سلام بعد المبادرة السعودية، بقلم : د. جواد العناني

مبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز والتي لخصت في جملة واحدة خلاصتها «تطبيع شامل مقابل سلام شامل»، اتت في وقتها وميعادها، وصدرت عن الرجل المناسب. ولكن المفاوض الاسرائيلي المراوغ ، كعادته، اخذ منها الجانب الذي يوده، وترك الجانب الملزم له، وصار الترحيب الإسرائيلي، من خلفه بعض وسائل الإعلام الغربية، منصباً على جانب التطبيع، وليس جانب الانسحاب الشامل. ومهما يكن، فإن الأمور تتحرك نحو التحسن للصالح الفلسطيني، فقد تحول حصار الرئيس عرفات في رام الله من نقطة ضعف لصالح شارون، إلى نقطة ضعف في مخططه السمج السخيف، وبدلاً من ان يسافر الرئيس عرفات من مكان إلى آخر، وهو أمر كان موضع نقد كثير من الفلسطينيين، صارت الدنيا تأتي إلى عرفات وتحول مقر اقامة الرئيس الفلسطيني إلى الجبل الذي يسعى إليه، بدلاً من سعي الجبل نحو الناس. وكذلك لاحظنا في الأسابيع القليلة، وبخاصة الثلاثة الأخيرة منها، ان عمليات المقاومة الفلسطينية توجهت نحو أهداف عسكرية أو استيطانية داخل الأرض المحتلة. وهذا تقدم ملحوظ في المقاومة، ورغم ان إسرائيل على ألسنة متحدثيها لاتزال تصف هذه العمليات «بالإرهابية»، فانها محرجة منها حتى النخاع. وإسرائيل لا تجد نفسها الا مضطرة لتصعيد عملياتها ضد أهداف السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي تريد ان تقول ان أهدافها عسكرية، وليست مدنية، ومقابل ذلك، فان أهداف المقاومة عسكرية أيضاً، وضد معتدين يقطنون على أراضيها، وينهبوا ماءها وترابها وهواءها. ولذلك، فان نمط المقاومة صار الآن أكثر مقبولية، واقوى فعالية وإسرائيل صارت تخسر ضحايا. والخوف كل الخوف بعد هذا كله، هو ان يجد شارون نفسه في موقف حرج ومستميت على بقاء حكومته، مما يدفعه إلى ارتكاب مجزرة بشعة في فلسطين، ويبقى هذا الخوف قائماً، ولذلك فان أجهزة الإعلام الفلسطينية والعربية يجب ان تبقى منتبهة من حالة الخوف والذعر الذي قد يسعى «شارون» لخلقها عندما تضيق عليه الحلقات من كل حدب وصوب. ومما يلفت النظر كذلك، ان معركة الانتخابات الإسرائيلية قد بدأت، وصارت تتمحور حول الاقدر على صنع السلام منهم مع الفلسطينيين والعرب، بدلاً من شعار الحملة الماضية، الذي انصب على من هو اقدر على تحقيق الأمن والسلام أولا والسلام ثانياً بأقل التضحيات الإسرائيلية من حيث الأرض والمستوطنات والموارد والأسواق في فلسطين. وقد رأينا ان حركة السلام الآن واليسار الإسرائيلي قد بدأوا يتجاوزون خجلهم وغضبهم على الرئيس عرفات بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد، ورأينا شيمون بيريز يسعى لتسويق مبادرته غير المتفق عليها مع أبي علاء، وقد شرحها قبل عشرة أيام للجنة العلاقات الخارجية بالكنيست، وكذلك صرح شارون انه لا يريد تدمير السلطة الفلسطينية أو الرئيس عرفات، بقدر ما يريد الفتك بالمنظمات الإرهابية حسب قوله. وبالمقابل، فان مفاهيم الفضاء الاقتصادي، والفضاء الأمني صارت أهم لكثير من الإسرائيليين من الفضاء الجغرافي الاستيطاني، وبمعنى آخر، فان الإسرائيليين يريدون الآن حل المشكلات الديمغرافية والمائية، والسعي للتعايش الاقتصادي مع المنطقة حتى لو اقتضى ذلك ان يردوا كل الارض المحتلة عام 1967، ومن الواضح ان الدول الرافضة واقعة في الوقت الحاضر تحت ضغوط كثيرة لن تسمح لها بأن تبدي أي مقاومة تذكر في حالة قبول إسرائيل بمقترح الأمير عبدالله بن عبدالعزيز. وكذلك فان المخاوف الإسرائيلية من قنبلة باكستان الذرية، قد وضعت تحت السيطرة الأمريكية، وأما ايران فانها دولة براجماتيكية أكثر مما تظن، وانها تسعى الآن لحل اشكالياتها الاقتصادية الخانقة. ولذلك، فان مبادرة الأمير عبدالله لم تأت من فراغ، بل اتت مدروسة، وكان ذكاء منه ان تأتي في سياق مقابلة مع «توماس فريدمان» محرر الصفحة الدولية في جريدة نيويورك تايمز، والمعروف في المنطقة العربية بكتابيه الشهيرين «من بيروت إلى القدس»، و«الليكسس وشجرة الزيتون»، وذلك لأن الرجل المنحدر من اصول يهودية قد رحب بالمبادرة، وكان هذا عنواناً لاجتذاب اعداد كبيرة من الإسرائيليين ويهود أمريكا خلف المبادرة مما يضع مزيداً من الضغوط على شارون، ويقوي موقف الإسرائيليين واليهود الراغبين في السلام الشامل القائم على الانسحاب الكامل. لقد سحبت مبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز النفس السلبي من كلمة تطبيع، التي صارت في عرف المشككين بالنوايا الإسرائيلية والرافضين للسلام مع إسرائيل كلمة سيئة السمعة. وبتنفيس هذه المعاني السالبة من التطبيع، يصبح السلام أكثر منالاً، وموقف المقاومة في حالة رفض إسرائيل له أكثر مقبولية على المستوى الدولي، وأكثر فاعلية في الميدان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات