرب الخليج الثانية كانت المثل والبداية التى طورت معها الولايات المتحدة اساليبها في ادارة مصالحها عبر وسائل مختلفة حسب ظروف البلد المعنى جبال النوبة والمشروع الامريكي: النوبة والعجز السوداني شغلت التطورات الاخيرة التي حدثت في السودان ودخول امريكا مباشرة فى العمق السودانى ورعايتها عبر نقاط قدمها السيناتور جون دانفورث لكل من حكومة السودان والحركة الشعبية،حدد بموجبها اسس السلام فى منطقه جبال النوبة كخطوة اولى تتبعها خطوات، شغلت هذه التطورات الشعب السودانى ودول الجوار والاسرة الدولية. والاسباب واضحة اهمها عجز ابناء السودان عن ايجاد الحلول لقضاياهم، تعثر المبادرات الاقليمية، ربما كانت هنا تساؤلات مشروعة فى مقدمتها لماذا جبال النوبة؟ جغرافيا تغطى منطقه جبال النوبة مساحة قدرها 30 الف ميل مربع، وتقع في موقع وسيط بين الشمال والجنوب. تاريخيا هناك صلة بين النوبة في شمال السودان والتجمعات السكانية فى منطقة جبال النوبة ولاسباب مختلفة تعرض سكان منطقة جبال النوبة لعمليات تهميش سياسى واقتصادى وثقافى أدى الى عزلتهم الامر الذى فرض عليهم اخيرا تكوين تنظيمات سياسية وعسكرية والدخول فى معارك دامية غيرت معالم المنطقة وافقدتها كل مقومات الاستقرار والنماء. القضية فى المقام الاول قضية تخلف والحرب التي اندلعت فى المنطقة لم يكن سببها التعدد الاثنى والتنوع الثقافي والدينى فى منطقة جبال النوبة كما يعتقد البعض خاصة فى اوروبا والولايات المتحدة الامريكية. نعم للحرب اسبابها وهي افراز طبيعى للظلم الذي اصاب سكان هذه المنطقة وهو الذى دفعهم لتكوين تنظيمات سياسية لم تمكنهم من الوصول لاهدافهم المشروعة مما ادى الى تغير المعادلة التي كانت تحفظ التوازن ودخول البندقية كوافد جديد اريد به حسم الصراع بالقوة. الان بعد ان اضعفت الحرب آليات صنع السلام وعمت الفوضى والحقد كبديل للتسامح والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع، على الجميع اعادة النظر في كل ممارسات الماضى ومراجعة كل مراحل الحكم الوطنى مراجعه نقدية بهدف الوصول لاسباب الصراع ومعالجتها جذريا اعتمادا على الذات وعلى تجارب السودانيين وقدرتهم على الوقوف صفا واحدا فى زمن الازمات حدث هذا في بداية الاستقلال الذي تم اعلانه باجماع الرأي من داخل البرلمان. مشاكل السودان لن تحل عبر المبادرات الخارجية والدول الاجنبية لها ايضا مصالحها التي قد تتقاطع مع مصالح الشعب السودانى. اسباب تدهور الاوضاع فى جبال النوبة: المعالجة الجذرية لاي قضية تبدأ بالتشخيص ومعرفة الاسباب، تمشيا مع هذه النظرية يمكن تلخيص اسباب التوتر فى المنطقة فى النقاط الاتية: 1 ـ عدم المساواة في الفرص للاستفادة من الموارد الطبيعية. 2 ـ التدخلات التنموية المشوهة والتفكيكية التي قامت بها الدولة فى منطقة جبال النوبة كان لها مردود سلبى على سكانها. تحول اقتصاد المنطقة الى النمط النقدى ادى الى تدهور الاقتصاد الريفى اذ شهد ادخال مشاريع الزاراعه الالية في عام 1969 وصول التجار العرب (حسب دعوى سكان المنطقة ) سيطرتهم على الاقتصاد وبلورة نظام طبقى التجار فى قمته اما النوبة ففي اسفل السلم الاجتماعي. فشل مشاريع صغار المزارعين ومشروع التنمية الريفية لجبال النوبة علاوة على محدودية حجمها وعجزها عن الوصول الى القاعدة الاكثر فقرا فى الريف. 3 ـ تفكيك المؤسسات الاهلية التي كانت تؤثر فى كل اوجه الحياة بين النوبة والعرب، كانت البداية للزوال التدريجى للحكمة الاهلية، ضاعف من الاثار السالبة ما حدث بين عامي 1989 و1995 من تحول جذري في مفهوم الادارة الاهلية، اذ قامت السلطات تمكينا لمنسوبيها بتعيين ادارة اهلية منتمية للتنظمات الاسلامية وان كان الانتماء مجرد تطلع غير مشروع، المهم لم يراع فى التعيين الوزن القبلى ولا الكفاءه او القبول الشعبى، وقد ترتب على هذه الخطوة غير الموفقة تفكك المؤسسات القبلية التى كانت توظف لخدمة السلام والتسامح كما فقد رجال الادارة الاهلية دورهم فى ربط ومعالجة القضايا المحلية مما دفع الكثير منهم الى الهجرة وترك المنطقة التي أصبحت طاردة لابنائها وزعمائها. 4 ـ اتباع نظرية الحرب هى الحل ودخول المنطقة فى دوامة الصراع الدموى والحرب كما هو معروف دمار مستمر ومرحلة استثنائية تعطل فيها كل قيم التسامح والتعايش والقانون ليحل محلها الشك والتدابير الوقائية الصارمة بدعوى الامن والحفاظ على وحدة التراب الوطنى. ربما لاننا لم نتفاعل بصورة ايجابية مع الاسباب التي ذكرت مما ادخلنا فى دوامة الحلول المؤقتة والتعامل بعشوائية مع ازمة خطيرة ومعقدة فتح الباب امام المبادرات الاجنبية التي اصبح السؤال عنها يشكل افتتاحية لاي حوار بين اكثر من واحد فى السودان واخيرا جاء دانفورث فى ظروف مواتية (محلية واقليمة ودولية ) محليا عم البلاد احساس باليأس والخيبة واتخوف من نجاح أي حوار سودنى سودانى، اقليميا تقاطعت مصالح دول الجوار حول السودان الذي اصبح موضوعا وكرة متتداولة تحت ارجل الدول الصغيرة والكبيرة وزاد من فرص نجاح مشروع دانفورث الغزل المتبادل بين الولايات المتحدة والنظام الحاكم فى السودان اضافة الى اهتمام الاسرة الدولية (منظمات المجتمع المدني) بقضية انهاء الحرب فى السودان بدوافع انسانية. رحب سكان المنطقة بالعرض الأمريكي فالمدخل الذى اختاره دانفورث كان جاذبا، كيف يرفض انسان فرضت عليه العزلة والحرب والخوف والفقر عرضا على الاقل ظاهريا يحمل بين طياته الاستقرار والحماية وتوفيرالحاجيات الاساسية مع توفير البيئة المناسبة لسكان المنطقة للمشاركة في السلطة واقتسام الثروة والالتزام بتحقيق كل هذا بضمانات دولية ترعاها اكبر دولة فى العالم هى الولايات المتحدة. عاملان اخران كان لهما اثر فى تعظيم الدور الامريكى هما: 1 ـ ضعف الحكومة والمعارضة وعجزهما عن الاعتراض على ما قدمه دانفورث صراحة، حتى التحفظ الخجول قدم بصورة فيها الكثير من الغموض والخوف من الغضب الامريكي. 2 ـ هيمنة امريكا على كل المنطقة العربية والافريقية وقدرتها على تحريك الاطراف الاقليمية والدولية للقيام بادوار تتكامل مع بعضها وتصب فى النهاية فى المجرى الرئيسى الذى خطط له امريكا. لكل هذه الاسباب اصبحت لامريكا كلمة مسموعة ومؤثرة فى مستقبل السودان. التفاهم الديني ـ ما العمل؟ ـ سؤال مهم كيف يقف الشعب السودانى واشقاؤه العرب والافارقة على الرصيف انتظارا لما تفصح عنه خطوات المشروع الامريكى المتلاحقة والمجهولة لاصحاب القضية الاساسيين، القضية في نظري يتوقف على ارادة السودانيين، المشاكل المطروحة فى السودان موجودة في كل دول العالم والسودان يمكن ان يكون نموذجا للتعايش والتكامل بين مختلف شعوب االقارة الافريقية فهو افريقيا مصغرة، الدكتور على مزروعى يرى ان افريقا يمكن ان تمثل عنصر التعاون بين المسيحية والاسلام انطلاقا من دافع ان المسيحية بحسب انتشارها الآن تعتبر ديانة افروغربية، وان الاسلام بنفس المعيار ديانة افروآسيوية وبالتالى فان افريقيا هى العامل المشترك الذي على اساسه يمكن ان يقوم التعاون والتفاهم بين الديانتين، مع الاخذ فى الاعتبار ان افريقا هى اكثر القارات من حيث نسبة المسلمين إلى غيرهم. فاذا افترضنا ان اكثر نقاط الخلاف بين اطراف النزاع فى السودان صعوبة هى علاقة الدين بالدولة نجد ان نجاح السودان فى هذا المجال يمثل نجاحا لكل افريقيا ومدخلا لمرحلة جديدة هيمرحلة الاستقرار والتنمية.